الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “الحوار” .. مَنْطِقًا وأسلوبًا!

“الحوار” .. مَنْطِقًا وأسلوبًا!

جواد البشيتي

”ولا شك في أنَّ الحوار المستوفي لشروطه يَلِدُ فكرًا جديدًا، يشبه “المركَّب الكيميائي”، الذي لا ينتمي إليَّ ولا إلى خصمي إلاَّ في عناصره، فالعناصر بعضها مني وبعضها منه؛ أمَّا المركَّب ذاته فليس مني وليس منه؛ وإنَّما من تفاعل تلك العناصر، وكأنَّ “الحقيقة” تشترط لظهورها، من طريق الحوار، أنْ يتخطَّى كلانا ذاته.”

سقراط توهَّم، وأوهم الناس، أنَّ “الحقيقة” تكمن في “النفس”، تَقَع في داخل الإنسان، وليس في خارجه (في العالَم الخارجي) أو في الواقع الموضوعي، فما الذي حَمَلَه على أن يَنْظُر إلى الوهم هذا على أنه الحقيقة بعينها؟ الجواب هو “الحوار مع نتائجه”. الحوار أو الجدل السقراطي كان يقوم على سائلٍ ذكيٍّ يسأل هو سقراط، وعلى مجيب من تلامذته، أو من العامة من الناس، فـ”السؤال السقراطي”، الذي يمكن أنْ يقود إلى إجابة تنطوي على شيء من الحقيقة، كان هو “الآلة” التي بها يَسْتَخْرج سقراط الحقيقة من بواطن النفس، أو يُظْهِرها بعد كمون.
وفي نهاية الحوار، الذي يبدأ بـ”سؤال سقراطي” ذكي، ويستمر باشتقاق سقراط لأسئلة من إجابات المجيب، يَنْطق المجيب بـ”الحقيقة”، فيتولَّد لديه الشعور بأن “الحقيقة” كانت في داخله، فنجح سقراط في إخراجها، أو استخراجها، مقيما الدليل، من ثمَّ، على أن الجدل هو الطريق إلى الحقيقة.
أنا لا أعتقد بذلك، وإنْ كنتُ أرى فيه ما يُظْهر ويؤكِّد أهمية الحوار المٌوصِل إلى الحقيقة، التي لا منبع لها، ولا مصب، سوى الواقع الموضوعي، وفي الواقع الموضوعي، ولو جرت، بعد نبعها وقبل مصبها، في عقل الإنسان، أي في تلك المرآة التي فيها نرى “الأصول الواقعية” في “صورها الذهنية”، أكانت دقيقة أم مشوَّهة.
وبعدما أبْرزتُ أهمية أن نؤسِّس للحوار المثمر بنية تحتية من الأسئلة السقراطية الذكية، أقول بضرورة وأهمية أن يتحلى مثقَّفونا بـ”الجهل السقراطي الرفيع”، فهذا العلاَّمة في زمانه ومكانه، والذي كان يعرف كل شيء تقريبًا، ختم حياته المعرفية بقوله “كل ما أعرفه هو أني لا أعرف شيئا”، فهذا “الجهل الرفيع” لا يبلغه إلا كل من عَمُقَت معارفه واتَّسعت فلم يبقَ في رأسه منها سوى أسئلة وتساؤلات يحار في إجاباتها ذوو الألباب، فوجه الشبه بين الطفل وآينشتاين هو أن كليهما لا يملك في رأسه من المعرفة سوى “السؤال”.. فَنِعْم عقل يُثْقِله السؤال، ويُزلزل فيه الحقائق النهائية، ويُمعِن هدما في أوثانه، وبئس عقل يرفل في نعمة الأجوبة النهائية السرمدية التي لا شكَّ فيها، ولا سؤال في مقدوره أنْ يتحداها أنْ تُثْبِت قوتها وحيويتها.
الحوار، أو النقاش، هو أُمُّ الحقيقة؛ لكنَّ القول بهذا لا يعدل دائمًا الحقيقة، فلا بد للحوار، أو النقاش، من أنْ يستوفي شروط جعله أُمَّا للحقيقة، أو طريقا إليها. في الفكر لا مكان لـ”التفاوض الفكري”، فما يجوز في عالَم السياسة لا يجوز في عالَم الفكر.
في عالَم السياسة يمكنكَ وينبغي لك أن تفاوِض خصمكَ، فتتنازل له، ويتنازل لكَ، فتتوصَّلان إلى “اتِّفاق”، لا يرضيكَ، ولا يرضيه، تمامًا. كلاكما يطلب شيئا ويصرُّ عليه، وهو يعلم أنَّ خصمه الذي يفاوضه، بعد صراع بالحديد والنار، لن يقبله أبدًا، أو يتعذَّر عليه قبوله. ثمَّ يتحوَّل هذا التشدُّد التفاوضي الذي لا بد منه إلى مرونة تفاوضية، فيشرع كلاكما يتنازل للآخر، توصُّلا إلى “اتفاق”، يقول كلاكما بعده “ليس في الإمكان أفضل مما كان”.
هذا الجائز في “السياسة” غير جائز، ومحظور، في “الفكر”، الذي بعضه لا يعيش، ولا يتطوَّر، إلا في الصراع، وبالصراع، وبعضه يحتاج دائمًا إلى “الحوار” سبيلًا إلى تطوُّره وازدهاره. الفكر الذي يطلب مزيدًا من الصراع هو الذي يضرب جذوره عميقًا في مصالح لا يمكن أنْ تتصالح أبدًا.
هنا نرى الخصم الفكري يصرُّ على أنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض، وعلى أنَّ الأرض ليست هي التي تدور حول الشمس. وهنا لا يصح في الإفهام شيء؛ لأنَّ خصمكَ الفكري يريد مزيدًا من الأدلة على وجود النهار. هنا تُعرَّف “الحقيقة” على أنها كل فكر يوافِق مصلحتي، ولو ناقَض الواقع الموضوعي. هنا لن يكون هدفكَ إقناع خصمكَ بما أنتَ به مقتَنِع، فمصلحته قد تُزيِّن له السعي في إلغاء بديهية هندسية. هنا لا مكان للحوار؛ وإنَّما للصراع. هنا لا مكان لـ”التفاوض الفكري” المفضي إلى “اتِّفاق فكري”. هنا يمكننا وينبغي لنا تمييز “الحوار الفكري” من “الصراع الفكري”، فكل حوار صراع؛ ولكن ليس كل صراع حوار. هنا لا يُفْهَم الصراع الفكري، ويجب ألا يُفْهَم، على أنه من “الحوار” الذي يمكن ويجب أن يكون أُمَّا للحقيقة، أو طريقا إليها.
“الحوار” هو في أصله، ومبتدأه، الخلاف أو الاختلاف الفكري مع “الآخر” الذي بيني وبينه من وحدة المصالح والأهداف ما ينبغي له أن يشجعني، ويشجعه، على تحويل مزيد من الخلاف الفكري إلى اتفاق فكري؛ ولكن ليس من خلال مخالفة الحقيقة الموضوعية، فحبِّي لأفلاطون يجب ألاَّ ينال من قوة حبِّي للحقيقة!
في “الحوار”، الذي لا يعدل ضرورته لنا سوى افتقارنا إلى مقوِّماته وأساليبه وفنونه، ينبغي لنا أنْ ننأى به عن شيئين فاسدين: “المجاملة الفكرية”، و”حساسية الكرامة الشخصية”.
هناك من المثقفين، الذين ليس للفكر في عقولهم وقلوبهم من جذور، من يميل دائمًا إلى أن يتخذ الحوار سبيلًا إلى إظهار مزيد، ومزيد، من روح المجاملة الفكرية، وكأنَّه يمقت كل خلاف أو اختلاف في الفكر مع غيره. إنَّه يرغب دائمًا في أن يحاوركَ ليؤكِّد لكَ أنْ لا خلاف بينكما في وجهات النظر، وكأنَّ النعامة هي مثله الأعلى في مواجهة كل خلاف فكري. هذا الصنف من المثقفين لا يضر ولا ينفع، وليس في رأسه من الفكر إلا ما يشبه في خواصه الماء الصالح للشرب، فلا تُضيِّع وقتكَ وجهدكَ في إسماعه والإصغاء إليه، فأنتَ لا تحدِّثه إلا ليقول لكَ “صدقت”، وهو لا يحدِّثكَ إلا لتقول له “صدقت”!
وهناك من المثقفين من ينظر إلى كل تَعدٍّ على وجهة نظره على أنه تَعدٍّ على كرامته الشخصية، فليس من برزخ عنده بين رأيه وكرامته الشخصية، فإذا أنتَ تجرأتَ على التطاول على ما في رأسه الصغير الحامي من أفكار، اسْتُفِزَّت مشاعره، وجُرِحت كرامته الشخصية وتوجَّع لها، فخرج عن طوره، محوِّلا الحوار إلى سبٍّ وشتم؛ وقد يحوِّله إلى عراك واشتباك، وكأن “الحرب امتداد للحوار”!
هذا الصنف من المثقفين لا يمكنكَ إلا أن تشفق عليه، فهو يتوهَّم أنَّ الأفكار التي في رأسه، والتي يعجز حتى عن فهمها، مُنْتَج ذاتي، لم يأخذها من غيره بالأذن والعين، جاهلًا أو متجاهلًا، ناسيًا أو متناسيًا، أنَّه ليس سوى مُسْتَهِلكٍ لفكر أنتجه غيره، ولا يجيد حتى استهلاكه. الحوار مع هذا الصنف من المثقفين يضر ولا ينفع، وينتهي سريعًا إلى وقوف حمار الشيخ في العقبة، فيَنْطُق العناد “عَنْزَة ولو طارت”!
إنني مع كل حوار تجتمع فيه “برودة العقل” و”حرارة القلب”، و”حب الحقيقة”، والتزام الموضوعية في النظر والتفكير سبيلًا إلى الحقيقة، والحرص على إظهار وإبراز كل أوجه الخلاف والاختلاف الفكري قبل، ومن أجل، التوصُّل إلى مزيد من التوافق الفكري الذي تقرِّه الحقيقة الموضوعية.
ولا شك في أنَّ الحوار المستوفي لشروطه يَلِدُ فكرًا جديدًا، يشبه “المركَّب الكيميائي”، الذي لا ينتمي إليَّ ولا إلى خصمي إلاَّ في عناصره، فالعناصر بعضها مني وبعضها منه؛ أمَّا المركَّب ذاته فليس مني وليس منه؛ وإنَّما من تفاعل تلك العناصر، وكأنَّ “الحقيقة” تشترط لظهورها، من طريق الحوار، أنْ يتخطَّى كلانا ذاته.
والمحاوِر يحق له أن يعبِّر عن رأيه في الطريقة التي يشاء، فلا فرق بين الأسلوب وصاحبه. بعضنا يفضِّل “الفكرة الباردة” و”العبارة الساخنة”، وبعضنا يفضِّل “الفكرة الساخنة” و”العبارة الباردة”.

إلى الأعلى