الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من يورط مصر؟

من يورط مصر؟

”منذ بداية التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي شكلته الولايات المتحدة إثر تمدد تنظيم الدولة في العراق، كانت مصر مترددة في المشاركة الفعالة في العمليات العسكرية التي تستهدف داعش في العراق وسوريا. وكانت وجهة النظر المصرية، وما زالت، أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون انتقائية وأن ما تواجهه في سيناء لا يختلف عما يجري في أجزاء من سوريا والعراق.”
ـــــــــــــــــــــ
الإجابة السريعة والتي لا تحتاج إلى عبقرية تحليل ولغو حديث منمق، على طريقة الأكاديميين وخبراء الزمن الرديء ومحللين يبحثون عن دور على طريقة “المستشار الذي يفتي بما لا يستطيع عله يلتفت إليه بعد”، هم الإخوان ومن يدعمهم ومن يراهم حماة أفضل لمصالحهم. لكن بالطبع هناك في التفاصيل الكثير مما يتطلب الإيضاح والتعليق، خاصة مع كل هذا الكم من الآراء والاستنتاجات التي يروجها البعض حتى دون وعي أنهم إنما يخدمون أهدافا لا تخصهم ولا تتقاطع مع مصالحهم. على سبيل المثال، هؤلاء الذين يشكلون ما يمكن تسميته “ظاهرة تويترية” تلتقط رأيا من هنا أو رأيا من هناك وتصيغ قناعة خاطئة تروج لها. بالطبع هناك منافذ إعلامية كبيرة، إما إخوانية أو داعمة لهم (أو حتى لداعش وأمثالها بشكل غير مباشر وفج) تعتمد طريقة إعادة تدوير إشاعات وتضخيمها وتغليفها باستنتاجات لتصبح خبرا ذا دلالة على طريقة “التضليل الإعلامي” Disinformation لتحقيق أغراض سياسية محددة.
بعيدا عن كل هذا، نشير بداية إلى أنه بالتأكيد ليس من مصلحة مصر الحرب على أكثر من جبهة (تفجيرات وهجمات الإخوان في الداخل وإرهاب ذراعهم العسكري في سيناء ومواجهة الإرهاب في ليبيا). لكن أيضا لا يمكن القول بأن مصر “تورط نفسها” بالتصدي للإرهاب الذي يستهدفها على حدودها الغربية. فالحقيقة أن المسألة أكبر من داعش في ليبيا وحتى من تهريب سلاح أو تسلل إرهابيين. المسألة ببساطة أن نموذج أبشع من الدمار الأفغاني يجري تصنيعه في ليبيا برعاية أنغلو ـ ساكسونية ودعم قوى إقليمية. ولا يمكن هنا توقع أن تظل مصر مكتوفة الأيدي أمام محاولات فرض حكم إخواني غربها يضاف إلى حكم إخواني (أو قريب منه) جنوبها في الخرطوم. وليس الأمر هنا بترف البحث عن دور إقليمي بقدر ما هو مواجهة لتهديد وجودي يتجاوز الأمن إلى مصير البلاد بالكامل. فمن يريد لمصر أن تكون قاعدة إخوانية لتدمير ما تبقى من المنطقة (وفي البداية وبسرعة تدمير سوريا، ثم بعد ذلك الخليج) هو من يقول بأن مصر مخطئة في التصدي لتطورات الأوضاع في ليبيا.
الواضح أن نموذج داعش كمبرر لحكم إخواني في الهلال الخصيب لا يسير بالشكل المأمول غربيا (وتركيا كذلك)، لكن ليبيا ساحة مناسبة جدا لذلك. فلا توجد مؤسسات دولة أصلا، وفي غربها تونس التي لم يخرج الإخوان تماما من مشهد السلطة فيها ويمكن اقناع الجزائر أيضا بأن “احتواء الإخوان والمتشددين” في ليبيا يضمن ألا ينساب الإرهاب إليها. تبقى مصر في القلب من كل هذا، محاطة من كل الجهات بصراعات مفتوحة ظاهرها الإرهاب وباطنها محاولات دموية لفرض الإخوان، فلا يتوقعن أحد أن تغض الطرف و”تركز على مشاكلها الداخلية”. إنما يورط مصر بالفعل هذا الثنائي الغربي/الإقليمي الساعي لفرض وكيله الجديد المتمثل في حكم “الإسلام السياسي” كبديل لأشكال الحكم التقليدية. وتتخذ محاولات التوريط الآن أشكالا دموية وتدميرية لا يمكن غض الطرف عنها و”الانصراف لهمومنا الداخلية”، وكأن تلك الهموم ليست بالضرورة نتيجة لما يجري حولك ويستهدفك. ولعل الترويج لأن القيادة المصرية الحالية هي التي تورط بلدها في حرب مع داعش والإرهاب هو جزء من حملة التضليل التي تستهدف من ناحية التغطية على دور القوى الغربية والإقليمية التي تدعم الإخوان وفي الوقت نفسه تأليب الجماهير المصرية على قيادتها لتسهيل فرض الإخوان مجددا في مصر.
منذ بداية التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي شكلته الولايات المتحدة إثر تمدد تنظيم الدولة في العراق، كانت مصر مترددة في المشاركة الفعالة في العمليات العسكرية التي تستهدف داعش في العراق وسوريا. وكانت وجهة النظر المصرية، وما زالت، أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون انتقائية وأن ما تواجهه في سيناء لا يختلف عما يجري في أجزاء من سوريا والعراق. ربما يرى الغرب بعض الحرج في أن يقف مكتوف الأيدي عن الإرهاب في العراق باعتباره المسؤول الأول والأخير عن تدمير هذا البلد وتهيئة البيئة الخصبة لتمدد الإرهاب فيه. ينطبق الأمر ايضا، بقدر أو بآخر، على سوريا. لكن الجميع يتناسى أن تدخل حلف الناتو عسكريا في ليبيا هو الذي دمر البلاد وأنبت الإرهاب فيها، ثم كانت المساعدات العسكرية والفنية الغربية والإقليمية للجماعات الإرهابية السند الأكبر لها حتى اغتالت السفير الأميركي في بنغازي في 2012 وكادت تغتال السفير البريطاني ولم تفعل واشنطن أو لندن شيئا “لأن هؤلاء أزلامهما ويحملون أسلحة البلدين المتطورة”.
من يورط مصر في الأساس هو من يريد لها أن تنشغل عن البناء والتنمية بمكافحة الإرهاب، ويذكي شعلة هذا الإرهاب ضمن استراتيجية “ضرورة الحاجة للإسلام السياسي المعتدل لمواجهة الإسلام المتطرف” أي فرض الإخوان على الشعوب التي ترفض أن يحكموها. إن من يرى النموذج الأفغاني (دولة مدمرة ممزقة يطغى فيها المتشددون والفاسدون) هو المثال الذي يجب أن يحتذى هو من يورط مصر، بل والمنطقة العربية كلها، عبر “أفغنة” دولها. ولعل هناك من بين العرب من لا يزال يدرك الغرض الغربي/التركي من كل الدمار والتشويه والدم في المنطقة.

د.أحمد مصطفى* كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى