الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. تداعيات الأحداث في اليمن .. وانعكاساتها على شأننا العماني

العين الثالثة .. تداعيات الأحداث في اليمن .. وانعكاساتها على شأننا العماني

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

يمكننا اختزال أخر تطورات المشهد اليمني من حيث فاعليه وقوتهم الراهنة والمستقبلية، في الصورة السياسية التالية: تنظيم القاعدة في الجنوب، والحوثيون في الشمال، ولكل تنظيم ايديولوجيته الإسلامية المختلفة والمتصارعة، فالأول يتبنى المذهب الشيعي، والآخر السني.
إن أخطر تداعيات هذا المشهد من منظورنا الخاص الذي تمليه علينا جغرافيتنا الوطنية، هو صعود نجم القاعدة في جنوب اليمن المجاور لبلادنا بعد أن أقدم على السيطرة على قاعدة عسكرية في شبوه مؤخرا، مما فتح الباب على مصراعيه لإمكانية السيطرة على الجنوب، في المقابل، رفع انقلاب الحوثيين على السلطة في صنعاء سقف المطالب بانفصال الجنوب، وصعود ورفع سقف المطالب هما المثير المقلق الذي يدفع بنا الى فتح هذا الملف من زاوية القاعدة وطموحاتها الإقليمية أو من منظور صراع الحراك الجنوبي مع القاعدة، فما هي انعكاسات وتداعيات هذين التطورين المحتملين على شأننا العماني؟
نستدعي قوتي القاعدة والحوثيين دون غيرهما من القوى اليمنية الأخرى مثل التيارات السياسية التقليدية كحزبي التجمع للإصلاح وحزب المؤتمر في الشمال والاشتراكيين في الجنوب، لدواعي التطورات الاخيرة في اليمن من جهة وكذلك لدورهما في قلب المعادلات ليس داخل اليمن فقط وإنما على الامن والاستقرار الاقليمي الخليجي وربما العالمي، ولن نستبعد العالمي بعد أن تبنى تنظيم القاعدة في اليمن الاعتداء على الصحيفة الفرنسية التي تنشر رسوما كاريكاتورية ساخرة ضد نبينا وسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهذا يعني قدرته على المساس بالأمن والاستقرار العالمي، وهو فعلا مؤهلا لذلك، فقد كشفت اجهزة الاستخبارات الغربية أن تنظيم القاعدة في اليمن قد أصبح أكثر ابتكارا وجرأة حتى من تنظيم القاعدة المركزي الذي يتخذ من افغانستان وباكستان مقرا له، فتنظيم القاعدة في جنوب اليمن قد أصبح كذلك ملتقى الجهاديين في العالم، من هنا يتعزز قلقنا من الإكراه المجاور لنا وبالذات بعد صعوده مؤخرا على مسرح الأحداث، ورغم كل التأثيرات والتطورات في اليمن ينبغي أن تشغلنا كثيرا، لكننا نركز هنا على وجه الخصوص صعود نجم القاعدة في جنوب اليمن بعد انقلاب الحوثيين على السلطة في صنعاء؟ لكن بداية علينا توضيح التجاور الحدودي بين بلادنا واليمن من الجهتين الجنوبيتين لكلا البلدين من خلال حدود طويلة جبلية وساحلية، وبسبب هذه الخصوصية الجغرافية، تتأثر بلادنا في كل الأوقات بما يحدث داخل هذا الجوار من فقر ومجاعات ومن حالات تسلل يومية، ويظل هاجسنا دائما القلق من تسلل عناصر القاعدة وحتى الحوثيين ومهربي المخدرات والأسلحة بسبب صعوبة السيطرة على الحدود حتى بعد قيام الحاجز الفاصل على طول الحدود بطول سبعة كيلو مترات، لكنه دون شك سوف يساهم في الحد من تأثيرات وانعكاسات الوضع في اليمن، فكيف بهاجسنا الآن بعد أن برز تنظيم القاعدة عضلاته في شبوه الجنوبية، ولماذا القلق من القاعدة وبلادنا لم تكن طرفا في أية نزاعات وصراعات معه؟ يطرح هذا التساؤل بغية تقريب الفهم، ولعلمنا بأنه قد يطرح اصلا، ومثل هذه التساؤلات بريئة ولن تنم عن خلفية سياسية بأهداف واجندة القاعدة، والمتتبع لها سوف يكتشف أن ما يسمى بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب قد اتخذ من جنوب اليمن مقرا له، ولماذا هذا الجزء الاستراتيجي من اليمن؟ اولا، لأنه يشكل بيئة حاضنة للجماعات الإرهابية، حيث التهمييش والفقر والأمية العالية تقدرها إحصائيات غير رسمية (70%) في الأرياف و(38%) في المدن، كما تحتوي هذه الجغرافية على باب المندب المقابل لقناة السويس التي يعبر من خلالها يوميا الآلاف من السفن العالمية المتعددة الاغراض والاهداف، وكذلك السيطرة على السواحل الجنوبية المهمة، والتساؤل الاهم، هل سيظل تنظيم القاعدة منحصرا أو محصورا داخل جنوب اليمن؟ هنا علينا أن نرجع الى هدفه السياسي من اتخاذ جنوب اليمن مقرا له، وهذا الهدف قد أعلنه التنظيم نفسه، وهو يكمن في إقامه إمارة اسلامية ،، سنية،، في الجنوب اليمني، إذن ، هل ستظل هذه الإمارة متقوقعة داخل حدود جغرافية ضيقة؟ من هنا يظهر لنا المكانة اللوجستية والاستراتيجية للسلطنة في ضوء مساعي التنظيم نفسه لإقامة دولة اسلامية في عدة مناطق عربية، لا يهمنا معرفة مدى نجاح القاعدة في تأسيس دولة إسلامية من منظورهم الخاص، لأن ذلك شأنا عالميا وإقليميا، ومعروف نتائجه مسبقا، الأهم، يكمن في ظهور تنظيم القاعدة على مسرح الأحداث في جنوب اليمن بعد أن استولى على قاعدة للجيش في شبوه، وسيطر على كل عتاده، بل وسماحه لجماعات محلية ان تتقاسمه الغنائم العسكرية، وهذا يفتح لنا تجربة الحوثيين في توحيد القبائل كلما تمددوا طولا حتى وصلوا الآن للبيضاء المتاخمة للمناطق الجنوبية، فهل ستتمكن القاعدة من عمل الشيء نفسه في الجنوب؟ والأهم كذلك، الاندماج الرسمي بين تنظيم القاعدة في اليمن وحركة الشباب الصومالية، وانتقال عناصرها عبر خليج عدن، ومن هاتين الاهميتين الكبيرتين، نتساءل عن انعكاساتهما على وضعنا الداخلي؟ وكيف يمكن لبلادنا أن تحصن مجتمعنا وجغرافيتنا من أية اختراقات عابرة أو مستقرة ،فكرا أو تنظيما ،، ليس لدينا أدنى شك في استعدادنا العسكري والأمني لمواجهة هذه التطورات حتى لو لم نعلن رسميا رفع حالة الطوارئ الى اللون الاحمر، لكن، يظل الرهان على وعي المجتمع وأفراده بخطورة ما يحدث في جوارنا اليمني، مع علمنا بأن بيئتنا العمانية مختلفة تماما عن البيئة الحاضنة لمثل هذه الجماعات، لا من الناحية الفكرية ولا السياسية ولا الاقتصادية والاجتماعية (القبلية) لكننا نخشى من الإغراءات التي قد تلوح بها هذه الجماعات للبعض، وبالذات الاشخاص الذين هم لديهم خبرة طويلة بالصحراء والبحر، حيث يعرفون طرقها الالتفافية لا يعرفها سواهم، وهاجسنا هذا ينبع من حالات التسلل التي يتم إحباطها قرب الحدود أو يتم اكتشافها في الجبال، فإذا كانت طوال المرحلة الماضية هدفها التهريب كالمخدرات والاسلحة أو حتى الاشخاص هروبا من الضربات اليمنية والاميركية للجماعات المتطرفة في جنوب اليمن، فلربما يكون هدفها التالي البحث عن مواقع لتأسيس قاعدة ايديولوجية وثقافية داخل بلادنا في إطار تمددها الاقليمي، فالحذر كل الحذر من اي تعاون مع اي فرد أو جماعات مهما كانت الابعاد الانسانية التي وراءها ظاهريا، فلربما يكون في باطنها السم للأمن والاستقرار في بلادنا، والحذر كل الحذر كذلك من السكوت عن حالات التسلل وعدم التبليغ عنها، فلربما يكون عناصر القاعدة قد اكتسبوا معرفة بالطرق الصحراوية والبحرية الملتوية، وبالتالي لابد أن يكون الكل أمني، كما أننا ينبغي الحذر من الخلافات والشقاقات القبلية والمذهبية .. فقد تستغل من أجل الحصول على موطئ قدم .. فالمرحلة خطيرة جدا، وتحتم علينا لفت الانتباة المجتمعي لما قد يواجهنا من إكراه قوي يملك كل الامكانيات الفائقة للاختراق ـ وقد أشرنا الى قوته سابقا ـ ويظل قلقنا الاخير منصبا حول عمليات النزوح الجماعية لحدودنا في أسوأ الاحتمالات اليمنية .. فهل بلادنا مستعدة لإيواء نصف مليون نازح مثلا؟ التساؤل يفتح آفاق أخرى لانعكاسات الأحداث في اليمن الشقيق على شأننا العماني.

إلى الأعلى