الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: نفاق أميركي في الشأن الفلسطيني

رأي الوطن: نفاق أميركي في الشأن الفلسطيني

قليلة هي المناسبات التي تتذكر فيها الولايات المتحدة القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأن هناك إرهاب دولة صهيونيًّا يمارس صباح مساء ضد الشعب الفلسطيني بمختلف ألوانه وشتى أشكاله في البر والبحر والجو، وفي السياسة والاقتصاد والأمن والثقافة والاجتماع وفي كل شيء؛ إرهاب دولة لم يسلم منه لا البشر ولا الشجر ولا الحجر.
فقد جرت العادة أن الذاكرة الأميركية لا تعود إلى نشاطها فتتذكر القضية الفلسطينية إلا إذا كانت ثمة أهداف كبرى ترغب الولايات المتحدة في تحقيقها خدمة لمصالحها وتنفيذًا لالتزامها الثابت بحماية إرهاب الدولة الصهيوني وتأمين بقائه جاثمًا على صدر المنطقة، أو إذا كان المخطط الأميركي يهدف من وراء ذلك حرف الأنظار عن عمل كبير قام أو يريد القيام به في مكان ما بالمنطقة.
لقد كان لافتًا التحذير الذي أطلقته الولايات المتحدة أمس من أن السلطة الفلسطينية قد تكون على شفير الانهيار بسبب نقص في التمويل في وقت يجمد فيه كيان الاحتلال الإسرائيلي تحويل الضرائب المترتبة للفلسطينيين ومساعدات المانحين لهم. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية جنيفر بساكي للصحفيين “إننا قلقون على قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار إذا لم تتلقَّ أموالًا قريبًا”. إن هذه الالتفاتة الأميركية النادرة للوضع الاقتصادي والمالي الفلسطيني من المؤكد أنها لا تعني تحركًا من قبل الإدارة الأميركية لممارسة الضغط على حليفها كيان الاحتلال الإسرائيلي للإفراج عن الأموال الفلسطينية المصادرة إسرائيليًّا، وإلا فبماذا يفسر سيل الإجراءات الأميركية بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، سواء كان ذلك حين تقدمت إلى الأمم المتحدة بطلب منح فلسطين العضوية، أو إتمام كل من فتح وحماس المصالحة الوطنية وتشكيل حكومة توافق أو طلب الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية أو حين انضمت إلى منظمة “اليونسكو” وغيرها؟
واضح أن الولايات المتحدة تريد أن تضع توازنًا ما يمنع حدوث أي تأثيرات سلبية تغير في المسار الذي تسير وفقه جميع الخطط والمشاريع الاستعمارية والاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بالتوازي مع سير جميع الخطط والمشاريع الصهيونية ـ الأميركية ـ الغربية الجاري تنفيذها في عموم المنطقة بإعادة رسم حدودها وجغرافيتها؛ أي إعادة رسم الحدود التي رسمها الاستعماران البريطاني والفرنسي والمعروفة بحدود “سايكس ـ بيكو”، وذلك لتغيير خريطة التوازنات في المنطقة بحيث لا تكون فيها دول عربية كبرى وفاعلة كما هو الحال المشاهد وبالأخص دول الطوق لكيان الاحتلال الإسرائيلي (مصر، سوريا، العراق). ولذلك لا ترغب واشنطن في توتير الوضع الفلسطيني بالضفة الغربية والتضييق على السلطة الفلسطينية ماليًّا واقتصاديًّا ما يجبرها على حل نفسها فيترتب عليه نشوب انتفاضة ثالثة، فالصهيو ـ أميركي لا يزال يرى في بقاء السلطة الفلسطينية دورًا خادمًا لمخططاته ومشاريعه التدميرية والاستعمارية؛ لأن ما يحصل خارج فلسطين المحتلة هو تمهيد الأرضية المناسبة لتنفيذ المشروع الأكبر وهو التهام أراضي فلسطين بأكملها، في الوقت الذي تكون فيه دول المنطقة قد رُسِمَتْ حدودها الجغرافية الجديدة على أساس تقسيمها إلى كيانات طائفية متناحرة.
إذًا، التحذير الأميركي لن يفتح صنابير الأموال والمساعدات العربية والغربية للسلطة الفلسطينية، مثلما أنه لن يجبر اللصوص الإسرائيليين من إعادة الأموال الفلسطينية إلى أصحابها، بل هو تحذير هدفه توفير القدر اللازم من الدعم الذي يمنع انهيار السلطة الفلسطينية، ويدخل في السياق الإعلامي الأميركي المعروف الذي يغلب عليه النفاق ويتلون حسب الأهداف التدميرية والمشاريع الاستعمارية المعدة ضد القضية الفلسطينية والمنطقة. ولو كانت الولايات المتحدة صادقة في تحذيرها لأجبرت حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الإسرائيلي منذ أول وهلة استولى فيها على الأموال الفلسطينية، ولما قطعت المساعدات ولوحت بقطعها لمعاقبة الفلسطينيين على تحركهم لاستعادة حقوقهم المغتصبة.

إلى الأعلى