الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / قياس توجهات الرأي العام ودوره في رسم السياسات ومعالجة المشكلات والتحديات

قياس توجهات الرأي العام ودوره في رسم السياسات ومعالجة المشكلات والتحديات

سعود بن علي الحارثي

” … ما يهمنا في هذا الموضوع أهمية العمل على دراسة وبحث وفهم التحولات التي تمر بها اتجاهات الرأي العام في السلطنة على ضوء تطور واتساع دائرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي, وما أفرزته من تحولات سريعة على بنية المجتمع وثقافته ونمط تفكيره, وهو ما أدى إلى تشكل رأي عام ضاغط وثقافة جديدة لم تكن معهودة حتى وقت قريب,”
ـــــــــــــــــ

عرفت العقود الأخيرة تطورات وتحولات متسارعة في استطلاعات الرأي العام وقياس توجهاته .. ويعرف مختار التهامي مفهوم الرأي العام بأنه ( الرأي السائد بين أغلبية الشعب الواعية في فترة معينة بالنسبة لقضية معينة أو أكثر. يحتدم حولها الجدل والنقاش. وتمس مصالح هذه الأغلبية أو قيمها مسا مباشرا … ). وتمثل دراسات قياس الرأي العام نقطة لالتقاء عدة علوم مهمة. فهي دراسة ( علمية يتم اجراؤها بشكل منهجي وتهدف الى معرفة آراء المواطنين تجاه إحدى القضايا الهامة … وتفيد نتائجها كل المهتمين من إعلاميين وباحثين ومسئولين. وتساعدهم في عملية اتخاذ القرارات وصياغة البرامج وتحديد الأهداف. كما أنها توفر كما ضخما من المعلومات في مختلف المجالات), وتعود أولى المحاولات لقياس الرأي العام إلى عام 1774 بالولايات المتحدة الأميركية من قبل مؤسستي أراز للاستطلاعات ومؤسسة بن فرانكلين لقياس الرأي العام في المستعمرات الأميركية لمعرفة مدى استجابة الجمهور الأميركي للحرب المقترحة ضد إنجلترا .. وانتشرت في الدول المتقدمة من خلال الجامعات والمعاهد العلمية المستقلة والمتخصصة في بحوث واستطلاعات الرأي العام، وهو ما يعكس اهتمام الحكومات بهذا العلم والرغبة في تطويره علمياً لصلته المباشرة بالجمهور وقضاياه ورغباته وتطلعاته وتفضيلاته في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أصبح تأثير الرأي العام يمثل للحكومات والمؤسسات الديمقراطية قوة لا يمكن تجاهلها في أي مجتمع أو دولة من دول العالم في الوقت الحاضر، وفي هذا الإطار يقول جيمس لوفيل صاحب صحيفة (اطلانتيك مانسلي) الأميركية في القرن الثامن عشر مؤكدا على أهمية الرأي العام قائلاً: ” إن ضغط الرأي العام شبيه بالضغط الجوي، إنه لا يُرى لكنه يضغط بقوة ستة عشر رطلاً على البوصة المربعة “. ومما لا شك فيه بأن التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وما يتبعها من شبكات ووسائل التواصل في عالمنا المعاصر وانتقال المعلومة في لمح البصر, حول الجمهور إلى متابع لكل ما يجري حوله في العالم لحظة بلحظة حد الادمان وتوظيفها في إجراء المقارنات وطرح الآراء والملاحظات الناقدة، والتأثير من ثم في عملية صنع القرار. وتكمن أسباب هذا الاهتمام المتزايد بالرأي العام، ليس في ((ارتباط هذه الظاهرة بالواقع السياسي للمجتمعات والدول على مختلف نظمها، بل في ارتباط الظاهرة بمجمل مناحي حياة الإنسان والمجتمع … ). وقد مرت دراسات وقياس الراي العام بمراحل متعددة من التطور في المنهجية والوسائل والاهداف وانتقلت من (الحقل المعياري الفلسفي الى حقل النظرية السياسية ومع بدايات القرن العشرين اهتمت بالجوانب النفسية والاجتماعية). الى جانب ذلك فتتوفرعدة طرق لقياس الرأي العام لا مجال لذكرها هنا .. اذ ما يهمنا في هذا الموضوع أهمية العمل على دراسة وبحث وفهم التحولات التي تمر بها اتجاهات الرأي العام في السلطنة على ضوء تطور واتساع دائرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي, وما افرزته من تحولات سريعة على بنية المجتمع وثقافته ونمط تفكيره, وهو ما أدى الى تشكل رأي عام ضاغط وثقافة جديدة لم تكن معهودة حتى وقت قريب, ويدفع بشكل متسارع نحو العمل على إنشاء مؤسسات متخصصة في طرق واساليب ودراسة توجهات الرأي العام في بلاد يشكل الشباب النسبة الأكبر من المجتمع. ومن الأهمية أن تتشكل لدينا مؤسسات معنية برصد توجهات الرأي العام وتطلعاته واستخلاص العوامل والأسباب التي تؤثر في هذه التوجهات سلبا كانت أم إيجابا وما اذا كان الوضع بصورته الكاشفة صحيا ويبين عن مجتمع واع بإمكاناته مدرك لواقعه وظروف مرحلته محتكم في ميوله وتوجهاته وتطلعاته وانطباعاته على أسس مشروعة وحقائق واقعية ورؤية سليمة, بمعنى انه متفهم للواقع وظروفه وبان توجهاته التي تكشف عنها اسئلته وملاحظاته وكتاباته وتعليقاته الرافضة او المؤيدة, الناقدة او الداعمة, ونظرته الإيجابية أو السلبية تنبع من ادراك ووعي وحس بالمسئولية الوطنية وتقدم صورة عن ان المجتمع بات متقدم في تفكيره ورؤيته الى المستقبل العديد من المسئولين ومعهم السياسات والبرامج والخطط المرسومة والقرارات المتخذة , ام أن الأمر لا يتعدى كونه رد فعل آني يعبر عن عواطف إنسانية ومشاعر وليدة اللحظة متأثرة بموقف أو حدث أو سياسات يرى فيها المجتمع تعديا على مصالحه أو قيمه المتوارثة ….. ؟ . وهو ما ستجيب عليه نتائج الدراسات والابحاث والمؤشرات والتي سيتم على ضوئها كذلك تحديد الاولويات والاحتياجات والاستفادة منها في اعداد الخطط والتوعية شريطة أن تجري مثل تلك الدراسات على أسس علمية ومنهجية تراعي الدقة في تحديد الأهداف وتعميم العينات وتحديد حجمها ومدى تمثيلها للقطاعات المختلفة من المجتمع, ولكي تجيبنا هذه القراءات أيضا عن عشرات الاسئلة ذات العلاقة بتوجهات المجتمع .. على ماذا تستند انطباعات المواطن وآراءه حول القضايا الوطنية والقرارات والتصريحات التي يقوم بها المسئولون ومؤسسات الدولة المختلفة وملاحظاته التقييمية على ادائهم وانجازاتهم ؟ ما هي الاسس والمعايير التي يريدها المجتمع في المسئولين عن المؤسسات الحكومية وممثليه في الشورى والمجالس البلدية ؟ لماذا هو في وضع المتبرم الساخط الغاضب منهم على ضوء التعليقات والكتابات والملاحظات التي يطرحها في وسائل التواصل ؟ كيف يمكن تحقيق نسبة رضا معقولة بين المواطنين على اداء المؤسسات المختلفة في الدولة؟ هل يتطلب الوضع الحالي تغييرا واسعا في تشكيلة هؤﻻء المسئولين ام اننا بحاجة الى تعزيز ادوات ووسائل المحاسبة وتوسيع صلاحيات المؤسسات التشريعية والرقابية والبلدية وتطوير مؤسساتنا الاعلامية واعطائها جرعات حرية اكبر ومعها مؤسسات المجتمع المدني لتصبح مؤسسات مجتمع حقيقي لها صلاحياتها وانجازاتها المحددة والواضحة؟ او العمل على اجراء تطوير واسع في هيكلة المؤسسة التنفيذية وتعيين متحدث رسمي ينطق باسم السلطة التنفيذية … ام ان الامر ناتج عن قصور في التعليم والقيم والوعي وبالتالي فان مجتمعنا بحاجة لتطوير ومراجعة سياسات ومناهج التعليم وبرامج التوعية والحوار الهادف مع شرائح المجتمع ..
ان دراسة توجهات الرأي العام والتعرف على كيفية تولد الانطباعات العامة والوقود المحرك والناشئ والمؤثر فيها, وتاثيرات الثقافة العامة للمجتمع الدينية والاجتماعية خاصة , والدوافع التي على ضوئها تتشكل آراءه وتصاغ توجهاته تضعنا امام معلومات جمة ومؤشرات وقراءات علمية وحقائق مبنية على واقع, وتفيدنا من ثم في اتخاذ القرارات ورسم السياسات وإعداد الخطط وتنفيذ المشاريع ويجنبنا العديد من المخاطر والانزلاقات ويوجهنا الى المستجدات والتطورات التي يشهدها المجتمع والاسلوب العلمي الامثل والافضل للتعامل مع افراده وتاثيرات وسائل التواصل الاجتماعي وتحديثاتها المتواصلة على تفكيره ممارسة واستجابة وتلقيا للكم الهائل من المعلومات, ويجيب على العديد من الأسئلة حول وعي المجتمع ومستواه الثقافي وتأثره بالمعطيات والمعلومات والسياسات والأحداث الخارجية,على ضوء تقييم الرغبات والدوافع والاتجاهات والتطلعات التي توجه الآراء والملاحظات والتعليقات وتشكل في مجملها رأي عام ضاغط يدفع به المشاركون واعضاء وسائل التواصل الى الفضاء العام ليصل الى المسئولين ومؤسسات الدولة والمواطنين, وتقييم أثره ونتائجه على ضوء قوة المشاركة والاجماع على الرأي واستمرار الاثر وتصاعده من عدمه حول قضية أو موضوع او تصريح او حدث داخلي او خارجي … ومدى إمكانية وسهولة تغيير توجهات الرأي العام وتوجيهه الى قضية اخرى عبر إشغاله بموضوع آخر جديد وان كان لا يمثل أهمية سابقه ولكنه لا يمثل ضغطا على السياسة العامة او القرار المتخذ. لقد شكل المجتمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي رأيا عاما وضغطا متواصلا للمطالبة بتأجيل تطبيق قرار الهيئة العامة لحماية المستهلك الصادر بتاريخ 15/6/2014م , حول حظر رفع أسعار بعض السلع الأساسية, وكان لهذا التعبير أثره القوي اتساعا ومشاركة في التعامل مع مختلف القضايا والملفات والأحداث التي يشهدها المجتمع, على سبيل المثال لا الحصر: ( تغريدات وتصريحات عدد من المسئولين … موقع السلطنة وتصنيفها من قبل المؤسسات الدولية المعبرة عن تطور أو تراجع جودة الخدمات والتعامل مع حقوق الإنسان وحرية التعبير …آثار الأمطار الأخيرة وضررها على بعض مناطق محافظة مسقط …. ردة الفعل حول ما يتعرض له تاريخ وسياسة السلطنة أحيانا من تشوهات مقصودة أو مغلوطة من بعض الشخصيات … ) , وهي تعطي قراءات ومؤشرات مهمة عن التحولات والتطورات التي يشهدها المجتمع وأثر وسائل التواصل الاجتماعي على ثقافته وتوجهات الرأي العام, وتقدم أفكارا ومرئيات مهمة لصانع القرار في رسم السياسات ووضع الخطط وصياغة الخطاب الموجه إلى المجتمع كما أشرنا إلى ذلك سابقا. فمع اتساع وتطور وتنوع شبكات التواصل الاجتماعي وقيام المواطن بتصوير ونقل الأحداث فور وقوعها والتعليق وطرح الآراء عليها مباشرة, وتلقيه لكم هائل من المعلومات والنصوص والمقاطع والتسجيلات والمقارنات من مختلف المصادر المحلية والإقليمية .. اصبح المجتمع في موقف المتابع والمقيم والمحاسب وبات ضاغطا بقوة تجاه القيام بخطوات جادة للتصحيح والاصلاح والأخذ بمبادئ الشفافية وتحقيق اهداف التطور والتقدم وضمان عدم تكرار الأخطاء .. ولهذا الواقع ظروفه ونتائجه, فوائده ومضاره, ويؤكد على انتقال شامل من مرحلة الى اخرى جديدة في الثقافة والقيم والسلوك والممارسة تتطلب من المسئولين ان يواكبوها في خططهم وفي تعاملهم مع المجتمع ومع التحديات التي تواجهها التنمية بشكل عام , وهو ما يؤكد على أهمية المراكز البحثية والدراسات المتخصصة والمؤسسات الاكاديمية ومخصصاتها المالية, التي تعنى بإجراء الدراسات وتقديم المؤشرات وتحليل البيانات والقراءات وتقديم العلاجات والحلول حول قضايا المجتمع والعوامل التي يتأثر بها والأنماط والسلوكيات الدخيلة عليه. مع ادراكنا بدور هذه الدراسات في معالجة العديد من المشكلات والتحديات أو تجنب وقوعها.

إلى الأعلى