الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فلنتق عصمة من لا عصمة له

فلنتق عصمة من لا عصمة له

علي عقلة عرسان

”أقول هذا بين رجعة من جنيف وعودة إليها، وأقوله لعل وعسى أن يدرك من عليه أن يدرك، أن الشعب تعب، والبلد دُمر، والجراح تنغَل بالدود، والأنفس لم تعد تحتمل المزيد.. ولعل وعسى أن يكون بسبب من إدراك ذلك تعجيل بوقف القتل والرعب والإرهاب والعنف والحقد والمقت والفتنة الكريهة بشعبها والحرب الضروس بأشكالها..”

بَهَّق الصبح، وارمدت بعض معالم السماء، وأخذ اللون الناري المضرج بالدم القاتم المتخثر ينتشر وفي الأفق الشرقي، وحلقت في الفضاء بعض الطيور المبكرة تسعى وراء رزق لها ولصغارها، بينما تسلل مزارع خمسيني إلى حقله عبر البساتين برعب بين طلقات الرصاص، ليبتعد عن الحراسات من كل لون ويصل إلى حيث يعمل على جلب ما يطعم به صغاره .. كل شيء مكفهر مكهرب ملوث في الفضاء المحيط بالمخلوقات في أحواض بشرية، الحراسات مستيقظة وتزداد يقظة، والطلقات النارية المتفرقة تصبح أكثر انتظاماً وتنوعاً وشدة في مساحات تتسع لحظة بعد أخرى، الأرض تغص بتراب مجبول بالدم، والأشخاص الذين يشعرون باقتراب أجلهم أو يخافون من ذلك يتأهب الدم في عروقهم ليثعَب من ثقب ما في الجسد تحدثه شظية أو رصاصة أو ضربة ساطور .. وفي الخيم والمساكن المؤقتة، وتحت الأشجار، وبين الصخور في المناطق المحجِرَة، وفي الحارات الضيقة، والممرات الأرضية المعدة متاريس وخنادق.. بدأت الحركة مضطربة ترتعد، ملقية نفسها في حضن يوم كباقي الأيام السورية الحزينة، يوم فيه بؤس وجوع وخوف وموت، وبكاء أطفال لا ينقطع، ونزق متبادل بين نساء ورجال ونساء ونساء، تسيل به ألسنة أطفأ فيها الضنكُ والمقت والرعب كل ليونة أو سيولة حتى صار للمريض ما يشبه الوميض لشدة الاحتكاك بين ” ماء وماء” وعضلة فم وأخرى.
وبعيداً عن هذا المناخ المفزع المترامي في الأرض السورية المتنوعة البيئات والحالات والمآلات والمشكلات..أي في مواقع منها آمنة نسبيًّا، وفي أخرى آمنة تماماً، وفي مواقع خارجها، بعيداً عن أرض الوطن المنكوب ببعض أهله وببعض أبناء أمته وببعض دولها، أماكن تغص بالحنين وأخرى تفيض بالأنين، وفي مكان بعد مكان، أبعد فأبعد عن الخطر والوجع والمعاناة، تتفتح صباحات فارهة، بحكم المال والغذاء والدفء والحنان والماء والوجه الحسن.. هناك ينتشر “سياسيون سوريون” يتكلفون الهم والغم وقرب السقوط على الأرض بسبب ما يرهق كواهلهم من هموم “الوطن والمواطن”، تلك الهموم التي هي أحمال ملح تثقل كواهلهم صباح مساء، ولكن تهطل منها فوق قلوبهم آناً زخاتٌ بعد زخاتٍ من أموال، تجدد قدرتهم على الصبر والاحتمال، وآناً ترفعهم فوق الهم والغم ابتساماتٌ ملغزات تشجع وتلفِّع، وفي كثير من الأحيان تفجر حناجرهم نزواتٌ ونخواتٌ ضاجةٌ وهائجة تعبر عن نفسها في تصريحات حادة حارة حرَّاقة، تلعن الزمن ومن كان السبب في “معاناتهم” ومعاناة سواهم من الوطنيين والمواطنين، وتلعن من يقتل ويظلم ويبطش ويتسبب في كل هذا الذي يحدث، وتبقى دوماً في وضع الاستنفار والهجوم، والاتهام لمن يستحق ولمن لا يستحق، لكنها لا تريد أن ترى دورها في تلك المعاناة، ولا تقر أصلاً بأدنى ضلوع لها فيها أو بأوهى سبب يجعلها شريكاً في السبب وطرفاً في تحمل مسؤولية إلغاء الرعب والدمار والموت، وتذهب إلى مدى الادعاء بأنها لا تجد الشريك الذي يعمل معها على وقف الحرب والعنف والمقت والموت..؟! إنها تعرف كيف تهرب إلى الأمام، وتعرف كيف تتحايد النظر في المرآة حتى لا ترى ذاتها، ففي ذلك خطر أيما خطر.. والمثل يقول: “لو رأى الجمل حُردُبَّته ” أي سنامه” لوقع وانكسرت رقبته”؟! وليست تلك الفئات النائية الفارهة وحدها التي لا ترى ولا تريد أن ترى “حردبتها”، فهناك في الطرف الآخر المقابل لها، بل في كل الأطراف والأماكن والأوقات من يكره أن تذكره بأن للجمل “حُردبة” أي سناماً؟!.. ولكن عبء الرؤية ونتائجها من عدمه وعدمها يقع على من يرفسهم الجمل الهائج بخفيه وهو يهدر بانفعال مرعب ورعب فتاك.
نحن تعبنا.. لكن من تُراه يتطلع إلى “نحن” من زاوية المجموع أو المجتمع أو الشعب أو الأمة، فنحن هي ضمير منفصل عن الجمع والجماعة لدى من يشترطون على من يخاطبهم أن يقول لهم “أنتم” ولا يسمع منهم إلا ” نحن” لا أكثر ولا أقل.
أقول هذا بين رجعة من جنيف وعودة إليها، وأقوله لعل وعسى أن يدرك من عليه أن يدرك، أن الشعب تعب، والبلد دُمر، والجراح تنغَل بالدود، والأنفس لم تعد تحتمل المزيد.. ولعل وعسى أن يكون بسبب من إدراك ذلك تعجيل بوقف القتل والرعب والإرهاب والعنف والحقد والمقت والفتنة الكريهة بشعبها والحرب الضروس بأشكالها.. ولا يكون ذلك إلا بالكف عن الأوهام والأحلام والتعسف والصلف والتعالي عن واقع الناس ومتطلبات الحياة والأمن والاستقرار في بلد يلهث وراء ذلك فيجد أمامه الآل والسراب، والكف أيضاً عن رؤية الذات في مرآة الذات ووضعها فوق كل الذوات الأخرى، والخروج من أي دائرة ومن كل شكل من أشكال ارتهان الإرادة والقرار والرؤية للخارج، لكي يكون الوطن هو صاحب القرار وليس من يدعي أنه الشعب والوطن محتكراً لما يزعم أنه “حقه؟!” في اتخاذ القرار.!؟.
ألا أيها الخلق المنبسط في الفارهِ من الأمكنة وفي الشامخ منها.. لقد تعبنا وبلغ بنا التهب حد الموت جوعاً وقهراً وتعذيباً وصبرا.. أفلا تدركون من بعد كل الذي جرى والذي كان حاجة الإنسان إلى رمقه الأخير، لعله انطلاقاً منه يستعيد حياة أو صلة دنيا بالحياة؟!
اليوم يقف من يقف على أبواب جنيف من السوريين “المتفاوضين”، رغبة منه في أن توفر المخرج من الأزمة/الحرب، ويقف رعاة لمؤتمر جنيف عند عتبة حقيقة رآها كثير من المتابعين للأزمة من السوريين وغير السوريين منذ زمن، وهي حقيقة من شقين أصبحا متداخلين عضوياً، شق الأزمة الفتنة المذهبية بأبعادها وتفاعلاتها وتداعياتها وغلو المنخرطين فيها والمستثمرين لها والمهتبلينها فرصة لتحقيق مشاريع وأغراض ومصالح.. إلخ، وشق الأزمة ذات البعد الدولي، أي ذاك ” البعد” الغارق في الدم السوري بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت لافتات ومسميات وأهداف واستراتيجيات.. وتمتد أفعاله وانعكاساتها ونتائجها بين الإرهاب المدان المرفوض المستشري مع ذلك، وبين الدفاع المشروع عن آخر حجر وإرادة وسيادة ومحراب في أرض الدولة ـ الوطن سورية.. وفي ما بين هذين الطرفين أو القطبين امتدادات وظلال وألوان تتجلى موتاً ورعباً، وتنساق إلى ذلك زرافات ووحداناً، وتسقي غيرها الصاب والموت الزؤام.؟!
في الشق الأول لا يوجد تغيير يلحظ، بل يوجد تشابك يتعقد ويتفاقم، ويوجد اقتتال أعمى، وتفجير للذات بوجه الذات، حتى بين الفئات التي تصنَّف إرهابية أو يراها بعض أطراف الأزمة/الحرب وبعض المعنيين بها والمتابعين لها أرهاباً.. ومن تابع التفجير الأخير الذي قام به أحد المفاوضين من “داعش” في اجتماع عقد بين داعش وفصائل أخرى لوقف الاقتتال بينها، يدرك إلى أين تمضي الأمور.
واليوم يقول الأميركيون إنهم أخفقوا في سياستهم تجاه الأزمة السورية، وأنهم سيدخلون مداخل أخرى للحل بعد نتائج الجولة الأولى لجنيف 2، وقد قال الخبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الأميركية صامويل تشاراب: “لم تعد الأزمة السورية خلال السنة الماضية، نزاعا داخليا، بل تحوّلت من حرب أهلية الى حرب إقليمية بالوكالة، إذ يحارب اللاعبون المؤثرون، ومنهم قبل كل شيء، السعودية وإيران، ضد بعضهم البعض، بأيدي حلفائهم السوريين، وهم يؤججون بذلك فتيل الحرب الأهلية.”. وبصرف النظر عن رؤية تشاراب للحرب في سوريا من هذه الزاوية أو تلك فإنه يشخص واقعاً أقنع الولايات المتحدة الأميركية أو أنه جاء في سياق اقتناعها بذلك، ومن ثم في تغيير سياسي في التكتيك على الأقل، فقد” قالت صحيفة كوميرسانت الروسية إن وزير الخارجية الأميركي جون كيري اقترح خلال لقائه بنظيره الروسي سيرجي لافروف في مدينة ميونيخ الألمانية وضع آلية إضافية لحل الأزمة السورية. وأوضح مصدران دبلوماسيان روسي وأميركي أن المقصود تنظيم مؤتمر جديد يوازي “جنيف 2″ بمشاركة خمس دول هي روسيا والولايات المتحدة الأميركية والسعودية وتركيا وإيران. وأشار المصدر الروسي إلى أن روسيا عبرت عن استحسانها لهذا الاقتراح. وكانت موسكو اقترحت في العام الماضي عقد محادثات إقليمية تضاف إلى المحادثات السورية. ورفضت واشنطن هذا الاقتراح في العام الماضي.”.. وعلى هذا فإن الفاعلين المباشرين في الشقين اللذين أشرت إليهما المتداخلين عضوياً في الأزمة السورية، سيدخلان ويدخلون لاعبين آخرين معهم في ” مؤتمر” مواز لمؤتمر جنيف 2 بهدف الوصول إلى مناخ دولي مؤثر أو هو فاعل في الأزمة السورية، بهدف إنجاح جنيف 2 الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، وربما تتوج قراراته بقرار دولي يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
ولكن هل هذا يعني أننا أمام تحول حقيقي في العمل السياسي أميركيًّا أم أننا أمام مناورة جديدة من مناورات الإدارة الأميركية التي لا يوثق بنواياها، شأنها في ذلك شأن الإدارات الأميركية السابقة؟! إن الحكم على ذلك يقتضي الانتظار ليصدر ذلك من خلال الواقع والوقائع، ولكن دخول تركيا والسعودية وإيران على خط التفاوض المباشر يعني عمليًّا إدخال عناصر مؤثرة جداً في العمل العسكري والأمني اللذين يجريان في سوريا على الخط مع الطرف السوري الرسمي المعني، أي الدولة السورية، وفي هذا تحقيق للتفاوض المباشر الذي قالت به الدولة السورية حيث يجري مع “الأصلاء” مباشرة بدلاً من الوكلاء مداورة، حيث لا يملك أولئك قراراً شاملاً لا على الصعيد الدولي ولا على الصعيد السوري الداخلي لأسباب غدت جلية ومعروفة موصوفة.. وفي هذا واقعية سياسية دولية، ومشاركة لدول المنطقة في الحل المنشود، وهي واقعية كانت مفقودة في الرؤية المشتركة للاعبين الدوليين الرئيسين، أي الراعيين لجنيف 2 مع الأمم المتحدة، روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية.
وعلينا أن نحذر المزاودة المعهودة لأطراف سورية معروفة، من جراء هذا التوجه حتى لا تخرب، هذا إذا ما وصل الأمر إلى التحقق وإلى نتائج تفرض نفسها على المعارضات وعلى الوفد الرسمي السوري، وهي نتائج لا بد من أن يرضى بها الشعب من خلال استفتاء لأنه صاحب السلطة العليا.. وأقول ذلك لأننا تاريخيًّا، ومنذ عقود وعقود من الزمن، ندفع ثمن نزوات واندفاعات وارتباطات لأصحاب نزوات ومصالح ومطامح يعلون الخاص على العام، ويعيشون على افتعال الأزمات وإدامتها، ويتغذون ويغذون في ما ينشئونه من صراعات على موائد وولاءات خارجية بشكل من الأشكال.. وبين هؤلاء من يعمل لحسابه الشخصي ولسلطة يبقيها أو يرتجيها، ومنهم من يعمل في إطار تنظيم قد يكون سوريا ذا امتداد إقليمي، وقد يكون تنظيماً ذا رؤى ومنظور أممي أو عالمي أو عابر للقوميات والقارات له وجوده في سوريا.. وقد يكون وجوداً لكتل تكونت في شبه الظل أو في العتمة، ونمت ويتجدد نموها في العتمة والرطوبة، شأنها في ذلك شأن الفطريات السامة أو غير السامة، فهذه المخلوقات أو الكائنات ستعمل على صيانة مصالحها الخاصة وتحقيق أهدافها على حساب الآخر حتى إذا كان الآخر هو الشعب أو الوطن، وقد عرف الناس ذلك ولمسوه ويمكن أن يلمسوه لمس اليد، وهناك من كل الأطراف والأطياف من يسلك هذا المسلك إما لمنفعة خاصة أو لما يراه منفعة عامة من منظور ضيق طائفي أو مذهبي أو حزبي أو أيديولوجي، أو لما يعتقد أنه الحقيقة التي يمتلكها، حتى لا أقول يحتكرها، وقد عرَّف أحد الزعماء السياسيين الكبار، عرَّف الحقيقة بأنها ما فيه مصلحة حزبه؟! ونحن عانينا ونعاني من تناقضات في المواقف والسلوك والخيارات السياسية والسياسات التي ندفع ثمنها غالياً، وتؤول بالنفع على من هي جزء من تكوينهم التنظيمي أو الداخلي الفردي أو مما ينتج لديهم عن انتماءات متعجلة تحكمهم وتتناقض مع قناعات أو انتحاءات سلوكية وخُلقية راسخة في جبلَّتهم.. وسوف أسوق أنموذجاً فاقعاً للدلالة على من يلعبون في هذا الميدان، مع التأكيد على وجودهم بدرجات في تنظيمات وتكتلات أخرى.. وأدلف إلى هذا الوسط الرطب من تساؤل يبدأ بإذا.. فأقول: إذا أردت أن تعرف شيئاً علميًّا عن التناقضات الدالة على تخبط سياسي ـ فكري، وإفلاس أخلاقي ـ روحي، فقف عند مواقف وسياسات/واقرأ مقابلات بعض ” زعماء” المعارضة ” السورية” من اليساريين وغيرهم، المتنقلين بقدرة قادر قاهر، مادي لا صلة له بالمثل ولا بالروحاني، بين الولاء المطلق للشيوعية والماركسية ضد الرجعية والإمبريالية الأميركية أوالعكس، وبين الولاء الأكثر من مطلق للإمبريالية الأميركية والرجعية العربية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المادية بانقطاع السيولة المالية، وتراجع القيادة الشيوعية الروسية للشيوعية العالمية والعربية على الخصوص.. مع أن الأميركيين البراجماتيين، قادة الإمبريالية وحراسها المستثمرين في الرجعية، ازدادوا عدوانية ووحشية، ونقضوا معمار النظرية الشيوعية والتنظيم الشيوعي بأدوات من داخل البيت السوفييتي ـ الشيوعي، وكان الأحرى بالمناضلين العالميين أن يزدادوا عداء لمن نقض معمار نظريتهم ودولتهم الأم؟!.. واقرأ لتعلم أشياء عن مرتزقة الإيديولوجيا وغيرها المدعين لعصمة ثورية ومبادئية وحتى عقيدية تفوق عصمة “الأنبياء” الإيمانية الروحية المباركة إلاهياً، لكن مفتاح عصمة أولئك هي المال وشهوة السلطة وقهر الآخرين أو اضطهادهم أو محوهم أو تشويههم، وليس عمق الإيمان بالله والإخلاص للقيم الأخلاقية والإنسانية كما لدى الرسل والأنبياء.!؟
وعلينا أن نتقي “عصمة” من لا عصمة له، فذاك من باب الحذر واتقاء الخطر.. والله أعلم.

إلى الأعلى