الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الاستسهال الإلكتروني

الاستسهال الإلكتروني

” هل نفكر الآن في كل تلك التسريبات والحملات الاعلامية المتتالية في السنوات الاخيرة عن” كيف يتجسس هاتفك عليك؟” و”كمبيوترك يكشف تفاصيل شخصيتك؟” و ” لا توجد اسرار في زمن الانترنت” وما شابه؟ للوهلة الأولى يبدو الاستنتاج مريحا بما اننا لم تعد تخفى عنا اسرار، خاصة اسرار الدول والاجهزة التي يخشاها البشر.”

تتكرر في الآونة الأخيرة الأخبار حول ما تفعله وكالات الاستخبارات الرئيسية في الدول الكبرى للتجسس على المواطنين عبر مراقبة وتسجيل نشاطهم عبر الانترنت. ولا يكاد يمر يوم إلا وهناك اكتشاف ما أو تسريب ما عن طرق استغلال كل مبتكرات الانترنت للتجسس على هوية مستخدميها ونشاطاتهم، ناهيك بالطبع عن “الهواتف الذكية” التي أصبحت ـ حسب الأخبار والتقارير التكنولوجية ـ مرايا تعري حاملها تماما أمام من يتنصت إلكترونيا بمهارة. وتتجاوز تلك الأخبار والتسريبات الضجة الهائلة التي احاطت بتسريبات ويكيليكس قبل سنوات قليلة، والمهرجان الإعلامي حول جوليان أسانج باعتباره ” قاهر أجهزة الأمن الحكومية الأميركية ” الذي تمكن من “فضح” المحتوى الإلكتروني لأسرار وزارة الخارجية. ثم بعد ذلك اداورد سنودن الذي نشر ملفات الكترونية لوزارة الدفاع الأميركية عبر الانترنت، ثم بعد ذلك الكشف عن فضائح التجسس على هواتف “الزعماء الأصدقاء” من قبل وكالة الأمن القومي الأميركية.
سبق وكتبت هنا في هذه المساحة سلسلة مقالات عن الانترنت وانتشارها وعلاقته بالسطحية في مجالات المعرفة المختلفة، ولست بصدد العودة الى ذلك الآن. لكن ما يحدث في السنوات القليلة الأخيرة يدفع للتفكير فيما هو أبعد من مجرد تسطيح الفكر وتعميق “الاستسهال الإلكتروني” بانتشار الانترنت وتعود الناس عليها كمصدر للمعلومات والمعرفة دون تمحيص وتدقيق. واذا كان الجيل الوسيط ـ الذي تعلم وعرف قبل الانترنت ثم واكب انتشارها ـ لا يزال يعتبر الانترنت ومبتكرات التكنولوجيا الأخرى أدوات تيسر عملية البحث والمعرفة فإن الأجيال الجديدة، التي تفتقد الخلفية المعرفية لتمكنها من تمحيص ما تتلقاه عبر الانترنت، تتعامل مع الانترنت ليس كأداة وإنما كمصدر تكوين معرفي أساسي ورئيسي. ويساهم التطور في العملية التعليمية في ذلك إلى حد ما، في ظل شعارات التحديث ومواكبة العصر.
أما ما يتعلق بالتسريبات الأمنية و”الانفجارات الإعلامية” عن التجسس والتنصت عبر الانترنت ومبتكرات التكنولوجيا فيتجاوز كثيرا مسألة التوجه الجديد في طريقة المعرفة البشرية. وفيما يرى البعض أن من فوائد الانترنت والتطورات التكنولوجية في الاتصالات وغيرها ربما تتيح للبشر العاديين الاطلاع على ما كان يعتبر الكنز الثمين لأجهزة الأمن والاستخبارات. ويؤخذ ذلك على محمل ايجابي بمعنى اسهام انتشار الانترنت في زيادة الشفافية وتراجع السرية و”اتاحة المعلومات بحرية للناس العادية”. لكن الواقع أن التطورات التكنولوجية الحديثة كلها، بما فيها الانترنت واستخداماتها المختلفة والهواتف الذكية والكمبيوترات اللوحية، إنما سهلت إلى حد كبير عملية سيطرة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والمؤسسات الأخرى على تفاصيل حياة الناس بشكل غير مسبوق.
لم يعد خافيا على أحد الآن أن كل اتصالاتك عبر الانترنت بالايميل أو الاتصالات الصوتية عبر الانترنت ليست فقط مكشوفة ويمكن لأي تقني الدخول عليها، بل إنها ايضا تخزن ويمكن الرجوع إليها لاستنتاج تحليلات معلوماتية عن الشخص ونشاطه وتوجهاته وافكاره واسلوب حياته. لا يقتصر الأمر هنا على أجهزة الأمن والاستخبارات، بل ان هناك شركات خاصة متخصصة في ذلك وتبيع نتائج تحليلاتها لشركات التسويق والمبيعات لتعتمدها في خططها التسويقية والترويجية. وما ينطبق على الانترنت وتطبيقاتها المتعددة ينطبق أيضا على الهواتف الذكية التي تستخدم الانترنت أو تكنولوجيا الاتصالات الحديثة من ثري جي وفور جي. وللأسف لا تحظى الجماعات النشطة في مجال الدفاع عن الخصوصية وحماية الحرية الفردية بالقدر نفسه من الاهتمام الاعلامي الذي تحظى بها عمليات الكشف عن انتهاك تلك الخصوصية.
هل نفكر الآن في كل تلك التسريبات والحملات الاعلامية المتتالية في السنوات الاخيرة عن” كيف يتجسس هاتفك عليك؟” و”كمبيوترك يكشف تفاصيل شخصيتك؟” و” لا توجد اسرار في زمن الانترنت” وما شابه؟ للوهلة الأولى يبدو الاستنتاج مريحا بما اننا لم تعد تخفى عنا اسرار، خاصة اسرار الدول والاجهزة التي يخشاها البشر. لكن بعض التفكير يجعل المرء يخلص إلى ان كل هذا التهويل الاعلامي انما يهدف إلى ترسيخ ما قد يتعارض مع طبيعة البشر من لجوء للخصوصية في بعض جوانب حياتهم وميلهم إلى “الستر” فيما يخصهم كأفراد ولا يريدون ان يشركوا آخرين فيه. والواضح للأسف الشديد ان ذلك الجهد الاعلامي يأتي أوكله بالفعل فأصبحنا نتقبل تلك التسريبات والضجات الاعلامية معتبرين اسانج وسنودن ابطالا في مجال الحرية ومكافحة السرية ولا ننزعج من استخدام تطبيقات الهواتف الذكية، حتى الألعاب الإلكترونية، للتجسس علينا.
اتذكر، في حمى الامن بعد 11 سبتمبر 2001، ان شركة اسرائيلية سربت انها تعمل على تطوير اجهزة يمكنها قراء افكار البشر بمجرد مرورهم من قربها، ليس هذا فقط بل يمكنها تحليل تلك الافكار و”النوايا” لتحديد من يمكن أن يكون “ارهابيًّا محتملا”. وكانت تلك الفترة غنية بالشركات الجديدة المتربحة من الذعر الأمني في مطارات وموانئ العالم، بل وفي شوارعه ومبانيه. ويبدو ان التسريب لم يلق القبول المطلوب فمات المنتج “الوهمي” قبل البدء فيه. لكن الآن نقبل نحن البشر العاديين، ليس فقط بالاستسهال الإلكتروني في تسطيح المعرفة وانما ايضا نوشك ان نتساهل مع انتهاك خصوصياتنا والغاء حرياتنا الفردية بملء ارادتنا، بل وربما باستحسان اننا نواكب العصر ونجيد استخدام أدواته حتى لو كانت “مؤذية”.

د. ايمن مصطفى
كاتب وصحفي عربي

إلى الأعلى