الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: موت أمام الشاشات !
كلمات: موت أمام الشاشات !

كلمات: موت أمام الشاشات !

زهير ماجد

اختلط الدم البريء بذرات الرمل بمياه المتوسط فصار هذا البحر رسالة الى من يستوطنه، بل دعوة لكل امريء فيه انك قد تكون المذبوح الآخر. كل هذا الدم الذي تساقط على الشاطيء لن يسكت، المسألة ليس في عدد المذبوحين، بل في تلك اليد التي امتدت على طهر الانسانية لتلوثها وتجعل منها ممسحة لشقائها.
كانت لحظة مدوية وهم يمشون الى موعد الاعدام على ذلك الشاطيء الذي سيظل يتذكر الحوار الهامس الذي جرى داخل كل ” طريدة ” قبل ان تحز السكين رقبتها. كل ارهابي احتضن مقتوله كي يسجل للتاريخ اسمه في ملكوت الفعل، ولكي يقول اليوم ما فعل، لكنه في الزمن القادم سيكون من يرفض يده التي ذبحت وحملت السكين في اكثر من موقعة. كان احد المسؤولين العرب الكبار قد شلت يده وكان سكيرا، وفي لحظات غلبة السكر عليه كان يضرب يده المشلولة وكنا نسمعه يقول انها اليد التي قتلت 14ألفا. أفاق هذا المسؤول على جريمته متأخرا، كانت مرحلة الشباب مؤاتية له وللجميع، لكن الحياة المدرسة لا تترك احدا دون تبكيت ضميره، مرجعنا جميعا اثناء التقدم في العمر الى لحظات الخوف من الحساب على ما ارتكب.
مشى اذن الارهابي المقنع الذي يهاب الحرية فيظل قابعا في ظلمة والى جانبه من سيذبح بعد حين، لقد رأى السكين في يد القاتل ، لكنه لم ير وجهه ، نظرة العين في العين قاسية احيانا ولها بعد ورمز، لكن الاختفاء وراء القناع قصة سرمدية لمن يهابون الآخرين، وقبلها الخوف من الموت نفسه .. صحيح انه يذبح لكنه يخاف من يوم يذبحه الآخرون فالقاتل يقتل ولو بعد حين.
لم يجر حوار بين الاثنين، بين من يلبس البذلة البرتقالية التي تعني الاعدام وبين اللابس ذلك السواد من رأسه حتى اخمص قدميه. وعلى ماذا يتحاور طرف يحمل السكين وآخر تنتظر رقبته الحز .. ماذا تقول الضحية غير الرأفة، وماذا لها غير دموع مخبأة وغير أنين عميق عمق تاريخ العرب والمسلمين والمسيحيين وكل الاديان الأخرى. ثمة شريط طويل ينهال على رأسه قبل ان يقطعه الارهابي: امه وابوه واخوته، بيته الصغير الفقير الذي جاء متغربا من اجل تبديله ببيت اوسع وبسيارة جديدة على الزيرو كما يقول المصريون .. زوجته ان كان متزوجا، اطفاله وهم الأعز، دمعه الداخلي عليهم، سيكونون بلا أب، ايتام منذ نعومة اظفارهم. مازال المسير على الشاطيء، المقنع بانتظار الاوامر، اما المسكين العالق بين رغبة الحياة وبين فرض الموت عليه لسبب لايعرفه سوى ان الارهاب يسعى لصورة يقدم نفسه الى الآخرين، يريد تخويفهم، هكذا فعل الاسرائيلي ذات يوم، وهكذا يفعل القتلة عادة عندما يريدون رسائل لمن يهمهم الأمر.
ليس من أمل ان يتدخل قدر ما ويختفي المشهد قبل ان تبدأ عملية الذبح .. يظل الذي سيذبح متأملا بأن تتدخل العناية الآلهية في لحظة ما فتتغير الصورة ، لكنه الارهاب وهو مهتم ان يظل على صورته امام العالم.
تتراءى الصور مرة اخرى في ذهن المسكين الذي مات كل ما فيه قبل ان تحز رقبته السكين .. ليتني فعلت كذا كي اتخلص، هكذا فكر، تهجم الافكار مثل لحظة شتاء عنيف، لكنها تطل بسرعة كي يتمكن من مراجعة لكل ما مر في حياته، فهو يعيش لحظاته الأخيرة، وكلما رأى السكين في يد القاتل، اهتز قلبه .. رأيت احدهم وهم يتمتم، لقد كان يصلي ويتضرع، يراجع حساب الدنيا من اجل آخرة ظلم فيها فكان المظلوم.
مخرج العملية يتفنن في لقطاته المختلفة، يريد صورة موحية بكل الابعاد الفنية التي تقدم المشهد اقتحاما في عقول المشاهدين .. استعمل كاميرات متعددة كي يكون لديه متسع من اللقطات، خصوصا وان البحر وراءه، تضرب الشاطيء موجات لطيفة، لكن امامه مشهد عنف ستتساقط فيه دماء غزيرة عزيزة على اهلها. وهذا المخرج على مايبدو خريج مدرسة الارهاب الذي له فنه الخاص ورؤيته الفنية الخاصة. ولهذا اعتمد ان يلون ويقترب ويبتعد، ظل كذلك الى اللحظات الاخيرة من العملية الرهيبة ولا اعتقد انه اصيب بتقزز، بل ربما صاحبته نشوة المشهد طالما انه يسعى الى كمال اللقطات كي لا تفوته واحدة منها.
اصطف واحد وعشرون بذلة برتقالية ووراءهم واحد وعشرون باللون الاسود القاتم .. ثم جاءت الاوامر بان اركعوا ففعلوها تماما، انها لحظة الحساب حيث سينطق مسؤول العملية بالكلمات الأخيرة التي لن تترك صدى عند احد، فالكل مشغول بما سيتلو .. الذابح بسكينه الجاهزة، والمظلوم بما سيلي. تزيد التمتمات ” ربي ليس هكذا تكون نهايتي”.
تلون الشاطيء بالدم لكنه لن يغسل العار الذي وقع والذي سيظل ذاكرة حية على مدى اجيال وسيظل يقال هنا وقعت اكبر الجرائم. تلون البحر المتوسط باللون الأحمر، لكن طهر الضحية سيظل يطارد الجلاد مثل اي كابوس دائم، والعالم قاطبة .. كل الجلادين مات فيهم احساس الحياة فخرجوا من جلودهم اصناما من الجبس التي لا اعصاب فيها ولا احساس او شعور. الجلاد جسم غريب قذفته الحياة لنعرف من خلاله اهمية تلك الحياة في كل ساعاتها.
لون الدم البحر المتوسط، لابد انها عاصفة ستلف شواطئه لتحمل الصرخة المدوية لهؤلاء الذين منعوا حتى من الصراخ او من قولة الكلام الأخير.. كل من سيعدم يطلب منه ماذا يريد في اللحظات الاخيرة. من المؤسف ان الصرخة دوت لكنها تلاشت بعد حين، ظل الألم عند اهل المظلومين الضحايا، وعند من يعرفونهم، هؤلاء مظلومون ايضا لأن ذاكرتهم ستظل مفتوحة على مدى طول الزمن الذي سيعاش بالحسرة والبكاء، خصوصا عندما لايملك المرء القدرة على الفعل تكون مصيبته مضاعفة، فهو مشاهد للصور مثله مثل غيره ، الا انه ملتصق بالالم الى حد النخاع.
الارهاب يتفنن في عملياته: مرة بالسحل، ومرة بالصلب، واخرى رميا من الأعلى بعد القتل، ومرة بالحرق مثلما فعلوا بالطيار الاردني، وهذه المرة موت جماعي. الارهاب لايعرف انه ارهابا سوى ان مايقوم به صورة طبيعية لاتخرج عن المألوف. لاشك انه يتفاجأ فقط من ردود فعل العالم على ارتكاباته، هو يراها عادية ، اما العالم فيرى فيها جريمة نكراء .. هو يراها حاجة ماسة لتقديم نفسه الى هذا العالم، يقدس الاسلوب الذي يثمر خوفا منه عند الآخرين. كلما وقع الخوف في القلوب ازداد التأثير .. الارهاب يلاحظ ان الآخر لايخاف بل يهاجمه في كل مكان تصل فيه اقدامه..
ولن تنتهي اللعبة عند مشهد الشاطيء المتوسطي، ستتكرر الصورة لأن الارهاب يبحث دائما عن ضحاياه كي يقدم موتهم بطريقته الفنية .. ولهذا جميعنا مشاريع قص الرقبة بهذا الشكل الحيواني، حتى ان الحيوانات لديها اسلوب مشرف في اختيار الضحايا.
وبعد ،،
يقول الشاعر محمود درويش ” علمتني ضربة الجلاد ان امشي على جرحي وامشي وأقاوم ” .. القفلة اي ” أقاوم ” هي المطلوبة .. هذا الفعل الغرائزي للارهاب يجب ان لايمر دون حساب .. صحيح ان كل عملية قتل تترك وراءها صرخة، لكن الزمن يبعثرها فتتلاشى .. ثمة اسلوب عند المتقاعسين او الذين صنعوا الارهاب وادخلوه الينا فصار عنوانا على مدار الايام والساعات وسيظل الى ماشاء الله، انه يجب تقبل ظاهرته والتعايش معه، هو مشروعهم، وعلى البشرية ان تحفل بمشاريع ذات اشكال متعددة. هم يمولون يدفعون الاموال الباهظة من اجل سبب، ولكل ممول سببه، ولمن يغطي الممولين اسبابه ايضا .. من المؤسف ان يكون عقاب الارهاب تلك الطريقة التي تشبه الدلع بدل استعمال اقصى القوة. الذين يملكون القوة المفرطة يتحملون وحدهم عبء تصفية الحساب معه. اما الشعوب المغلوبة على امرها فليس لها سوى الاتكال على نفسها والتوحد في المواجهة ..
ليس سرا القول ان ثمة تزايدا في اعداد الارهابيين كلما نطقت الولايات المتحدة بجمل تعني قتالها لهم .. هنالك كره شديد من قبل الجيل او الاجيال لأميركا، فهل نجد الطريقة التي تبعدها عن الاعلام لنتقي شرور الاعداد المتزايدة التي تصل حسب احصاءات عارفة وعليمة الى الف ارهابي كل شهر.. اجل، هنالك هذا العدد الذي ينضم شهريا الى تلك الجحافل التي حين تهاجم موقعا او مكانا فتأتيه بالمئات والآلاف. المعلومات المستقاة من الجبهات العراقية تؤكد تلك التفاصيل، بل ان الارهابيين حين يهاجمون مواقع لحزب الله في مناطق عرسال، فإنهم يأتون بالمئات مقابل عدد بسيط ممن يقومون بحراسة الموقع.
ليس جديدا ما نعيشه وما نراه، هنالك ارهاب مصنوع دائما من جسم البشرية ومن لحمها الحي، لكنه يتفاقم احيانا كما يحصل اليوم، تصبح له ايدي وارجل وقوة وارض ومساحة يتحرك عليها، لكنه دائم الوجود وباشكال مختلفة. يذكر مؤلف رواية ” جسر على نهر درينا ” ماارتكبته الدولة العثمانية كأن كانت تشنق احدهم، واثناء وضع الحبل في رقبة من سيشنق كان الجلاد يقول له انت محظوظ بهذه الميتة، وحين كررها عدة مرات سأله الرجل وماذا هنالك اصعب من هذه الميتة فقال له ” الخازوق”. وبعد أكثر من الف سنة على سقوط بغداد بأيدي المغول مازالت الذاكرة تتحين الفرص لتتحدث عن ارتكابات فظيعة بحق السكان لم يعرف لها العالم شبيها. وكذلك الحال حين اقتحم الصليبيون مدينة القدس فقد ارتكبوا هم ايضا فظائع يندى لها الجبين .. هنالك ارتكابات متكررة مرت على الارض وعرفها الناس في زمانها ورأوا فيها بشاعة مانراه اليوم وأكثر .. ربما كان عدم وجود سلاح كالذي بين ايدي الجيوش اليوم، وماكان سائدا في ذلك الزمان حيث السيف هو الفصل، لم يكن قطع الرؤوس مفاجئا.
نحن امام عاصفة قادمة من وراء الزمان منذ ماقبل التاريخ، وعلينا ان نستعد للأسوأ طالما أن لهذا الارهاب صناعا ومهرة في التمويل وثمة مشاريع تصنع له وتوضع على خارطة الشعوب ، ولدى الارهاب منها الكثير.

إلى الأعلى