الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / في ذكراها: وحدة مصر وسوريا فواحة أبد الدهر
في ذكراها: وحدة مصر وسوريا فواحة أبد الدهر

في ذكراها: وحدة مصر وسوريا فواحة أبد الدهر

مقدمة:
” كان وهما وأماني وحلما / كان طيفا / وصحا النائم يوما ورأى النور فأغفى ” .. هكذا بدأ الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب اغنيته عن وحدة مصر وسوريا عام 1958 وكانت بعنوان ” أغنية عربية ” .. اما المطرب الجميل محمد قنديل فوصفها بشكل آخر حين اعتبرها ” وحدة مايغلبها غلاب / يباركها وحدة احباب / توصلنا من الباب للباب / ولا حاجز مابين الاتنين ” .. اما الموال الذي غنته المونولجيست السورية ام كامل فقالت فيه ” أويها تمت الوحدة ، ومن بعد الشدة ، وراحوا الاعادي ، وروحة بلا ردة “.
ــــــــ
كثير من الاغنيات استقبلت الوحدة التاريخية بين دولتين كتبا تاريخا مجيدا حين اختارا ان يكونا نموذجا لوحدة تنصهر فيها عذابات امة لتخرج لنا عالما مختلفا في آفاقه. اما ماكتب عن تلك الوحدة الذهبية فكان كثيرا ايضا، منهم من شبهه بحلم وتحقق، ومنهم من وضع يده على قلبه كي تنجح التجربة وتستمر، ومنهم من رسم لها طريقا نحو انضمام افكار اخرى اليها.
في تلك الأثناء، وفي غمرة الاسئلة الكثيرة، كان الزعيم جمال عبدالناصر يطوف كل سنة بدءا من الاول من فبراير بين المحافظات السورية، يطلع عليها، يتحدث الى شعبها، يحمل مطالبهم كي ينفذ منها مايستطيع تنفيذه. وفي الخفاء كان ثمة من يتآمرون عليها، فليس أمر على اسرائيل آنذاك من ان ترى وحدة تهددها مصيريا ووجوديا، وليس اكثر اثارة على الاميركي من ان يرى دولتين عربيتين تتقاربان وتندمجان فتصنعا حلما امام الآخرين ويصبح بيد تلك الوحدة كل الخير العربي وخاصة النفط، حلم الغرب وأمله.
اليوم نراجع ذلك التاريخ، نحن جيل لا يمكن له ان ينسى ما تحقق في التاريخ الابيض الجميل، فكلما مر الاول من فبراير تدق الساعة معلنة عن ذكرى ستظل في البال لأنها تجاوزت التنظير لتذهب الى التطبيق الفوري. ومع نسيان تلك المرحلة، لايمكن للخاطر المنشغل باحوال الأمة ان ينساها هو الآخر، انها ذكرى عزيزة، حلم تحقق ثم جاء من قصف عمره .. أمل كنا بحاجة لتظهيره، لكن الخائف منه عرف كيف ينهيه معتمدا على امكانياته في داخل الوحدة وفي خارجها. ويبقى ان بعض العرب ساهم ايضا الى جانب المساهمين في تحقيق الانفصال الذي يعتبر الابشع في التاريخ العربي كله.
/// الأمل
خرج الرئيس المصري جمال عبد الناصر من العدوان الثلاثي على بلاده عام 1956 منتصرا وبطلا قوميا .. اذ ليس سهلا لقيادي شاب في عمره ان يتصدى لدول ثلاث لكل منها مصالحه في الحرب التي شنتها عليه خصوصا وانه كان اتجه شرقا حيث اشترى سلاحا من الكتلة الشرقية آنذاك وكانت ميوله واضحة في ذلك.
كانت فرنسا منزعجة جدا مما تقدمه مصر من سلاح وعتاد واعلام ومؤن الى الثورة الجزائرية التي كانت مندلعة في تلك الاوقات / ولقد جاءت الى مصر لتضع حدا لها وفي نوايا حكامها آنذاك ليس فقط الضرب على يد الرئيس المصري بل اخراجه نهائيا من السلطة. اما بريطانيا فلم تستطع باي شكل من الاشكال ان تهضم تأميم قناة السويس من قبله، لكن الابعاد الاخرى لاشتراكها في الحملة لعسكرية عليه هو منع وطني مصري يصل السلطة لاول مرة منذ سنوات طويلة ان لا يصبح نموذجا لآخرين يسعون للقرار الذاتي .. واما اسرائيل المشاركة في العدوان، فكانت تحت فكرة ايقاف العمل الفدائي الذي انطلق من غزة باشراف من مصر، لكن البعد الحقيقي لتدخلها، اكتشاف افكار عبد الناصر بشكل مبكر، واهمها نواياه الفلسطينية ثم حلمه العربي البعيد المدى، اضافة للخوف الاسرائيلي التاريخي من ان يصل زعيم لحكم مصر يحمل في داخله تنمية بلاده، بمعنى استقلال ذاتي ايضا.
اثار العدوان الثلاثي على مصر زوبعة دولية قادها الاتحاد السوفياتي آنذاك، وكانت الولايات المتحدة ايضا بعيدة عن العدوان، فيما كانت الأمة العربية كلها الى جانب مصر، حتى ان بطلا سوريا هو جول جمال قد ابحر من مدينته اللاذقية لينفذ عملية فدائية لعبت دورا كبيرا في اراحة مصر من مغبتها .. فقد قام هذا الفدائي العربي السوري بقيادة سفينته السريعة محملة بمتفجرات واتجه بها باتجاه بارجة فرنسية تدعى جان دارك كانت نيتها تدمير بورسعيد، وبسرعة الزورق الذي قاده تمكن من صدم البارجة بقوة مما فجرها تماما وادى الى غرقها على الفور بكل مافيها ومن فيها. اثارت هذه العملية مخاوف من تنامي الاحساس القومي العربي، فأريد تعطيله على الفور حيث تم التدخل بايقاف تلك الحرب وذلك العدوان لهذا السبب وللأسباب الاخرى التي كان لها خصوصية اميركية واخرى سوفياتية.
كان واضحا ان زعامة مصر لن تقف عند حدودها .. فكاريزما عبدالناصر بدأت تطغى على المشهد العربي، ودورة نصره لفت في عقول ملايين العرب، وفي اللحظات التي كانت سوريا تتعرض فيها لاحتمالات العدوان عليها من قبل اسرائيل، جاءت استجابة مصر الناصرية آنذاك لإقامة وحدة معها.
كان العالم العربي صامتا في تلك اللحظات، لكنه كان ينتظر فارسا عربيا ينتشله من حالة الى حالة مختلفة، خصوصا وان النكبة الفلسطينية دقت ابواب العرب بقوة، بل ساهمت في التأثير على نفوس ابناء المنطقة، وكان لها الأثر العميق وراء العديد من التغيير في الوطن العربي. فالعرب وحدويون بطبعهم، تقيم في دواخلهم مؤثرات تاريخهم وانتصاراتهم المتعددة. وكانوا على ما يبدو ينتظرون اليوم الذي تعود فيه الأمة الى واقعها الوحدوي، وكان الحلم فير قابل للتحقق الا على يد قائد مظفر، فكان عبد الناصر الصوت الدافيء الذي اعادت صيحاته الوحدوية الاحساس القومي في كل فرد من الأمة.
بعد مرور اكثر من خمسين سنة على الوحدة بين مصر وسوريا، تجدنا اليوم أحوج الى الكتابة عنها، وفي ظروف الأمة الحالية، هنالك اكثر من سبب للتذكير بأهمية الوحدة التي لو انها كانت موجودة لما تفردت الازمات في كل دولة عربية على حدة، ولما سقطت بعض الأقطار في مغبة الخطر على وحدتها الداخلية.
هنالك في الوجدان العربي همس دائم اسمعه اينما يممت في المنطقة العربية ” لماذا نحن مفرقون ولماذا نحن غارقون في قطرية غير مستحبة”.
عندما اعلنت وحدة مصر وسوريا في الاول من فبراير 1958 وقف الرئيس السوري آنذاك ليقول ” بانه يوم من ايام العمر” صافح عبد الناصر ثم قبله وقال له على بركة الله والله معك وشعبنا معك وامتنا كذلك، فكان العهد الجديد لتجربة خلاقة بين دولتين عربيتين لاينقصهما ابدا التحدي وخصوصا مصر وسوريا اللتين شكلتا تاريخيا جناحا الامة العربية.
لاشك ان الافكار الوحدوية في المنطقة العربية تنوعت، فكان ابرزها منطق انطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الذي تفرد تقريبا برؤية شاملة حين اعتبر ان في المنطقة العربية اربع وحدات يجب ان تقام كل وحدة على حدة ثم يتم بعدها ضمها الى بعضها الآخر. قيادة هذا الحزب ارسلت الافكار الى عبد الناصر لدراستها فلم يرد عليها كما قيل لنا فيما بعد.
بدأ عصر جديد بين مصر وسوريا، عصر اشبه بالفتوحات التي تقوم على عصبية التوحد .. وفي مرحلة الوحدة تلك كان الايمان بها شاملا، اما اليوم فمشكوك به نظرا لما صار من تعزيز للقطرية في كل قطر عربي,
بدأ عبدالناصر جولاته في سوريا في كل عام من ذكراها، كان يتجول في الربوع السورية من محافظة الى اخرى، يخاطب الناس والجماهير التي تحتشد لسماعه، بل لرؤية هذا القائد الذي انتظرته طويلا وهي على ظمأ الانتظار .. اذكر اني تمكنت مرة من الدخول الى قصر الضيافة في دمشق حيث كان ينزل الرئيس المصري .. يومها كان هنالك وفد لبناني تجاوز الآلاف، كلهم جاؤوا للسلام عليه والتبارك بالنظرة اليه. كان يتزعم تلك الفترة رجل جنوبي اسمه احمد الاسعد، وفي لحظة المثول بين يدي عبد الناصر قال له بعد كلمات الترحيب والمبالغة ان ثمة شاعرا جنوبيا لديه قصيدة يريد ان يسمعك اياها فرحب بالفكرة، لكن قصيدة الشاعر لم تكن سوى كومة من الورق حيث استمر اكثر من ساعة وهو يلقيها مما ادى الى تضايق الجميع، وعندما انتهى منها صفق له عبدالناصر ثم قال له كلاما لطيفا مع شكره على وطنيته وقوميته، لكنه اردف قائلا ارجو ان لا تنزعج من سؤالي منذ متى لم تتكلم يا افندم ، ثم ضحك عاليا ومعه ضحكات الحاضرين. كان يستمع لكل صغيرة وكبيرة، تؤخذ الصور التذكارية معه برحابة صدر ومعنويات عالية، يسلم على الصغير والكبير، بل لم يكن واردا في تلك اللحظات الثمينة من عمر الناس، ان هنالك امنا يمنع احدا.. ولهذا كانت تطول اللقاءات، فقد كان يعتبر ان الشعب ينتظره من عام الى آخر ، وعليه ان يقدم له ما يريحه حتى من وقته الثمين. واذكر ان نزوله الى الشارع كان مشكلة للامن عموما ولأمن الرئيس خصيصا، خصوصا وان سيارته كانت مكشوفة من اجل تحية الجماهير المحتشدة، وقيل فيما سمعت ان كيلومترا واحدا قطعته السيارة اكثر من ثلاث ساعات، بل انه عند مكان ما هجم الشعب على السيارة وقاموا بحملها رغم انها من الحجم الكبير والثقيل ايضا ثم مشوا بها امتارا. لم اعرف بصراحة المعرفة زعامة كان لها ذلك الالق الشعبي الذي لايحد .. ربما كانت المرحلة ميزانا، وربما ايضا كان العطش الشعبي الى قائد ورمز ثم الى معنى اسمه الوحدة قد اخرج الناس عن بكرة ابيها لترقص وتهتف وتبكي وتضحك وتمارس حياتها بالطول والعرض كما يقال.
امضى عبدالناصر في سوريا سنوات تجواله فيها .. لم يكن يعلم ان بمقابل ما يراه هنالك من هم وراء الصورة يعملون بلا هوادة للفتك بالوحدة .. اذا كانت الوحدة مصير العرب، فهي بالمقابل ضربة على رأس اسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموما الذي قسم المنطقة وشرذمها ووضع لها اسس حياتها ثم تم طرده منها، الا ان المشهد العربي كان قد صار امرا واقعا وصار ايضا المشهد الذي تأتلفه النفوس، مع انها بحاجة ماسة لمن يرفع الغطاء عنها.
لاشك ان تجربة الوحدة المصرية السورية مرت باخطاء في التطبيق كونها احدى ثمرات التجربة، وكل تجربة فيها من الخطأ مافيها ايضا من الصح، لكن ليس بالانفصال يصحح الخطأ، وتضرب آمال عريضة .. ففي ليلة ليلاء كانت خفافيش الليالي قد دبرت انفصال سوريا عن مصر، فتحركت، ولم يطلع النهار في الثامن والعشرين من سبتمر 1961 حتى اعلنت الاذاعة السورية من دمشق نبأ الانفصال عن مصر وفيها هجوم لاذع على القيادة المصرية، في وقت كانت اذاعة حلب مازالت على القها الوحدوي.
تسلل الخبر المنكر الى مصر، سمعه عبدالناصر فلم يعترف به، وبكل اسف، فقد غزا الخبر جسده حيث اصيب في ذاك التاريخ بمرض السكري الذي استمر معه حتى لحظة وفاته. كانت ردود فعله الاولى منع الفكرة من جذورها، فاذا به يأمر بتحريك اسطوله البحري نحو اللاذقية، وبالفعل تحرك الاسطول، لكنها كانت مغامرة، انما لم يستطع الرجل ان يهضم فكرة الانفصال، لم يتفاعل معها، شعر باليأس المعنوي ازاءها، اهكذا تسقط الوحدة، ويسقط تاريخ مشرق، وبدل ان تثمر الوحدة وحدات، نذهب الى انفصال بغيض كان يقول. لكن الاسطول لم يصل شواطيء اللاذقية، فلقد تجرع الرئيس سم الانفصال وقبل به في لحظته وان كان رفضه في اعماقه وظل يرفضه طوال عمره. ويومها خرج بخطاب كان الحزن يملأ كلماته بدأه بانه ” يعز علينا ان احنا نعيش في النور وبسوريا الناس عايشين بظلام ” .. قال كلاما واسى فيه نفسه، لكن الواقعة وقعت وجرحت كبرياء الأمة التي اصيبت في ذلك اليوم بما يشبه الدهشة، وقد رايت وانا طفل صغير معنى تلك اللحظة حين مررت في منطقة ببيروت اسمها المعرض حيث كانت تتجمع الناس على مكتبة لتقرأ صحفا معلقة مازالت اذكر عنوان احداها حول سقوط وحدة مصر وسوريا وكيف كانت الناس تضرب كفا بكف اسى وحسرة.
ظلت الوحدة نشيد الامة والأمل المرجو، وحينما تم تصحيح الاوضاع في سوريا بعد مرور سنوات قليلة، هاج الشوق مرة اخرى للوحدة من جديد، فبدأ السوريون يتوافدون على مصر لهذه الغاية وكان عبد الناصر الذي اعطته الوحدة مع سوريا دروسا جديدة، كانت له آراؤه الجديدة، ثم ان البحث عن الوحدة امتد اكثر حين صارت العراق جزءا من البحث، فكادت وحدة ثلاثية ان تقع لولا خلافات في تقييم ما يجب ان تقوم عليه تلك الوحدة. ويومها خرجت احدى الاغنيات لتقول ” الوحدة فكرة، الوحدة دين وايمان بيملى كل قلب، الوحدة مش حكام ورجعية وخيانة، الوحدة شعب” .. لكن من يسمع، فظلال التآمر كان مكشوفا وكان معروفا من اسند الانفصال ومن حققه وكيف اديرت المؤامرات في الظلام.
حقق الانفصال غاياته، واهمها انه مكن اسرائيل من الانفراد بكل جبهة عربية على حدة، كان ذلك في العام 1967 حين هاجمت مصر وتمكنت منها، ثم قامت بالهجوم على سوريا وبعدها الاردن. كان مشروع الوحدة في اساسه توحيد الطاقات العربية وخلق جبهة عربية واحدة تحت قيادة واحدة .. ومن اسف القول انه قام ما سمي في الستينات بالقيادة العربية الموحدة التي تزعمها جنرال مصري يدعى علي عامر لكنها كانت حبرا على ورق، وقد كشفتها تماما معارك يونيو في الاقطار العربية الثلاثة. لو كانت الوحدة محققة لما حدثت الهزيمة المرة، ولو كان العرب جيشا واحدا كما كان ابان وحدة مصر وسوريا حين كان الجيش العربي السوري الجيش الاول، والجيشان الثاني والثالث في مصر ..
كل هزائم الأمة مصدرها تفرقها، ان نقاشا هادئا حول ما آلت اليه امور العالم العربي يأخذنا دائما الى حالة التفكك والضعف، لكننا حين لا نذهب بعيدا بعد تلك الهزيمة، سوف نجد الرد الوحدوي على اسرائيل في حرب اكتوبر 1973 حين هاجم الجيشان المصري والسوري في لحظة واحدة فقلبا ميزان المعركة لصالحهما، ولولا ماجرى على الجبهة المصرية لما تمكنت اسرائيل من العودة الى الظفر .. لقد بدأت الحرب على الجبهة المصرية بمفهوم التحرير ثم صارت تحريكا، فما كان من السوريين سوى ان يدفعوا ثمن الخطأ المصري الذي لم يكن واضحا اثناء الاتفاق بين القيادتين المصرية والسورية على الحرب. ومع ذلك تعتبر حرب اكتوبر نموذجا لمفهوم الوحدة ولو تحت ظلال العسكر. لكنها حينما تحولت الى تفرد، تحولت الى كارثة قومية حيث ادت الى كامب ديفيد في مصر، فيما استمر الموقف السوري على حاله متمسكا باهداف امته الواحدة، ولهذا يدفع السوريون اليوم ثمن تلك المراحل كلها، يدفعون نتيجة ايمانهم بالعروبة وبالامة الواحدة والدفاع عن مصالحها.
منذ وقت طويل ونحن نقرأ عن نظرية بريطانية عنوانها ” فرق تسد ” .. كل ما اهتم به الاستعمار بكل اشكاله هو تحقيق تلك النظرية .. هي ليست جديدة على كل حال، دفع فيها المسلمون وجودهم التاريخي في الاندلس حينما تمكن الغرب من التلاعب بالامارات هناك وبالعائلات، رسموا لهم التفرقة فنفذوها بكل اسف دون تفكير بما ستؤول اليه امورهم ، لقد ظلموا تاريخه، كما ظلموا انفسهم، فسقطوا الواحد تلو الآخر، ظلوا يتآمرون على بعضهم البعض، وثمن من كان يحتل رؤوسهم ليظل التكاره ساري المفعول .. ولقد تحقق للغرب ما اراد وخصوصا للاسبان الذين عادوا وتمكنوا من المسلمين العرب، فهل هنالك منطق يقبل ان تعمر تجربة في مكان ما ثمانمائة سنة ثم تتلاشى كأنها لم تكن، هكذا كانت في اسبانيا، وهكذا انتهت بل تحولت الى كابوس لك من تبقى من المسلمين الذين عاشوا في كنف الاسبان وكان عليهم ان يصبحوا اسبانا او يقتلون. بهذه الروحية، يعيش العرب سنواتهم، كأنهم لم يستفيدوا من تلك المراحل، وكأن التجارب المؤذية لم تعلمهم معنى التفرقة ومعنى وحشية الآخر حين يراك منفردا لاقوة لك ولا شأن..
اعتقد ان كل ما يملكه كل قطر عربي من سلاح لن يقدم او يؤخر لأن القطرية عاجلا او آجلا هي عملية خاسرة في شتى الميادين فكيف عليها في الميدان العسكري. ثمة دول عربية تملك اعتى انواع السلاح، لكنها لن تصمد امام اي عدو لاعتبارات القطرية الزائفة.
وفي تصور عام، فان خير دليل على تراجع امة وتقهقرها، ماآلت اليه امورها منذ ان اندلع ذلك الجحيم العربي الذي سموه بالربيع العربي. هل اكتشف احد ان سبب ما اصيب به العرب في شتى اقطارهم كان سببه القطرية والانفرادية والوحشة الناتجة عن الانعزال عن الآخر العربي .. وهل يمكن لتلك الاقطار العربية التي مازالت تفكر بقطريتها ان تظل بمنأى ان عن حجم الاحداث التي سوف تهز الجميع بلا استثناء.
من اسقط ليبيا بهذا المستنقع الكبير غير التفرد العربي فيه .. لو كان لدى الليبيين مناعة ناتجة عن وحدة قائمة لما صارت اليه الامور كما هي عليه .. حال اليوم نموذج يجب ان تتعلم منه الأمة وان ترى في اسبابه مايجعلها تفكر منذ الآن بتغيير مساراتها. لكن ذلك لن يحصل، ستتعب مصر، وستظل سوريا على حال من الصراع وكذلك العراق وسيظل لبنان واقفا في عين العاصفة .. لن تكون هنالك امكانية حل طالما ان العرب مشتتون ضائعون، يدافعون عن انفسهم بمنطق الفرد والانانية والذاتية والمصلحة القريبة المدى التي لا تعمر، يفكرون ان بامكانهم الهروب من المؤامرة الكبرى عليهم بمنطق الانعزالية ، السيوف فوق رقابهم ومع ذلك يفكرون بمصالحهم الخاصة.
لم يعد امام الشعر ان يقول سحره القومي الذي اعتدنا عليه كتلك الرائعة التي تغنى بها شاعر العروبة سليمان العيسي بقوله ” الآن ابتديء النزال بامتي وتشع دنيا كالضحى عرباء ” وكان بذلك يؤبن قائدا عربيا فذا هو عبد المنعم رياض الذي قتل على الجبهة المصرية، بل على هذا الشعر ان يصمت امام ما اصاب العرب كعادتهم من اعادة تجميع للذات الواحدة بدل العمل على خوض معركة الأمة كلها .. بل بكل اسف نقول اننا اليوم اشبه ما نكون في العصر الاندلسي، عرب يتقاتلون، بعضهم يتآمر على البعض الآخر، بل ان بعضهم يمد اعداء الامة بالسلاح، يمول ارهابيين ويحضهم على معارك ضد اخوانهم في سوريا والعراق وفي غير مكان. بالله عليكم فكروا معنا بهذا المصير، بهذا الموقف الارعن الذي تتحمل فيه دول عربية دم اخوة لهم.
مهما فعلوا فمشروع الوحدة سيبقى قائما، للتاريخ اصوله، ومثلما تحققت وحدة مصر وسوريا سوف يأتي الوقت ونحن نراه، ليبني قواعد مرحلة وحدوية جديدة. لاشك ان الآن الاجيال القادمة سوف تواجه تلك المرحلة وستعمل تحت رايتها. والذين لايرون هذا الأمل من شدة السواد الذي يطوق المستقبل العربي ، فان وراء الصورة الحالكة نهار ساطع.. ويجب ان لاننسى ما قيل من” ان الدماء التي تجري في عروقنا هي صنيعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها”، ولهذا السبب فليس من يبخل على رفد التاريخ الحالي بما يحتاجه .. قدمنا في الجزائر مليونا، وفي مصر مئات الآلاف، وفي فلسطين مثله، واليوم في سوريا مئات الاف ايضا ، وكذلك في العراق ، وفي لبنان .. انه المخاض الضروري ، فعندما يسود الاضطراب يصبح اللامعقول معقولا.
تحية من القلب لذكرى وحدة مصر وسوريا التي ستظل تجربة رائدة مهما يراد التعتيم عليها .. من ضرورات الاعلام ان يعود اليها في كل مرة ومرحلة وفي تاريخها الابيض ايضا . انها شهادة حق على امة ارادت ، ففكرت ففعلت ، وهي اليوم لا تدافع فقط عن قطريتها ضد اعداء الداخل والخارج، وانما عن خطأ الانفصال الذي يعيشه كل قطر عربي بمعزل عن اخيه العربي الآخر.

إلى الأعلى