الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تختلف الأيدي على الرعية فيفسد العمران

تختلف الأيدي على الرعية فيفسد العمران

د.أحمد القديدي

” إنني أكاد أقنط من أمة لا تعتبر بالأحداث وقد قال الإمام علي وهو من حكماء الأمة بالإضافة إلى منزلته الروحية: (ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار) والرأي الخلدوني الذي لا يزال حيا بل ازداد معنى ومبنى هو أن العرب أبعد ما يكونون عن سياسة الملك أي بالمفهوم الحديث أبعد ما يكونون عن إنشاء مؤسسات الدولة والتعايش صلبها.”

في كتاب المقدمة للعلامة عبد الرحمن بن خلدون الذي وضعه صاحبه العبقري منذ سبعة قرون نجد هذه الفقرة الرائعة التي تحلل ما جرى يوم الجمعة الماضي من أحداث جسيمة في اليمن عندما بلغ الأمر بالجماعة الحوثية حد إلغاء الدولة اليمنية أو في الحقيقة ما بقي منها وإصدار إعلانهم الدستوري الذي أجهز على أطلال مؤسسات هشة وارتجالية لينصب عوضا عنها هياكل شبه قذافية حتى في التسميات والمصطلحات “الثورية” وبذلك يدخل اليمن مرحلة العواصف العاتية التي نجا منها نسبيا إلى حد اليوم والفقرة المأخوذة من كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر هي حرفيا كالتالي: “إن من عوائد العرب الخروج عن ربقة الحاكم وعدم الانقياد في السياسة فهم يتنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحدهم الأمر لغيره فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلف الأيدي على الرعية فيفسد العمران وينتقص فتبقى الرعايا في مملكتها دون حكم وهكذا بعدت طباع العرب عن سياسة الملك”.
نعم هكذا حلل العلامة عبد الرحمن بن خلدون الهندسة الوراثية السياسية للعرب عموما وأعتقد أن الرجل كان على حق عندما تأمل الأحوال العربية من حوله في القرنين الرابع عشر والخامس عشر (م) وكانت الفتن بين ملوك الطوائف تعصف بما تبقى من حضارة العرب وقلت في نفسي ما أشبه الأمس باليوم وما أشد حاجتنا إلى أمثال ابن خلدون يسجل خيباتنا وينبهنا إلى مكامن الخلل لعلنا نفيق من غفلة الزمن
ونتدارك ما فاتنا من سبل النهضة الحديثة فنعيد العرب إلى مجرى التاريخ بعد أن أطردنا منه قسرا.
إنني أكاد أقنط من أمة لا تعتبر بالأحداث وقد قال الإمام علي وهو من حكماء الأمة بالإضافة إلى منزلته الروحية: (ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار) والرأي الخلدوني الذي لا يزال حيا بل ازداد معنى ومبنى هو أن العرب أبعد ما يكونون عن سياسة الملك أي بالمفهوم الحديث أبعد ما يكونون عن إنشاء مؤسسات الدولة والتعايش صلبها. وهل تريد يا قارئي الكريم أمثلة تؤيد الرأي الخلدوني أكثر مما تراه عيناك اليوم لأن المجتمعات العربية الأمنة أصبحت استثناءات طيبة نتمنى لها البقاء في دائرة الأمن والأمان مثل المجتمعات الخليجية التي حافظت على تقاليد التجانس واحترام الاختلاف بأليات ديمقراطية مبتكرة وأصيلة فقد زرت هذه السنوات الأخيرة سلطنة عمان ودولتي الكويت وقطر ودرست مواقع استقرار هذه المجتمعات وأدركت أنها نتاج حكمة قادتها وسلامة مواطنيها من تلوث الأفكار المعلبة الجاهزة وابتكار نهج مختلف للتقدم الحضاري لا السياسي أو الاقتصادي فحسب بمعنى السير نحو التنمية المستدامة والسلام الاجتماعي في كنف التقاليد الأصيلة والوفاء للهوية. مع أن إخوتنا الخليجيين يعتبرون التضامن مع أشقائهم العرب واجبا مقدسا بالرغم من بعض مؤشرات التنكر العربية للمواقف الخليجية الخيرة وعدم رد التحية لا بمثلها ولا بأحسن منها أما ما يهز الكيانات العربية الأخرى من فتن وصراعات فهو لا يبشر بخير بل ينذر بالمزيد من الانقسام والتشتت وضياع الحقوق واستقواء الدول الكبرى علينا بعضها ببعض لسلب خيراتنا وإلحاقنا بالكتل الأيديولوجية كذيول وفلول لا إرادة لنا غير ما يخطط لنا أعداء أمتنا. فاليمن يدخل أمام عيوننا المندهشة وعقولنا المشلولة في نفق مظلم لا نرى له نهاية بعد أن أعلن فريق من اليمنيين أنه هو الثوري وهو المؤتمن على ما سماه مكاسب الثورة معلنا تدمير ما تبقى من مؤسسات هشة لكنها قابلة للانقاذ والتصحيح مثل المجلس التشريعي الذي تشكل بمشارطة أغلب القبائل والأحزاب والحساسيات وأعلن الحوثيون عن حله لكن بدعوة من فيه إلى الالتحاق بالمجلس الجديد !!! و لا نعرف مدى ردة فعل عدن وحضرموت وشبوة ومأرب والبيضاء والحديدة على هذا الإنقلاب الغريب العجيب ؟ فهذه المحافظات والمدن تشكل 80% من مساحة اليمن ومواطنيه وثرواته ! ولا يستقيم وضع بديل إلا بإشراك هذه المدن وتأمين مصالح سكانها وقبائلها وضمان مساهمتهم في تقرير مصير اليمن ! ولا أرى بعض الحل إلا في إعادة تفعيل الوساطة الخليجية التي نعترف لها بنجاح جزئي في إطفاء فتيل سنة 2011 و ابتكار صيغة سلسة ومقبولة لتخلي الرئيس السابق علي عبد الله صالح عن الرئاسة والسعي بالبلاد إلى تحول سلمي ومنع برميل البارود القبلي من الإنفجار ولا يعاد تفعيل تلك المبادرة إلا بحاضنة أممية إقليمية ودولية قوية ترعاها وتوفر لها أسباب التوفيق لكن هل سيثوب الرشد لأهلنا في اليمن و هل سيغلبون مصلحة وطنهم العليا على حسابات أحزابهم الضيقة ؟ العلم عند الله تعالى. وغير بعيد تستمر الفوضى العارمة في كل من العراق ما بعد 2003 و سوريا ما بعد 2011 و لم تعد لا المنظمة الأممية ولا الدول الكبرى الغربية تفهم بالضبط من يحارب من ؟ وإلى أين يسير هذان البلدان في المنظورين القريب
والبعيد؟ وأتحدى أي زميل محلل إستراتيجي أن يرسم لي بوضوح موقف الولايات المتحدة مثلا وهي القوة السياسية والعسكرية ذات الطموحات الأوسع وذات المصالح الأكبر لا في الشرق الأوسط فحسب بل في كل أرجاء العالم فجون كيري رغم دهائه الدبلوماسي وتجربته الطويلة وجولاته المكوكية الكيسنجرية (نسبة إلى هنري كيسنجر سلفه الشهير) لم يستطع الإفصاح عن موقف واشنطن في كل من سوريا والعراق فبدا لنا ونحن نتابع بالعدسات المكبرة تصريحاته كأنه يريد الشيء ونقيضه بل كأنه في ملف أسعار النفط مثلا يسعى لتوظيف التعامل الأميركي مع سوريا والعراق في التدافع بين واشنطن وموسكو وأن مصير كلا البلدين العربيين لا يهم الولايات المتحدة بقدر ما تفكر الدبلوماسية الأميركية في حسم التنافس بينها وبين الإمبراطورية الروسية بدءا بالملف الأوكراني وأنا أعتقد وأجزم من خلال معايشتي للسياسات الأوروبية واتصالي ببعض صانعيها بأن التحرك الثنائي الأخير للرئيس فرانسوا هولند والمستشارة أنجيلا ميركل ما هو إلا استفاقة الإتحاد الأوروبي على هذه الحقيقة وهي أن واشنطن تريد استعمال الأزمة الأوكرانية للضغط على موسكو لكن عن طريق توريط دول الإتحاد الأوروبي ومساومتها بالملف الشرق أوسطي بينما يؤكد الحراك الفرنسي الألماني أن أوروبا تعتبر روسيا امتدادا لأوروبا ويعتقد الاتحاد الأوروبي اليوم أن أميركا قارة بعيدة وغير مهددة استراتيجيا بالتوسع الروسي الراهن وبأزمات أذرعه الإيرانية والسورية والعراقية. وردا على هذا الحراك الأوروبي توجه بوتين إلى القاهرة ليفك من حوله العزلة وربما فكر في كسب مصر لتحالف روسي إيراني سوري مستغلا مرحلة البرود المؤقت بين واشنطن والقاهرة في نوع من أنواع الرهانات الروسية التقليدية على دول عربية محورية يكون بينها وبين الغرب سوء تفاهم (مثل الجزائر) . والخطر المحدق بليبيا مستمر لأن داعش باسمها أو بأسماء أخرى تقف اليوم على الحدود التونسية من وراء معبر راس جدير وأكيد أن داعش تسمع أصوات الطلقات النارية والقنابل الغازية في المواجهة التي تمت هذا الأسبوع بين مواطني قرية ذهيبة ومدينة بن قردان وبين قوات الأمن التونسية.

إلى الأعلى