الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل الأزمة الأوكرانية بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي (1-2)

مستقبل الأزمة الأوكرانية بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

” ما هي الأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية للخارطة الأوكرانية على رقعة الشطرنج الاوراسية بوجه عام, وفي النظرة الجيوسياسية الأميركية والغربية من جهة والروسية من جهة أخرى؟ فالإجابة على هذا السؤال ستوضح الكثير من النقاط حول هذه البقعة الجغرافية من العالم وأهميتها بالنسبة للأطراف الدولية وخصوصا الدول الكبرى أولا,”

دون الدخول إلى تفاصيل تاريخ الأزمات السياسية الحديثة التي عانت منها أوكرانيا بعد إعلان استقلالها في العام 1990م عن الاتحاد السوفيتي السابق,يمكن التأكيد على أنها دخلت وخلال العقد الأخير من القرن 21- أي- خلال فترة لم تتجاوز عقد من الزمن 2004-2014م فقط إلى ثلاث أزمات جيوسياسية وجيواستراتيجية نتجت عن صراع المواجهة والنفوذ بين اميركا والغرب من جهة وروسيا من جهة أخرى, كان أولها في العام 2004م أثناء ما أطلق عليه بالثورة البرتقالية , ثم في العام 2010م أثناء انقسام قطبي الثورة البرتقالية فيكتور يوشينكو ويوليا تيموشينكو, ثم في العام 2013م على خلفية تعليقها توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي, وما تلاه من تدخلات من قبل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في الشأن الداخلي الأوكراني للتأثير على مستقبل الخارطة السياسية الأوكرانية تجاه مصالحهما الجيوسياسية في منطقة اوراسيا.
والمتتبع لتاريخ تلك الأزمات سالفة الذكر يجد أنها مترابطة ومتداخلة بشكل كبير, إلا أن أبرزها, والسبب الرئيسي في الحالة الأوكرانية الراهنة هو تعليقها توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في 12-11-2013م ما أدخلها في تظاهرات واحتجاجات من الأطراف المؤيدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أدت إلى الإطاحة بالرئيس الموالي لروسيا فيكتور تيموشنكو, واتت بالرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو الموالي للغرب في مايو من العام 2014م, الأمر الذي نتج عنه إتمام اتفاق الشراكة التاريخي مع الاتحاد الأوروبي الذي تم تعليقه قبل ذلك, وفي هذا السياق علق المحلل السياسي الأميركي كريستيان كاريل في مجلة فورين بوليسي الأميركيّة،بتاريخ 22/11/2013 تحت عنوان “مستقبل أوكرانيا أوروبي”، بان كل الحكومات الأوكرانية عملت على توطيد العلاقات مع أوروبا فان عدم توقيع الشراكة كانت قد خيبت أمل الشعب الأوكراني الذي كان يرى بلده اقرب إلى أوروبا.
وبتوقيع ذلك الاتفاق في بروكسل، تبددت في المقابل آمال بوتين بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الاقتصادي والجمركي الذي أقامه مع دول أخرى من الاتحاد السوفيتي السابق مع بيلاروسيا وكزاخستان بينما يسعى إلى إعادة نفوذ موسكو في المنطقة, ما أثار ردود فعل روسية ,بدأت بتصريح الرئيس فلاديمير بوتين الذي اعتبر أن التوقيع على الاتفاق ووصول الرئيس الموالي للغرب وأميركا انقلاب, قائلا “إن ما حدث هو انقلاب غير دستوري في كييف ومحاولات فرض خيار مصطنع على الشعب الأوكراني بين أوروبا وروسيا, وسيدفع بالمجتمع نحو الانقسام ومواجهة داخلية مؤلمة” , تلاه عودة أوكرانيا إلى خلاط الأزمات السياسية والمواجهات الأمنية والاضطرابات السياسية والاقتصادية التي أعادت إلى الواجهة الصراع الغربي – الروسي إلى العلن.
أوكرانيا في النظرة الاستراتيجية لمصالح الدول القطبية: ما هي الأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية للخارطة الأوكرانية على رقعة الشطرنج الاوراسية بوجه عام , وفي النظرة الجيوسياسية الأميركية والغربية من جهة والروسية من جهة أخرى؟ فالإجابة على هذا السؤال ستوضح الكثير من النقاط حول هذه البقعة الجغرافية من العالم وأهميتها بالنسبة للأطراف الدولية وخصوصا الدول الكبرى أولا, وكذلك ستوضح الكثير من ملامح مستقبل الأزمة الأوكرانية الراهنة, وفي هذا السياق تقول المحللة والصحفية الروسية ليليا شيفتسوفا ـ مؤلفة كتاب روسيا بوتين ـ بأنه (طالما حذر المراقبون الروس والغربيين من حتمية التوتر وحتى التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا في الحيز الذي كان الاتحاد السوفيتي يشغله سابقا, وهو ما كانت تعتبره موسكو مجال نفوذها …. فيما اعتبرت الولايات المتحدة الأميركية محاولات روسيا لتعزيز تواجدها في الأراضي السوفيتية السابقة عودة إلى التقاليد التوسعية السابقة لروسيا).
وقد لخص المفكر الاستراتيجي ومستشار للأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي 1977 و1981 وهو يعمل حاليًا مستشارًا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وأستاذًا بمادة السياسة الخارجية الأميركية في كلية بول نيتز للدراسات الدولية زبجينيو بريجنسكي في كتابة رقعة الشطرنج الكبرى نظرته لأهمية أوكرانيا في السياسة الروسية بالمقولة التالية : ” إن روسيا، بدون أوكرانيا لا تشكل إمبراطورية أوراسية. وروسيا، بدون أوكرانيا، لا تستطيع أن تتابع السعي إلى أن تكون ذات وضع أو هيبة إمبراطورية”.
فماذا يعني ذلك بلغة الأرقام ؟ يعني أن روسيا مع أوكرانيا، بملايينها الخمسين، ومواردها الكبيرة، ووجودها على البحر الأسود، تستعيد عندئذ، وبشكل أتوماتيكي ثرواتها لتصبح دولة إمبراطورية قوية، ممتدة عبر أوروبا وآسيا, كما ( تعد أوكرانيا حجر الزاوية للدفاعات الروسية كما أنها كانت مسرحًا لحرب القواعد الأميركية الروسية أيضًا، حيث إن تلك الدولة تأوي أكبر تجمع روسي في العالم خارج روسيا، وتعد امتدادًا طبيعيًا للصناعة والزراعة الروسية، كما أنها تعد نقطة عبور لما يقرب من 80% من الغاز الطبيعي الروسي الذي يتم شحنه من روسيا إلى أوروبا، كما أنها تعد همزة الوصل لمعظم البنية التحتية للصناعات الروسية سواء عبر خطوط الأنابيب أو الطرق أو السكك الحديدية التي تسير بين روسيا والغرب ).
(وتنبع أهمية أوكرانيا من أنها تعطي روسيا القدرة على مد نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي إلى دول شرق أوروبا والقوقاز والبحر الأسود، وتعد أوكرانيا هي جوهرة التاج لروسيا والتي تمكنها من استعادة نفوذها وسيطرة أسطولها على المنطقة، ومنع تلك الدولة من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى حلف الناتو والسقوط في الفلك الغربي )
أما بالنسبة لأهمية أوكرانيا بالنسبة لأوروبا فإنها تنبع من أن أوكرانيا ( تعد بمثابة الجدار الفاصل بين روسيا وأوروبا الشرقية، يَعبر من أراضيها إلى أوروبا 80% من الغاز الطبيعي الروسي الذي يشكل ربع الاستهلاك الأوروبي، ولذلك فهي تحوز على أهمية بالغة بالنسبة لأوروبا. وبعد أن أصبحت بولندا عضواً في الاتحاد الأوروبي 2004 ثم انضمت رومانيا وبلغاريا للاتحاد 2007م، أصبحت أوكرانيا جارة لدول الاتحاد الأوروبي، وذات أهمية كبرى بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فهي من جانب تعتبر جسراً بين أوروبا وروسيا، ومن الجانب الآخر تعتبر منطقة عازلة فيما بينهما , – كذلك فإن أوكرانيا بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية تمتاز بأهمية حيوية وجيوسياسية وجيواستراتيجية خاصة تبدأ – بمحاصرة منطقة النفوذ الروسي. وكذلك فإن موانئ أوكرانيا مهمة للحلف الأطلسي وبوارجه عند دخولها البحر الأسود. كما أن النفوذ الأمريكي في أوكرانيا يعني نزيفًا مستمرًّا لخاصرة روسيا ووسيلة ضغط عليها لعدم عرقلة مشاريع أمريكا في المنطقة وبخاصة الشرق الأوسط ) ومنطقة اوراسيا ذات الأهمية التاريخية والجيوسياسية على رقعة الشطرنج الدولية.
ويعترف بريجنسكي أن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، قد تأخر في إدراك الأهمية الجيوبوليتيكة لأوكرانيا كدولة منفصلة، وبقي ذلك حتى منتصف التسعينيات حيث أصبحت أميركا وألمانيا من الداعمين الأقوياء لهوية كييف المنفصلة. فبدون أوكرانيا، لا يمكن لروسيا إعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية او أمجاد الاتحاد السوفيتي كما أن الطوق الاوراسي لن يكن خيارًا قابلا للحياة , يقول بريجنسكي ( إن الوقت ليس مبكرًا جدًا للغرب الذي يحسن ويعزز ارتباطاته الاقتصادية والأمنية بكييف ليبدأ بتحديد العقد-أي-الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتاليا إلى حلف شمال الأطلسي بين العامين 2005 و ٢٠١٥ على أنه الإطار الزمني المعقول لبدء الضم التدريجي لأوكرانيا، مما يقلل المخاطرة المتمثلة بأن الأوكرانيين يمكن أن يخشوا من أن توسع أوروبا سوف يتوقف عند الحدود البولونية الأوكرانية.
وتطرقت في دراسة لي تحت عنوان قراءة في استراتيجية الأمن القومى الروسي (2011 – 2020) إلى تحليل استراتيجية الأمن القومي الروسي للفترة من 2011 – 2020 م وهي وثيقة اعتمدها رسميا وصادق على محتوياتها وبنودها وتوجهاتها الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف بمرسوم صدر بتاريخ 12 / 5 / 2009م , وهي تقريبا نسخة شبه معدلة ومنقحة عن السياسة القومية الروسية للعام 1997م , كما يمكن الرجوع في هذا السياق إلى دارسة لنا تحت عنوان : رؤية إلى العقيدة العسكرية الروسية ( 2011 ـ 2015) والمنشورة في العام 2010م .
وأشارت تلك الدراسات إلى ما مفاده : أن روسيا الاتحادية لا تخفي في هذه الوثيقة – استراتيجية الأمن القومي – قلقها المتزايد والمستمر من الهيمنة الأميركية ومساعيها الدائمة لاستفزازها في مناطق نفوذها ومصالحها الاستراتيجية العالمية ,وكذلك دور الشركات النفطية الأميركية والأوربية العابرة للقارات في تلك البقعة من العالم , والتي لا تمثل أكثر من أسلوب للهيمنة والسيطرة الجيوسياسية لتلك الدول التابعة لها , وانعكاس كل ذلك على منطقة اوراسيا ما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم النزاعات الإقليمية الموجودة أصلا, والإخلال بتوازن القوى القائم بالقرب من حدود روسيا الاتحادية وحلفائها, وبالتالي احتمال نشوء نزاعات سياسية وعسكرية جديدة.
وتؤكد هذا التوجه العقيدة العسكرية الروسية 2011-2015م سالفة الذكر والتي تشير إلى : تبني مختلف الأفكار التي كانت حاضرة في الاستراتيجية العسكرية الروسية الثانية ( 2005 ـ 2009 ) , إلا أن الاستراتيجية الجديدة قد تبنت بعض الخيارات الاستراتيجية العسكرية الاستثنائية كخيار إقدام روسيا على توجيه ضربات نووية استباقية , وإمكانية استخدام القوات العسكرية الروسية خارج الدولة , وتوسيع المناطق الحدودية لروسيا من مسافة خمسة كيلومترات إلى خمس عشرة كيلومتر وخاصة في الجهات الغربية لروسيا، وبهذا تعود المنطقة الحدودية الروسية إلى ما كانت عليه في زمن الاتحاد السوفييتي ، وقد أحدث هذا القرار ردود فعل قوية لدى واشنطن ولدى دول أوروبا الشرقية المجاورة لروسيا , ويدور النقاش أيضا حول البند الذي يجيز استخدام الأسلحة النووية في النزاعات المحلية في حالة وجود تهديد بالغ الخطورة على الأمن القومي الروسي.
* سنتناول في ما تبقى من هذا الطرح –أي- الجزء الثاني منه النقاط التالية: ما تبقى من أهمية أوكرانيا الجيوسياسية على رقعة الشطرنج الاوراسية بوجه عام , وفي العقيدة الروسية والنظرة الجيوسياسية الأميركية خصوصا , ومن ثم سنتناول عقبات ما بعد اتفاق مينسك وأخيرا رؤية استشرافية لمستقبل الصراع في أوكرانيا.

إلى الأعلى