الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / كيف نتعامل مع القرآن (2 ـ 2)

كيف نتعامل مع القرآن (2 ـ 2)

أحمد محمد خشبة:
.. وجاء وفد اليمن الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسمعوا قرآنا فبكوا كلهم، فنظر اليهم الصديق رضي الله عنه وقال: كنا كذلك قبل ان تقسو القلوب! الصديق رضي الله عنه يتحدث عن قسوة القلوب! فماذا نحن قائلون؟ وماذا نحن فاعلون؟!
وهذا عبّاد بن بشر رضي الله عنه يقف على حراسة المسلمين ذات ليلة ومعه عمار بن ياسر؛ فقام عبّاد يصلي، فبينما هو كذلك أتى أحد الكفار فضربه بسهم في كتفه فلم يخرج من صلاته، بل نزع السهم واستغرق في صلاته وتلذذه بالقرآن المجيد، فرماه الكافر بسهم آخر فنزعه وعاد الى صلاته وقراءته! فرماه بثالث فلم يستطع ان يتحمل شدة الجروح وكثرة الدماء فركع وسجد ثم أيقظ عماراً ـ رضي الله عنه ـ فسأله عمار: لما لم توقظن من أول سهم !فقال: كنت في سورة من القرآن، لخروج روحي أحب اليّ من أن أدعها!.
فهل شعر أحد منكم بلذة القرآن وحلاوته؟ هل دخل أحدكم مرة في صلاة القيام وكان ينوي أن يصلي بصفحة فإذا به لا يستطيع مقاومة حلاوة القرآن فقرأ أكثر من ذلك واستمتع بالقرآن ومناجاة الرحمن؟!.
وهذا التابعي الجليل الأحنف بن قيس رحمه الله كان يقرأ قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون) أي: فيه أخباركم وصفاتكم وافعالكم، يقول: فأفتح القرآن وأنظر واقول: أرى بماذا يذكرني ربي اليوم.. فيقرأ ويقرأ حتى يمر بقوله تعالى:(إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار(، فيقول: لست من هؤلاء، لست من هؤلاء.. وعندما يقرأ قوله تعالى:(إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) فيندم ويقول: لست من هؤلاء!.
ويقرأ قوله تعالى:(وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم)، فيقول: أنا من هؤلاء، أنا من هؤلاء!.
فانظر الى تفاعل هذا التابعي الجليل مع القرآن العظيم، وهكذا يجب أن أدب المسلم مع القرآن دائماً، وقد قيل إذا سمعت قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا .. ) فأنصت يعني: استمع بعناية، فإنه إما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه.
والناس يتفاوتون في التجاوب مع القرآن، ونرى هذا واضحا في شهر رمضان، لا سيما في صلاة التهجد، فبعضهم يتأثر ولا يبكي وبعضهم لا يتأثر ولا يبكي، والعجب أنك قد ترى رجلا غير عربي باكستانيا أو بنغاليا مثلا، ومع ذلك يبكي عند سماع القرآن، وسبحان الله.. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والقلب إذا قسا لا يتأثر بالقرآن. يقول تعالى عن اليهود في سورة البقرة: (ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة(.
ويتحدث النبي (صلى الله عليه وسلم (وكأنه يصف احوال قلوبنا التي قلما تتأثر الآن بالقرآن فيقول: سبيلي القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيقرؤونه لا يجدون له لذة، وان قصروا قالوا: سنبلغ أي:) سنصل الى ما نريد(، وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا.
الرابع ـ تدبر القرآن:
سبق أن ذكرنا واجبين من واجبات المسلم نحو القرآن وهما القراءة والتعلم.. والواجب الثالث هو القراءة بتدبر.. ومن فضل الله علينا أن القرآن نزل بلسان عربي مبين سهل واضح.. واسمع مثلا الى قوله تعالى:(وعندَه مَفاتحُ الغيبِ لا يَعلمها الا هُو، ويعلمُ ما في البِّر والبحر، وما تسقطُ من ورقةٍ إلاّ يَعلمها ..) آية بيّنة واضحة تتحدث عن علم الله المحيط، ومن قرأها لا بد أن يحس بعظمة الله تعالى وقدرته.. وإن لم يحس بهذا فليعلم أن لم يتدبر الآية وأنه قرأها بقلب غافلٍ ساهٍ.
ومن لا يتدبر القرآن لا شك أن على قلبه قفلا .. قال تعالى:(أفلا يتدبرون القرآن أم على قولب أقفالها( ، ويقول تعالى:(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله(.
وبعض الوسائل المعينة على تدبر القرآن، قراءة بعض تفاسير القرآن لمعرفة ما قد يغمض منه من كلمات أو يدق من معان، ويفضل أن نبدأ بتفسير ابن كثير فهو تفسير بسيط، فإن أردت أن تستزيد فاقرأ في ظلال القرآن.
الخامس ـ مراجعة ما نحفظ من القرآن:
فلا يصح لمسلم أن يحفظ كلام الله ثم ينساه، ومما يعين على الحفظ كثرة المراجعة والصلاة بما تحفظ خاصة في قيام الليل.
يقول النبي (صلى الله عليه وسلم (:(عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أجد ذنبا أعظم من سورة أو آية أوتيها رجل ثم نسيها (وهذا تحذير من النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبيان لصعوبة موقف المسلم الذي لا يعتني بالقرآن العناية الواجبة، فينساه بعد أن يحفظه.
ويقول) صلى الله عليه وسلم):(نعاهدوا هذا القرآن) أي: احرصوا على قراءته ومراجعته فو الذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها..
ويفضل لمن لا يحفظ شيئا من القرآن أو من يودّ الحفظ بشكل منتطم أن يبدأ من سورة الناس.. وحبذا لو حرصت على قراءة تفسير ما تقرأ أو تحفظ، لأن معرفة التفسير من الوسائل المعينة على تثبيت الحفظ وسرعة التذكر.. وأكرر نصيحتي لك بأن تحرص على أن تقوم الليل بما تحفظ من القرآن.
السادس ـ العمل بالقرآن:
من واجبات المسلم نحو القرآن العمل به، أي بأوامره ونواهيه، يقول) صلى الله عليه وسلم) :(والقرآن حجة لك أو عليك (.. ويكون حجة عليك عندما تقرؤه فلا يتجاوز آذانك ولا ينعكس على سلوكياتك وتصرّفاتك..
ولا تنس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان خلقه القرآن.. أي كان يحرص على تطبيق ما في القرآن.
وقد ورد أن سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ حفظ سورة البقرة في ثماني سنوات، لأنه كان يحرص على العلم والعمل معا.
ويقول عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه: (كنا نتعلم العشر آيات من القرآن فلا ندعها حتى نعمل بها، أو فلا نجاوزها إلى غيرها حتى نعمل بها، فتعلمنا العلم والعمل جميعا).
ولأن الصحابة كانوا يفقهون آيات القرآن ويعيشون معها كانوا يسارعون الى طاعة أوامر الله عزوجل واجتناب نواهيه.. ولهذا لما نزلت آيات النهي عن شرب الخمر سكب المسلمون ما عندهم من أواني الخمر حتى امتلأت بها سكك المدينة، أي شوارعها وطرقاتها وقالوا: انتهينا يا ربنا. وكذلك آيات الحجاب.. لما نزلت سارعت نساء الأنصار إلى أثوابهن وجعلن منها حجابا كما أمر الله تعالى .. وكذلك عندما نزلت آيات الزكاة والصدقة .. ومثال ذلك لما نزل قوله تعالى في سورة آل عمران :(لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون(، قام سيدنا أبوالدحداح ـ رضي الله عنه ـ إلى أجمل حديقة عنده وأحبّها إليه وتصدق بها.. والفرق بيننا وبين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يتلقون القرآن للعمل والتنفيذ، أما نحن فللأسف نتلقاه للاستماع والإعجاب فقط، وقلما يلتزم أحد الآن بواجباته كلها نحو القرآن العظيم.
ويا لسوء عاقبة من ينطبق عليه قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (وقال الرسول يا ربّ إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا( .. فهل تحب أو تتحمل أن يشكوك الرسول (صلى الله عليه وسلم) الى ربك وخالقك ورازقك تعالى؟! انه لموقف عصيب شديد.
نسأل الله أن يوفقنا لمراضيه، وأن يجنبنا مناهيه، وأن يجعل مستقبل حالنا خيراً من ماضيه.

إلى الأعلى