الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. الانتهاك التركي للسيادة السورية .. ماذا يعني؟

شراع .. الانتهاك التركي للسيادة السورية .. ماذا يعني؟

خميس التوبي

إعلان الحكومة التركية عن توغل عسكري واسع داخل الأراضي السورية وتحديدًا شمال سوريا ولمسافة أكثر من ثلاثين كيلومترًا، يعني تحولًا جديدًا وخطيرًا في الدور التركي في المؤامرة الكونية التي تستهدف سوريا، والانتقال من عمليات الدعم اللوجستي بالسلاح والمعلومات الاستخبارية وتمرير عناصر الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، إلى التدخل العسكري المباشر وانتهاك سيادة الأراضي السورية.
وحسب داود أوغلو رئيس الوزراء التركي في لقاء مع صحفيين في مقر قيادة الجيش التركي أكد أن “العملية أطلقت (ليلة الأحد الماضي) بمرور 572 جنديًّا يرافقهم نحو أربعين دبابة وعشرات الآليات المدرعة الأخرى”. ولا ريب أن هذا الانتهاك التركي للسيادة السورية جاء في إطار حدثين مهمين:
الأول: الإنجازات الميدانية للجيش العربي السوري في ريف مدينة حلب بشمال سوريا وتمكنه من إلحاق خسائر هائلة بالعصابات الإرهابية التي تبادلت اتهامات الخيانة فيما بينها إثر الانهيار الحاصل في صفوفها لعدم قدرتها على الصمود أمام ضربات الجيش العربي السوري، ما دفعها إلى إطلاق نداءات الاستغاثة إلى بقية العصابات الأخرى للتدخل لمعاونتها في إفشال هجوم الجيش العربي السوري الذي نجح في تطهير قرية باشكوي من الإرهاب وعصاباته والسيطرة على القرية، وكذلك السيطرة على قرية حردتنين التي انسحب منها تاليًا بعد أن حشدت العصابات الإرهابية بدعم تركي تمثل في إدخال مئات الإرهابيين مزودين بالسلاح والعتاد يرافقهم جنود وضباط من إحدى الدول المجاورة لسوريا ـ كما جاء في معلومات لقناة الميادين الفضائية التي لم تشأ الإعلان عن اسم الدولة ـ حيث كانت خطة الجيش العربي السوري تقضي بقطع طرق إمداد العصابات الإرهابية في حلب مع تركيا. غير أن الدعم التركي المباشر أيضًا حال دون سقوط قرية ريتان بيد الجيش العربي السوري بسبب الكثافة العددية للعصابات الإرهابية مقابل الأعداد القليلة للجيش السوري التي حاولت تخليص ريتان من دنس هذه العصابات. كما يأتي الإعلان التركي عن هذا الانتهاك الخطير المباشر للسيادة السورية بُعيْدَ توقيع كل من أنقرة وواشنطن اتفاقًا يقضي بتدريب عناصر إرهابية يسميها معسكر التآمر والعدوان على سوريا بـ”المعارضة المعتدلة”.
الثاني: الإنجازات الميدانية للجيش العربي السوري وبدعم من محور المقاومة في جنوب سوريا، وتمكن الجيش من تطهير قرى بريف درعا والقنيطرة، ما شكل ضربة استباقية لخطط كيان الاحتلال الصهيوني بإقامة حزام أمني عماده العصابات الإرهابية الموجودة في الجولان السوري المحتل كـ”جبهة النصرة، والجيش الحر، وداعش” وغيرها التي قام كيان الاحتلال الصهيوني بطرد قوات الفصل التابعة للأمم المتحدة “الأندوف” وتسليم معبر القنيطرة لتلك العصابات المتحالفة معه.
هذا التزامن في الإنجازات للجيش العربي في الشمال والجنوب أعطى انطباعًا لدى الأعداء أن كل مؤامرتهم لتدمير سوريا وإلحاقها بالعراق وليبيا باتت تحت مقصلة الجيش العربي السوري الذي ـ بلا شك ـ أثار انتباه الأعداء بأنه يزداد قوة وبسالة، وبأن المؤامرة أعطته إمكانات عسكرية هائلة مكنته من المزاوجة بين حرب الجيوش النظامية وحرب العصابات، ما استوجب التدخل المباشر الخارجي وتحديدًا التركي وذلك لاعتبارين:
الأول: إن سقوط ريف حلب بيد الجيش العربي السوري وفك الحصار عن قريتي النبل والزهراء المحاصرتين لأكثر من ثلاث سنوات، والتقاء قوات الجيش مع قوات الدفاع الوطني والحشد الشعبي في القريتين، سيعني عزل العصابات المسلحة عن تركيا وذلك بقطع كل طرق الإمداد وعبور العناصر الإرهابية التي ستكون تحت مرمى الجيش العربي السوري؛ وهو ما سيمثل نجاحًا لمبادرة ستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي إلى سوريا، فتسير مبادرته وفق ما تشتهيه الحكومة السورية، وبالتالي فشل كل المشاريع التركية التي تستهدف مدينة حلب والمنطلقة من الأحلام العثمانية القديمة المعششة في أذهان القيادات التركية بقضم حلب عن الوطن السوري الأم وضمها للدولة العثمانية التي يسعى القادة الأتراك إلى إحيائها.
الثاني: عدم قدرة كيان الاحتلال الصهيوني الذي تربطه علاقات تحالف استراتيجي مع تركيا على التدخل في مؤازرة عسكرية مباشرة للعصابات الإرهابية المتحالفة معه كما كان يفعل في السابق، بعد أن ألغى حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله قواعد الاشتباك مع كيان الاحتلال الصهيوني، وبالتالي أسندت المهمة إلى تركيا للتدخل نيابة عن الكيان الصهيوني، بدعم العصابات الإرهابية مباشرة في جنوب سوريا وشمالها، اعتقادًا أن أحدًا من محور المقاومة أو المحور لن يجرؤ على الرد.
إن تلك المعطيات تؤكد أن الجنود والضباط الذين دخلوا لدعم عناصر التنظيمات الإرهابية في القرى الساقطة والمهددة بالسقوط في ريف حلب هم من الجيش التركي. ولذلك فالحجة التي ساقها داود أوجلو بتدهور الوضع حول الجيب الذي يضم ضريح سليمان شاه والد مؤسس الإمبراطورية العثمانية عثمان الأول هي حجة واهية ومثيرة للسخرية، ومردود عليها، فـ”ـداعش” الذي تترعرع في كنف التركي الذي تكفل ببيع النفط العراقي والسوري المسروق لصالح التنظيم الإرهابي، و”داعش” الذي أطلق سراح أربعين دبلوماسيا احتجزهم في الموصل حين بزغ نجمه في سماء الإرهاب، و”داعش” الذي لم يقطع رأسًا أو يحرق أحدًا من الأتراك، لن يقدم على تدمير الضريح وهو الأداة بيد الصهيو ـ أميركي بالرعاية التركية إلا بالقدر الذي يستوجب توفير الذريعة، ناهيك عن العصابات الإرهابية الأخرى التي نمت في كنف التركي والصهيوني.
من الواضح أن تركيا تلعب لعبة كبرى ليس ضد سوريا فحسب، وإنما ضد دول المنطقة بأسرها بما فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بجرها إلى أتون حروب مدمرة ربما تتجاوز حدود المنطقة، وذلك حين اختارت أن تكون الوكيل الحصري وبمعاونة من بعض المحسوبين على العروبة لحروب الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الصهوني، وذلك بمحاولة جرها حلف شمال الأطلسي عبر التورط العسكري التركي المباشر في سوريا، الأمر الذي لن يقف أمامه حلفاء سوريا مكتوفي الأيدي، ولعل الرسالة التي وجهها الرئيس الروسي إلى عدد من الدول التي لم يسمها ومفادها بأنه “ليس باستطاعة أي دولة تحقيق تفوُّق عسكري على روسيا، داعيًا إلى عدم التوهم بذلك، أو ممارسة الضغط على روسيا، مهددًا بالرد الكافي على أي مغامرات”، هي رسالة واضحة للهواة والمغامرين وتجار الحروب وناشري الخراب والفوضى.

إلى الأعلى