الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لو قرأتم الفاتحة على كل المحروقين

لو قرأتم الفاتحة على كل المحروقين

د.أحمد القديدي

” تمنيت لو وقف نوابنا المحترمون في نفس اللحظة ترحما على روح محروق آخر هو الشيخ الفقيه المعاق ذي الكرسي المتحرك أحمد ياسين الذي قتله الجيش الإسرائيلي في غزة الصابرة فجر يوم 27 مارس 2004 وهو يغادر المسجد بعد أداء صلاة الفجر بصاروخ حارق أطلقوه من طائرة أباتشي فتحول الجسد الطاهر إلى رماد متفحم ما عدا وجه الشيخ الشهيد الذي كان مجللا بابتسامة الرضا بالشهادة…”
ــــــــــــــــــــــ

أبدأ بالترحم على الطيار الأردني معاذ الكساسبة وأقرأ فاتحة الكتاب على روحه المزهقة وهو جرم مستنكر حتى بمنطق الشريعة السمحاء التي تأمرنا بحسن معاملة الأسير الأعزل وأعزي أهله و ذويه كما فعل مجلس نواب الشعب التونسي يوم اجتماعه الأول بعد انتخابه لكني شخصيا حين ترحمت على الطيار الأردني نويت في قرارة نفسي ومناجاتي مع الملكوت أن تشمل الرحمة كل المحروقين المسلمين قبل معاذ وتمنيت لو قرأ نوابنا الكرام نفس الفاتحة في نفس اللحظة على أرواح كل ضحايا الحرق من المسلمين في هذا الزمن الجائر لأن النار التي التهمت جسم معاذ لا تختلف عن النار التي أشعلها الصهاينة في جسم الطفل محمد بو خضير الفلسطيني ذي الأربعة عشر عاما يوم 16 سبتمبر 2014 بعد أن اختطفوه من أمام مدرسته وكان عذابه أشد من عذاب معاذ لأن المستوطنين أضافوا إبداعا جديدا للتفنن في حرق الجسد الطاهر البريئ فصبوا البنزين في فم محمد حتى ارتوى ثم أوقدوا النار ليروا هذا الطفل المسلم يشتعل من الداخل والخارج ويستمتعوا بالمشهد ويصوروه وبالطبع لم يكن محمد بوخضير لا طيارا يقذف القنابل ولا حتى مجندا مسلحا بل كان تلميذا أمنا يحمل شنطة المدرسة ويحلم بمستقبل عادي في وطن عادي ثم حين عرفت إسرائيل أن مضرم النار في الطفل إسمه يوسف بن دافيد قالت إنه مختل عقليا !!! وتمنيت لو وقف نوابنا المحترمون في نفس اللحظة ترحما على روح محروق أخر هو الشيخ الفقيه المعاق ذي الكرسي المتحرك أحمد ياسين الذي قتله الجيش الإسرائيلي في غزة الصابرة فجر يوم 27 مارس 2004 وهو يغادر المسجد بعد أداء صلاة الفجر بصاروخ حارق أطلقوه من طائرة أباتشي فتحول الجسد الطاهر إلى رماد متفحم ما عدا وجه الشيخ الشهيد الذي كان مجللا بابتسامة الرضى بالشهادة و الفرح بها كما شهد الشهود العيان الذين رفعوا جثمانه المحروق و كانت النار هي نفس النار بل أشد وأقسى لأن الشيخ ياسين لم يكن حاملا للسلاح ولا طيارا بل كان معتكفا مصليا خاشعا بين يدي خالقه طالبا حقه وحق شعبه في بقية وطن مسروق !! وكنت أتمنى لو توسع نوابنا في ترحمهم خالصي النية في الفاتحة ليشمل دعاؤهم المستجاب بإذن الله روح الشهيد البطل المحروق هو أيضا الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي صعقه صاروخ ملتهب وهو في سيارته بغزة يوم 17 أبريل 2004 بعد أيام قليلة من استشهاد الشيخ ياسين وهو الطبيب خريج جامعة القاهرة وأب ستة عيال وكان ذنبه الوحيد هو اقتراف “جريمة المقاومة للاحتلال” بعد أن عانى سنوات السجون والمعتقلات. ثم هل وصلتنا رائحة الأجسام الفلسطينية المحروقة في غزة منذ شهور مضت تحت وابل القنابل الإسرائيلية لأن تلك القنابل كانت مزودة بالفسفور الأبيض بشهادة أممية أي تلقى بها الطائرات المقاتلة لتحرق ؟ وعدد المحروقين من أطفال ونساء وشيوخ تجاوز الألفين! نعم ألفان لم يكونوا مقاتلين بل مواطنين عزلا بنصف وطن راضين بحكم الله منتظرين عدله لأنه يمهل ولا يهمل. تمنيت لو شملت فاتحة الكتاب الخاشعة التي تلاها بتأثر نواب الشعب أرواحهم الزكية حتى تكتمل الرحمة المطلوبة تحت قبة قصر باردو لتظلل أرواح هؤلاء الشهداء جميعا.
كما تمنيت لو أن فاتحة الكتاب اتسعت كلماتها المجيدة لعشرة آلاف محروق من مسلمي جمهورية إفريقيا الوسطى ومسلمي بورما ومسلمي البوسنة والهرسك الذين قضوا نحبهم ملقى بهم في جحيم بشري أوقده غلاة الصليبيين من نفس جنسيتهم بعد أن أوثقوهم وألبسوهم عجلات مطاطية وأشعلوا النار فيهم أحياء لمجرد أنهم مسلمون والعالم يتفرج والمجرمون يسجلون عمليات التطهير الديني حرقا أو رميا بالرصاص أو قتلا بالخناجر بالصورة والصوت بهواتفهم الجوالة ثم ينشرونها مزهوين بما فعلوا على مواقع التواصل الاجتماعي ولا حياة لمن تنادي من بين المترحمين المحترفين لحقوق الإنسان من المجتمع المدني الدولي في الغرب وهي الجمعيات الإنسانية التي عودتنا على إصدار بيانات الإستنكار والشجب حين ينتهك حق أو يمس بشر من غير المسلمين ! ولا أتذكر أن جمعية أو هيئة حقوقية غربية تذكرت هؤلاء الأفارقة والآسيويين والأوروبيين المسلمين برحمة أو حتى باستنكار دبلوماسي لمجرد رفع الملامة بل إن دولا مسيحية غربية تسترت على القتلة و تواصلت الإبادة إلى اليوم وليس للمسلمين كما لليهود و النصارى رابط عقدي (من العقيدة) يحميهم أو يردع قاتليهم وحارقيهم! فالنار التي التهمت أجساد هؤلاء هي نفس النار ورائحة اللحم البشري المشوي هي نفس الرائحة لكن الأنوف لم تشمها فقد أصيبت بالزكام المؤقت حتى تؤمر بالشم حين يختار لنا الغرب المتطرف ضحية نبكيها ونترحم عليها و نتظاهر في عواصم الغرب إنتصارا لها وحينها تستيقظ فينا عاطفة الرحمة التي كانت غائبة مغيبة فنهب بأصواتنا العالية منددين لنقرأ فاتحة الكتاب في نوع من أنواع التمييز الجائر بين الضحايا و كأننا نعطي لأعدائنا رخصة في مواصلة الحرق.
إن ما يعنيني اليوم هو أن تصحو الضمائر لأن السلطة فتنة (جربت بعضها واعتبرت بل و تبت عنها) أن تستيقظ فينا روح العدل في التعامل مع قضايانا وانظرحولك يا قارئي الكريم و أجل البصر كرتين نحو العالم العربي لتدرك مدى التردي الحضاري الذي وقعنا فيه باسم الأيديولوجيات المستوردة و تحت شعارات الطائفية و القبلية فاعتقدنا أننا بلجوئنا إلى بالونات نتقوقع فيها ننجو من مخاطر الإنهيار المبرمج لنا من خارج حدودنا كالذي يحدث في اليمن اليوم من تدمير ممنهج لما تبقى من مؤسسات الدولة الهشة بعد نقض الحوثيين لمعاهدة خليجية وافق عليها الجميع حين وقعوها لحل معضلة ما بعد علي عبد الله صالح و ها هو اليمن يسقط فيما هو أخطر من الفراغ الدستوري أي على أبواب الفتنة ثم أنظر حولك للعراق ولسوريا ولليبيا النازفة لتدرك حجم المأساة العربية هذه المأساة التي سببها الأهم هو ضياع النخب الحاكمة والمفكرة في متاهات الإنقسام وغياهب التجزأة. و لم يكن ظهور المفاجأة الداعشية إلا جزءا مما يخطط لنا باعتبارنا الرجل المريض في بداية هذا القرن وهي ظاهرة لا تشذ عن العنف العام والشامل والسائد الذي يطبع العلاقات الدولية بطابع القسوة الوحشية كما كان في سجن بو غريب و كما لا يزال في محتشد غوانتانامو على خلفية مجازر غزة و الدم المراق في بعض ميادين مصر وسينائها والمدن المقصوفة في سوريا والبيوت المحروقة في ليبيا والصراع الخفي الدائر في العراق والمتفاقم منذ أربعة عقود في العراق الذي لم يسعد منذ يوليو 1958 بيوم أمن واحد حين تم أيضا حرق جثامين الملك فيصل و رئيس وزرائه نوري السعيد و أفراد عائلتيهما بعد سحل الجميع وحين بدأ مسلسل الحرق والسحل والتدمير المستمر فالرحمة على جميع المحروقين منذ ذلك التاريخ ويا رب اسدل ستائر رحمتك وغفرانك وأمنك على المسلمين و ظللهم بظلك يوم لا يأويهم إلا ظلك الظليل سبحانك يا رب العالمين.

إلى الأعلى