الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد)

(ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أيها القراء الأعزاء:
أخرج الترمذي وأحمد عن عدي بن حاتم (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة”.
سبحان من علَّم الإنسان الكلام والبيان، إذا دخل الهواء إلي فم الإنسان وحرك لسانه خرج منه الكلام، من الذي أنطقه وعلمه البيان؟ “الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان”، فالكلام نعمة يُفصح بها العبد عما يجول بخاطره ويتحرك في صدره، وإذا أصاب اللسان الشلل فوقف عن الحركة من إله غير الله يحركه ويعطيه القدرة علي البيان والكلام؟ سبحان من أنطقنا وحرك ألسنتنا بذكره ، وكم لله علي عباده من نعم لا يحصيها العد؟ إذا أصبحت وفتحت عينيك فإذا هي مبصرة لم يصبها العمى أليست هذه نعمة ؟ وإذا أصبحت وحركت ذراعك وقدميك فإذا هي متحركة أليست هذه نعمة؟ وإذا أصبحت وحركت لسانك بالكلام فتحرك بيسر وسهولة أليست هذه نعمة؟ يا عباد الله ينبغي علينا أن نستحي من الله ونحن نتقلب في نعمه السابغة كل يوم، أهذا إله يُعصى ويُكفر ويُنسى؟ سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت علي نفسك.
* اللسان هو زمام الإنسان للخير أو الشر، فالمرء مخبوء تحت لسانه وإذا تكلم ظهر ما في قلبه، فالمؤمن لا يتكلم إلا بخير ومعروف فقلبه طاهر نقي يحب الله ورسوله ويحب الخير للمسلمين، والكافر والمنافق لا يتكلم إلا بشر وفتنة فقلبه أغلف أسود عقيم من محبة الله ومحبة عباده، فالكلمة لها شأن عظيم في الإسلام، ومن لم يحفظ لسانه من الفحش والسوء والكذب والبهتان ضاعت منه حسناته، وجاء يوم القيامة مفلسا، “وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم”.
يقول ربنا سبحانه:”ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”، فما خرج من اللسان مسطر مكتوب وسيقرؤه الإنسان يوم القيامة في كتاب منشور بين يديه ، ويُقال له: “اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا”، فهنيئا لمن ملأ صحيفته بذكر الله والتذكير به، وويل لمن سوَّد صحيفته باللغو والكذب والغيبة والنميمة والمعصية حيث يذهل العاصي من دقة الحساب والإحصاء:”ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا”.
أخرج الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:”إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا” معنى تكفر اللسان: أي تذل وتخضع له.
* ونحن مع آيات من سورة إبراهيم يضرب الله فيها مثلا للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، فنقرأ كلام الله بقلوب مفتوحة ، ونتعلم من بيان الله الشافي: “ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون”، قال ابن عباس (رضي الله عنه):(الكلمة الطيبة لا إله إلا الله والشجرة الطيبة المؤمن)، وأخرج البخاري عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال:”أخبروني مثل الرجل المسلم، لا يتحات ورقها ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. قال عبدالله (رضي الله عنه): فوقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم. وثَمَّ أبو بكر وعمر (رضي الله عنه) فلما لم يتكلما بشيء ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): هي النخلة”. كذلك المؤمن لا يزال يُرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين.
كم من كلمة طيبة أدخلت السرور علي قلب مسلم؟ أو هدى الله بها عاصيا؟ أو فتح بها باب التوبة لشارد عن الحق؟ أو ألَّفَت بين قلبين علي طاعة الله ونزعت البغضاء بين متخاصمين وأصلحت ما بين متهاجرين ووُصلت بها الأرحام المقطوعة؟ أو زرعت المحبة والألفة بين المسلمين ونشرت الخير والطاعة والمعروف بين المؤمنين؟ نعم. الكلمة الطيبة بلسم شاف لأمراض كثيرة كالقلق والاكتئاب والسخط والإحباط واليأس ، وهي الدواء لنفوس حائرة ضائعة في دروب الحياة.
* وأحوج ما نحتاج إليه للكلمة الطيبة عند الدعوة إلي الله وإسداء النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”، وقال سبحانه يزكي الدعوة والداعي: “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين”، وقال محذّرا عباده من مغبة الفحش وبذاءة اللسان وأنها مدخل من مداخل الشيطان:”وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا”. فالداعي كالطبيب الرحيم والمشفق الناصح الأمين، والمعصية داء ومرض وتحتاج إلى الحكمة لإخراجها من القلوب، روي أحمد بسند جيد عن أبي أمامة (رضي الله عنه): أن شاباً قال: يا نبي الله ائذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): “قربوه، أُدْن” فدنا حتى جلس بين يديه ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):”أتحبه لأمك؟” فقال : لا، جعلني الله فداك! قال: “كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟” قال: لا، جعلني الله فداك! قال: “كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟ ” وزاد ابن عوف: حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحد: لا، جعلني الله فداك! وهو (صلى الله عليه وسلم) يقول: “كذلك الناس لا يحبونه” وقالا جميعا في حديثهما، أعني ابن عوف والراوي الآخر، فوضع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يده على صدره وقال:”اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه” فلم يكن شئ أبغض إليه منه، يعني الزنا.
هذه هي الحكمة التي تداوي النفوس ويصلح الله بها الأحوال ويشفي بها الصدور. ورحم الله ابن عمر (رضي الله عنه) حينما قال: الكرم شئ هين، بشاشة وجه وقول لين. والقول اللين هو وصية الله لنبيه موسى (عليه السلام) وأخيه هارون (عليه السلام) حينما كلفهما بدعوة فرعون فقال لها: “فقولا له قولاً ليناً. لعله يتذكر أو يخشى”.
والكلمة الطيبة شجرة لا تموت، بل ثمارها تظل موفورة بعطائها علي مدار الأجيال والقرون، ينتفع بها الناس في كل حين، فالعلم النافع صدقة جارية وما هو إلا كلمة طيبة ، والدعوة إلى الله سبب لهداية الناس ودخولهم في دين الله أفواجا، ومن يهتدون علي يد الداعي فله نصيب من هدايتهم بسبب دعوته إياهم إلي الحق، أخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من دل علي خير فله مثل أجر فاعله”، وأخرج مسلم أيضا وأحمد والأربعة عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا؛ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا”.
* “ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار”، الكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر، وكلمة الفتنة، فهي بذرة فاسدة وكلمة خبيثة تفرق بين الأحبة، وتزرع البغضاء وتشق الصفوف وتوغر الصدور، وتفتح باب الشيطان ليدخل إلي القلوب فيخرب ما فيها من الإيمان واليقين. أخرج أحمد والطبراني عن أسماء بنت يزيد (رضي الله عنها) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):”أيها الناس ألا أنبئكم بخياركم؟ الذين إذا رؤوا ذكر الله، ألا أنبئكم بشراركم؟ فإن شراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون البراء العنت ” . أي يبحثون عن أي شئ يعيب الأبرياء وإن كانوا منه براء. روي الطبراني عن أبي الدرداء (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “أيما رجل أشاع على رجل بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا ، كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بإنفاذ ما قال”.
كم من بيوت هُدِّمت وطلاق وقع بين زوج وزوجته بسبب كلمة بغيضة زرعت الشك والكراهية ؟ روي أبو داود والحاكم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “ليس منا من خَبَّب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده”، معنى خَبَّب امرأة علي زوجها: أي خدعها وأفسدها عليه.
والكلمة الخبيثة لا منفعة فيها ولا بقاء لها، فهي كشجرة خبيثة فاسدة عديمة النفع لا بقاء لها إلا أن تقطع من جذورها وتصبح وقودا للنار، فالشجر الفاسد العقيم الذي لا ثمر له لا أحد يسقيه أو يعتني به وكذلك الكلمة الخبيثة في نهاية المطاف لا تضر إلا صاحبها في الدنيا أو في الآخرة ، فكل إنسان سيجني ثمرة سعيه وكده وعمله. روي أبو داود عن أنس (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “مررت ليلة أسري بي على أقوام يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم”.
فالعاقل من يحفظ لسانه إلا من خير، ويشغل نفسه بذكر الله والدعوة إليه لتسره صحيفته يوم لقاء الله، روي مالك في الموطأ قال : بلغني أن عيسى قال لقومه: “لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية”.
* ليس هناك شئ يحتاج إلي طول سجن من لسان ، فإنه الذي يورد صاحبه المهالك، قال بعض الصالحين : خلق الله للإنسان أذنان ولسان واحد ليسمع أكثر مما يتكلم. وكم زلة للسان أوجبت هلاك الإنسان وختمت له بسوء الخاتمة، روي مسلم عن جندب البجلي (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:”إن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك”. فقد تكلم والله بكلمة أحبطت عمله كله.
روي ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)! فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم)، ونزل القرآن، قال عبدالله بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)، ونزل قوله تعالى:”ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن”.
كلمة علي سبيل الاستهزاء والسخرية ولكن هلك بها من جعل شعائر الله ميدانا للسخرية واللهو واللعب.
إخواني وأخواتي في الله:
أخرج البخاري وأحمد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم”.
يقول الحسن البصري: إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه، وإن لسان المنافق أمام قلبه، فإذا همَّ بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه.
الكلمة قبل أن تخرج من فم المؤمن تكون أولا قد مرت علي قلبه ليعطيها جواز المرور، فيتدبرها ويحاسب نفسه عليها ويسأل نفسه أهذه الكلمة ترضي الله أم تسخطه؟ وهل الخير في صمتي أم في كلامي؟ فمن علامة الإيمان في المؤمن أن يقول خيرا أو ليصمت، وإن كان الخير في سكوته سكت، وإن كان الخير في كلامه نطق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والإنسان يملك الكلمة طالما كانت حبيسة اللسان ، أما إذا تكلم بها فهي تملكه ولا يملكها، ولهذا حذر النبي (صلى الله عليه وسلم) كثيرا من زلات اللسان وأمر ونصح ورغب في أخذ الحيطة والحذر منه حتى لا يفتح علي صاحبه بابا إلى النار.
روي الترمذي عن عقبة بن عامر (رضي الله عنه) قال:” قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك”. ولله در القائل:

إذا شئت أن تحيا ودينك سالمٌ
وحظك موفورٌ وعرضك صينُ
لسانُك لا تذكر به عورة امرئٍ
فعندك عوراتٌ وللناس ألسنُ
وعينُك إن أبدت إليك مُعايباً
لقومٍ فقل يا عينُ للناس أعينُ
وصاحب بمعروفٍ وجانب من اعتدى
وفارق ولكن بالتي هي أحسنُ

إلى الأعلى