الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كيف ساهمت الأنظمة السياسية والحكومات في صناعة الإرهاب والتطرف ؟ (2ـ2)

كيف ساهمت الأنظمة السياسية والحكومات في صناعة الإرهاب والتطرف ؟ (2ـ2)

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. الحركات السياسية الكبرى كالشيوعية والفاشية كما يقول كارل بولانيي نبعت جزئيا من ردود الفعل الشعبية على حالات انعدام المساواة التي رافقت حرية العمل التجاري, والذي هو كذلك بسبب عدم تدخل سلطة الدولة واضطلاعها بمسؤولية المساعدة والمشاركة وليس السيطرة والتحكم والتسلط في حل تناقضاته الداخلية وتحدياته النابعة من ضربات العولمة العابرة للقارات والحدود,”
ـــــــــ
… يمكننا وباختصار شديد أن نؤكد على أن الثقة السياسية بمختلف جوانبها وتوجهاتها, هي اليوم وكانت بالأمس وستبقى من ابرز عوامل استمرار الأمن والاستقرار والطمأنينة في أي وطن, واهم ركائز التنمية والديمقراطية والوفاق بين أطراف الإنتاج والعمل الوطني في أمة, وكل ذلك بالطبع يدور في إطار تحقيق ما أطلقنا عليه بالدولة المطمئنة في زمن الفوضى والاضطرابات والصراعات وفقدان المناعة الوطنية ضد كل أشكال الاختراقات الخارجية, وعلى رأسها بث روح التعصب والتطرف بين المواطنين ضد أنظمتهم السياسية وحكوماتهم, وحتى ضد بعضهم البعض, حيث اللجوء للانتقام السياسي او العسكري, ومحاولة تدمير تلك الأنظمة والحكومات التي لم تستطع توطيد تلك العلاقة الحتمية مع مواطنيها, وما بد أبدا لأي نظام سياسي مستنير وحكومة واعية من وضع الثقة السياسية على قمة الأولويات التي تصب في إطار بناء الدولة الآمنة المستقرة المطمئنة, واحتواء الأفكار القائمة على التعصب وأشكال العنف والتطرف السياسي.
الفكرة الرابعة: ضعف الاقتصاد الوطني والتنمية الاقتصادية: حيث يعد ضعف الاقتصاد جانب مهم للغاية في تنمية العنف في المجتمع, وهو ما يؤكده هارولد لاسكي في كتابه( الحرية في الدول الحديثة) في قوله:” انه حين يبدأ اقتصاد المجتمع بالانكماش , حينئذ تكون الحرية في خطر, فالتقلصات الاقتصادية دائما تعني الخوف, والخوف يولد الشك باستمرار ـ وهو ما يجعل أفراد المجتمع أكثر استعدادا للسماع الى أصوات الجديدة ـ, وأنهم في الغالب يطالبون بتغييرات جديدة, وفي هذه الحالة لا تستطيع الدولة الاحتفاظ بسلطتها لذلك تلجا إما الى القمع الداخلي او الحرب مع الدول الأخرى”.
هكذا نفهم أن:” هناك علاقة تناسب عكسية بين التنمية الاقتصادية والعنف , أي كلما تزايدت مظاهر الإصلاح الاقتصادي, انحسرت مظاهر العنف السياسي ومعدلاته, بمعنى ان العنف ينخفض في النظم السياسية التي تعتمد الحداثة والإصلاح نظرا لوجود مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية وسيطة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم, وتضبط ظاهرة الحراك الاجتماعي, فالحركات السياسية الكبرى كالشيوعية والفاشية كما يقول كارل بولانيي نبعت جزئيا من ردود الفعل الشعبية على حالات انعدام المساواة التي رافقت حرية العمل التجاري, والذي هو كذلك بسبب عدم تدخل سلطة الدولة واضطلاعها بمسؤولية المساعدة والمشاركة وليس السيطرة والتحكم والتسلط في حل تناقضاته الداخلية وتحدياته النابعة من ضربات العولمة العابرة للقارات والحدود, فليس من الممكن تسويغ كل التدخلات الحكومية في الاقتصاد تحت عنوان النزعة المؤسسية, ورؤية أن المجتمع المدني لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الدولة كما أراه شخصيا.
خلاصة الأمر: بأنه وحيثما حاز مجتمع ما اقتصادا قويا ومتوسعا, شعر الناس فيه بالأمن وبإحساس بالرفاهية والرحابة وتوفر فرص العمل وإمكانية التطور والتقدم إلى الأمام, وسيكون هذا المجتمع واثقا من نفسه, فهو مجتمع لا يسيطر الشك على أفراده, فالاقتصاد القوي يجعل الناس يحسون بان الأمل موجود أمامهم , وأتصور أن الأمل هو شرط حيوي ومحفز قوي يدفع الناس لاحترام القانون, أما حين يفقد الأمل فان الشك يبدأ بالتغلغل إلى النفوس والأفكار, وحيث يتواجد الشك ينتشر الخوف, وبكل تأكيد فان الخوف والشعور بالقلق من الناحية الاقتصادية من أهم أسباب التحايل على القوانين والسعي لاختراقها, فالفرد منا حين يشعر بأنه مهدد من الناحية المادية والمعيشية يبدأ بالبحث عن وسائل أخرى للوصول إلى هدفه الذي حالت الظروف الاقتصادية او بعض القوانين دون الوصول إليه.
الفكرة الخامسة: مواجهة الاغتراب الديني: بشكل عام تؤكد الكثير من الدراسات والبحوث واستطلاعات الرأي الدولية منها والإقليمية بان عودة التيارات والاتجاهات الدينية في العالمين العربي والغربي كانت نتيجة مباشرة لانهيار الأيديولوجيات العلمانية التي أظهرت الأيديولوجيات الدينية من جديد في أواخر القرن العشرين, لكي تؤدي دورا رئيسيا في الصراعات الدولية في بدايات القرن 21 , لان شرعية الايدولوجيا تنبع من استجابة العقل إلى حاجات أخرى غير الحاجات العلمية والتقنية, لذلك نرى الناس يعملون على إحياء الجذور الدينية للحصول على دواء لمشاكلهم التي لا تستطيع الدولة القيام بأي شيء تجاهها, وفي الأحوال كافة كما يقول مكيافيللي: فان احترام العبادة السماوية يكون مصدر العظمة للجمهوريات, وان إهمالها يؤدي الى تدهورها وخرابها, لأنه حيث يوجد الافتقار إلى الخوف من الله, تكون المملكة إما قد أصابها الخراب او سيطر عليها الخوف من الأمير, وهو خوف يستعاض به عن الدين.
وبمعنى آخر نجح مفكرو ومخططو تلك التيارات وحركات الإسلام السياسي او التنظيمات المتعصبة لفكرة التشدد و الغلو والتعصب الديني في فهم نقطة ضعف النفسية الجماهيرية والاجتماعية العربية نحو تزايد رصيد الكراهية والحنق تجاه أساليب إدارة الحكم والثروات لتلك الأنظمة السياسية العربية التي لا زالت تنظر إليها الجماهير الغاضبة على أنها أنظمة قمعية وعميلة للغرب والاستعمار, ولا هم لها سوى ملئ بطون وجيوب أتباعها ورعايها, حتى وان كان ذلك على حساب الشعب وقوته ومستقبله.
فكانت تلك النقطة مدخل أيديولوجي استطاعت تلك التيارات والأحزاب من استغلاله والعزف على وتره مع بعض اللمسات العاطفية والدينية لسحب البساط من تحت تلك الأنظمة القائمة, ( وغالبا ما تقبل أيديولوجيا معينة بسبب عناصر نظرية خاصة تفضي الى مصالحها , وليس بالضرورة على عناصر أصيلة فيها, وإنما قد ينبثق ذلك الاختيار من مواجهة عرضية ولحظية، فحين تكافح مجموعة فلاحيه فقيرة مثلا ضد مجموعة حضرية استعبدتها ماليا, فقد تتجمع حول عقيدة دينية ترفع من قيم الحياة الزراعية وتلعن الاقتصاد النقدي ونظامه الائتماني بوصفه غير أخلاقي).
الفكرة السادسة: المعالجات الأمنية والسياسية لظاهرة الإرهاب والتطرف: نستطيع أن نؤكد وبما لا يدع مجالا للشك بان من اخطر التحديات التي تواجهنا اليوم في طريق احتواء ظاهرة الإرهاب والتطرف والانضمام لتلك التنظيمات التي تعمل ليل نهار على تقويض الأمن والاستقرار في العالم, والتي نجحت في استقطاب العديد من الشباب حول العالم إليها هو المعالجات الأمنية والسياسية الخاطئة لاحتواءها, فمن الملاحظ أن المعالجة التي بدأت توجه لظاهرة الإرهاب ـ في السنوات الأخيرة على وجه التحديد ـ هي معالجات سياسية وأمنية أساسا, واخشي أن تظل تدور في هذا الإطار الذي لن ينجح وحده في حل مشكلة جوانبها القانونية والاجتماعية والدينية , ومن ثم يجب استخدام الفكر والعقل والفن القانوني في المواجهة).
وعليه ومن منطلق هذه التحديات الناتجة عن امتداد منهجية والية البحث عن حلول منطقية لهذه الظاهرة إلى ما هو ابعد من اشكالياتها الخارجية والواضحة, فإننا نوجه عناية القائمين على صياغة القوانين وسياسات العمل في هذا الإطار, على مراعاة بعض العوامل الخفية والمهمة الناتجة عن تحديات منهجية البحث الجاد, كوجود بعض الاعتبارات العملية والعلمية والعوامل المهمة والرئيسية الموجهة والمحفزة لهذا الوباء, كالعامل النفسي والاجتماعي والديني , وأخذها بعين الاعتبار عند وضع تلك القوانين والسياسات الإقليمية والمشاركات الدولية في إطار التعاون الدولي للحد من انتشار واستفحال هذه الظاهرة وهذا الوباء الفتاك في بيئتنا الإقليمية والدولية.

إلى الأعلى