الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / العلاقة بين الصين وروسيا هي واحدة من كبرى المحددات للاستقرار في أوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ
العلاقة بين الصين وروسيا هي واحدة من كبرى المحددات للاستقرار في أوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ

العلاقة بين الصين وروسيا هي واحدة من كبرى المحددات للاستقرار في أوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ

مقدمة:
قال هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق إنّ نُذُر الحرب العالمية الثالثة بدت في الأفق وطرفاها هم الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى.
وأوضح في حديث أدلَى به لصحيفة “ديلي سكيب” الأميركية أنَّ ما يجري الآن هو تمهيد لهذه الحرب التي ستكون شديدة القسوة بحيث لا يخرج منها سوى منتصر واحد، من وجهة نظره، هو الولايات المتحدة.
ـــــــــــ
وزعم كيسنجر: أنّ واشنطن تركت الصين تعزّز من قدراتها العسكرية وتركت روسيا تتعافَى من الإرث السوفييتي السابق، مما أعاد الهيبة لهاتين القوتين، لكن هذه الهيبة هي التي ستكون السبب في سرعة زوال كل منهما ومعهما إيران التي يعتبر سقوطها هدفًا ذا أولوية لإسرائيل.
وأضاف: “إنَّ إدراك الاتحاد الأوروبي لحقيقة المواجهة العسكرية المحتومة بين الولايات المتحدة الاميركية وكل من روسيا والصين المتباهيتين بقوتهما، دفعه للمسارعة بالتوحُّد في كيان واحد متماسك قوي”. وأفاد أنّ الدوائر السياسية والاستراتيجية الأميركية طلبت من العسكريين احتلال سبع دول شرق أوسطية من أجل استغلال مواردها الطبيعية خصوصًا النفط والغاز، مؤكدًا أنّ السيطرة على البترول هي الطريق للسيطرة على الدول، أما السيطرة على الغذاء فهي السبيل للسيطرة على الشعوب. وكشف كيسنجر أنَّ العسكريين الأميركيين حققوا هذا الهدف تقريبًا أو هم في سبيلهم إلى تحقيقه استجابة لطلباتنا. “وبقي حجر واحد علينا إسقاطه من أجل إحداث التوازن، وهو المتمثل في إيران”. وأوضح كيسنجر أنه يدرك “أن كلاً من الدبّ الروسي والتنين الصيني لن يقفَا موقف المتفرج ونحن نمهد الطريق لقوتنا، خصوصًا بعد أن تشن إسرائيل حربًا جديدة بكل ما أوتيت من قوة لقتل أكبر قدر من العرب. وهنا سيستيقظ الدب الروسي والتنين الصيني، وقتها سيكون نصف الشرق الأوسط على الأقل قد أصبح إسرائيليًا، وستصبح المهمة ملقاة على عاتق جنودنا، وأقصد هنا الأميركيين والغربيين بصفة عامة، المدربين جيدًا والمستعدين في أيّ وقت لدخول حرب عالمية ثالثة يواجهون فيها الروس والصينيين. ومن ركام الحرب، سيتمّ بناء قوة عظمى وحيدة قوية صلبة منتصرة هي الحكومة العالمية التي تسيطر على العالم. ولا تنسوا أنّ الولايات المتحدة تملك أكبر ترسانة سلاح في العالم، لا يعرف عنها الآخرون شيئًا، وسوف نقوم بعرضها أمام العالم في الوقت المناسب.
مثل كيسنجر، يرى العديد من المختصين أن الشراكة الاستراتيجية الصينية-الروسية تستند في المقام الأول على عدم رضا الدولتين على هيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة. كتب ليزلي غيلب وديمتري سيميز في يوليو 2013 أن “روسيا والصين قررتا ومن أجل مصلحتهما الحد من نفوذ الولايات المتحدة على الصعيد الدولي. الا أن هؤلاء المختصين يرون أن هذه الشراكة لا ترتكز على رؤية مشتركة طويلة المدى لذلك النظام العالمي. وهذا مما يحد من أهميتها وقد يكون سببا في تفككها على المدى الطويل، كما ظهر جليا في الخلافات حول الطاقة ومبيعات الاسلحة، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم.
أن طبيعة العلاقة بين الصين وروسيا هي واحدة من كبرى المحددات للاستقرار في أوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ. أن العلاقات الصينية الروسية تساهم في تشكيل النظام العالمي الأوسع، وبالتالي هي مهمة لأمن دول المنطقة، بضمنها الولايات المتحدة. ولأن للصين وروسيا والولايات المتحدة تاثير في جميع القضايا الإقليمية والاستراتيجية الرئيسية، فأن فهم هذا المثلث مهم جدا لدول المنطقة وعليها جميعا أن تضعه بنظر الأعتبار عند وضعها لسياساتها الخارجية.
الصين وروسيا والنظام العالمي:
أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والإتحاد السوفياتي في الـثاني من تشرين الأول/ أكتوبر العام 1949. وفي آغسطس 1991، تفكّك الإتحاد السوفياتي، فوقّع البلدان في السابع والعشرين من ديسمبر 1991، على محضر المحادثات وحلّت مشكلة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والإتحاد السوفياتي السابق. بعدها شهدت العلاقات الروسية الصينية تحسّنًا منذ العام 1992 حين أكّد الرئيس الروسي الاسبق بوريس يلتسين خلال زيارته لبكين في ديسمبر من ذلك العام على أهمية التوازن في السياسات الخارجية الروسية بين التوجّه الغربي والتوجّه الآسيوي باعتبار أن روسيا دولة اورو آسيوية. ثم جاءت قمّة بكين في أبريل 1996 لتعطي دفعة قوية للعلاقات بين البلدين وترسي دعائم المشاركة الاستراتيجية بينهما بعد النجاح في تسوية مشاكل الحدود بشكل نهائي، وذلك بعد الاتفاقيتين المتعلّقتين بالحدود الشرقية عام 1991، والحدود الغربية العام 1994. وقد اتخذت العلاقات الروسية الصينية عدة أبعاد أولها موقف البلدين من السياسة الأميركية ورفضهما لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي ومعارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ التي تقيمها الولايات المتحدة بدعوى حماية أراضيها من هجمات محتملة قد تشنّها ما تطلق عليه “الدول المارقة” مثل إيران وكوريا الشمالية. وترى فيها الصين وروسيا تهديدًا للأمن العالمي وتجديدًا لسباقات التسلّح، لذا فهما يدعمان التمسّك بمعاهدة الحد من انتشار الاسلحة البالستية الموقّعة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية في 1972 باعتبارها أساس الاستقرار العالمي، واتفاقات الحد من التسلّح بصفة عامة. و ثانيها: التعاون في مجال التقنيات العسكرية حيث تعتبر الصين أكبر سوق للسلاح الروسي، و ثالثها: التنسيق الأمني بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى بهدف تحجيم نشاط الحركات الاسلامية في المنطقة ومكافحة تجارة المخدّرات وتهريب الأسلحة والتصدّي للإرهاب والنزعات الانفصالية، وذلك في إطار مجموعة شنغهاي الخماسية، التي تضمّ كازاخستان و طاجيكستان و قيرغيزستان إلى جانب روسيا والصين وتكوّنت في إبريل 1996 مع توقيع معاهدة أمنية بين الدول الخمس. ورابعها: تأكيد عدم تدخّل كل طرف في الشؤون الداخلية للطرف الآخر واحترام الوحدة والسلامة الإقليمية له. فقد أكّدت الصين دومًا على أن قضية الشيشان هي من الشؤون الداخلية التي تتعلّق بوحدة الأراضي الروسية. كما التزمت روسيا تفادي إقامة علاقات رسمية مع تايوان، وأعلنت ان التيبت جزء لا يتجزّأ من الصين، وبذلك يتفادى البلدان دعم الحركات الانفصالية في كل من بلديهما. وخامسها: يتعلّق بتنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. تعتبر الصين ثالث أكبر شريك تجاري لروسيا بعد ألمانيا والولايات المتحدة. وصلت علاقات شراكة التعاون الاستراتيجية بين الصين وروسيا إلى مستوى جديد في 2001،. حيث تعمّقت الثقة السياسية المتبادلة بين الجانبين وتكثّفت الاتصالات بين قادتهما. واجتمع الرئيس الصيني جيانغ تزيمين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثلاث مرات في عام واحد بالإضافة إلى الاتصال الهاتفي بينهما ست مرات. وقنّت معاهدة حسن الجوار والتعاون الودّي بين البلدين التي وقّعها رئيسا البلدين العام 2001 والبيان المشترك الذي أصدراه في العام نفسه قنّنا مفهوم الصداقة المتوارثة من جيل إلى جيل وعدم المعاداة إلى الأبد . في عام 2008، صادقت موسكو و بكين على خطة عمل لتنفيذ المعاهدة التي وقعت في 2001 . في عام 2011، أرتقت العلاقة بين الجانبين الى ” شراكة تعاون استراتيجي شاملة، وهو ما اعتبرته بكين أعلى مستوى من التعاون. منذ معاهدة عام 2001، وقع القادة الصينيون والروس أكثر من 50 اتفاقية ثنائية إضافية. عندما حضر الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف معرض اكسبو شنغهاي في عام 2009، أعلن أن العلاقات الروسية-الصينية حققت “أعلى مستوياتها في التاريخ. ” وقد تجسدت هذه الشراكة من خلال الزيارات المتكررة لمسئولين كبار من الطرفين ، وتزايد التعاون في مجال الطاقة، وتوسيع التجارة ومبيعات الاسلحة الروسية الى الصين، والتعاون الدبلوماسي حول الشرق الأوسط وغيرها من القضايا.
يأمل البلدان من وراء هذه الشراكة الى الحد من الهيمنة الأميركية من خلال دور أقوى لمجلس الأمن الدولي، الذي تملك موسكو وبكين فيه حق النقض، في التعامل مع القضايا الأمنية الملحة. المفارقة في هذا الموضوع أن الولايات المتحدة الأميركية “الليبرالية” لديها الكثير من التحفظات حول الأمم المتحدة في حين أن الأخيرة تحظى بدعم كبير من موسكو وبكين. وتأمل بكين وموسكو في لعب دور اكبر في عالم متعدد القطبية تستطيعان فيه حماية مصالحهما ومصالح الدول الصديقة لها، حتى وان كانت معادية للغرب. وتأمل الصين وروسيا في الحد من تحريض الولايات المتحدة و الغرب للأقليات تحت دعاوي حقوق الأنسان و حق تقرير المصير و الذي ( التحريض) أدى الى أندلاع العديد من الحروب الأهلية والقتتال الداخلي في بعض البلدان. وتأمل الصين وروسيا في بذل المزيد من الجهود لأصلاح المؤسسات الدولية التي باتت الولايات المتحدة تتلاعب بها، بضمنها مجلس الأمن والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وإعطاء حصة أكبر من السلطة في تلك المؤسسات إلى غير الدول الغربية. ويشمل أيضا تطوير المنظمات المتعددة الأطراف ، مثل مجموعة بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب أفريقيا) ومنظمة شنغهاي للتعاون.
وتستند العلاقة الصينية ـ الروسية أيضا على بعض الاعتبارات العملية مثلا الاقتصاد حيث تضع موسكو وبكين أولوية كبيرة للتنمية الاقتصادية الداخلية، وكذلك للتجارة المتبادلة والاستثمار. لروسيا وفرة من النفط والموارد الطبيعية الأخرى في حين أن الصين هي المستورد لهذه المنتجات، ويبدو ان الطاقة وسيلة مهمة ستفيد الطرفين . بالإضافة إلى ذلك، أن الشرق الأقصى الروسي (وهي المنطقة الممتدة من بحيرة بايكال في شرق سيبيريا وحتى المحيط الهادي) ما زال بحاجة الى الكثير من التطوير وتجد موسكو نفسها عاجزة لوحدها للقيام بهذا الأمر. أن التنمية الاقتصادية للشرق الروسي الواسع هو أحد أهداف التعاون الروسي الصيني، الا انه لم يكن ناجحا كما هو الحال مع التعاون في مجال الطاقة.
والأمن هو قضية هامة أخرى. كادت التهديدات والاشتباكات الحدودية أن تؤدي الى نشوب حرب بين الجانبين في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. الا أن البلدين أنشغلا منذ بداية الثمانينيات بشئونها الداخلية .الا أن مسألة الحدود كانت دائما مهمة جدا للجانبين . بعد سلسلة من المفاوضات، تم حل الخلاف الحدودي الأخير في عام 2008 واصبحت الحدود منطقة منزوعة السلاح . وبالإضافة إلى ذلك، كانت صناعة السلاح الروسية خلال فترة التسعينيات والعقد الاول من القرن الحادي والعشرين بحاجة ماسة الى المزيد من العقود والى المزيد من الأموال. وكانت الصين بحاجة الى الأسلحة المتطورة، واستفاد الجانبان من مبيعات الاسلحة الروسية الى الصين، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والغواصات.
في السياسة والاقتصاد والأمن أستندت الشراكة بين موسكو وبكين الى المصالح المتبادلة لا الى علاقات الصداقة. يقول ديمتري ترينين “لم تطغي روح الصداقة الحميمة على القمم الروسية الصينية. فقادة البلدين لم يتخلوا عن الأجواء الرسمية في لقاءاتهما، وكان هناك عدد قليل من المحادثات الاستراتيجية حقا. لكن القمم كانت دائما تدور حول المصالح و تبحث عن النتائج، كما هو الحال في التجارة .” وفي سياق مماثل، يؤكد أندرو كوتشينز أن لروسيا مشاعر متناقضة من الصين، الا انها تصرفت دائما بشكل براجماتي. أستنتج ديمتري ترينين من دراسته للعلاقات الصينية-الروسية ” في حين كلا البلدين بحاجة الى بعضنا البعض، وسوف تستفيدان من استقرار العلاقات السياسية والأقتصادية بينهما، الا أنهما تفتقران إلى استراتيجيات طويلة الأمد قادرة على خلق هذه العلاقات و الروابط .”
قد لا تبقى أسس الشراكة بين الصين وروسيا مستقرة على المدى الطويل. كلما زادت قوة الصين فأن مفهومها للنظام العالمي المثالي قد يكون مختلفا عن وجهة النظر الروسية. يقول ليزيك بوزنسكي أن سمعة الصين قد طغت على سمعة روسيا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويضيف أن تهميش موسكو وشراكتها مع بكين لا تصبان في مصلحة روسيا. ناهيك عن التداخل في بعض مصالح الجانبين في بعض المناطق ، على سبيل المثال أسيا الوسطى. علاوة على ذلك أن القضايا العملية قد تتغير مع الزمن. على سبيل المثال أن تنامي القدرات العسكرية الصينية قد تدفع موسكو الى التفكير مجددا بحدودها مع بكين. كما أن هيمنة تصدير السلاح الروسي الى بكين على العلاقات الأقتصادية بين الجانبين قد يؤثر على تطور هذه العلاقات. أن أحتلال وضم روسيا لشبه جزيرة القرم قد سببب الكثير من الأحراج للصين التي تؤمن بسياسة عدم التدخل بالشئون الداخلية للبلدان الاخرى.
علاوة على ذلك، للصين مصالح مهمة في أوكرانيا فهي تستورد من اوكرانيا السلاح و التكنولوجيا العسكرية، علاوة على المصالح الزراعية في أوكرانيا، وأوكرانيا تعتبر المدخل لخطط الاستثمار الصينية في أوروبا الشرقية. والأخطر من ذلك أن أستفتاء القرم قد يكون سابقة غير مرغوب بها من قبل بكين، اذا فكرنا بتايوان والتيبت وشينجيانغ. من ناحية أخرى، فإن روسيا شريك استراتيجي هام للصين، وبوتين يعول بشكل واضح على دعم الصين. تعتقد الحكومة الصينية ان في انتكاسة الغرب مصلحة كبيرة لها. في حين كالت الصحافة الصينية الثناء على بوتين لموقفه أزاء الغرب. علاوة على ذلك، قد تستفيد الصين من المواجهة بين بوتين والغرب والتي تجعل روسيا أكثر اعتمادا على الصين في شراء النفط والغاز منها وكذلك في موضوع التنمية الاقتصادية. الا أن الصين في النهاية قضلت البقاء على الحياد، أذ امتنعت عن التصويت على مشروع قرار مجلس الامن الدولي لأدانة الاستفتاء في شبه جزيرة القرم. وأصدرت تصريحات غير واضحة لتبرير موقفها كي لا تسيء الى روسيا واوكرانيا.
الأهمية العالمية للعلاقات الصينية الروسية :
تعتبر العلاقات الروسية الصينية واحدة من أهم العلاقات على مستوى النظام الدولى، وذلك نظرا لما تحتله كلتا الدولتين من أهمية كبرى، فكلتاهما عضو فى النادى النووى الدولى، وهما أيضا من الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن ولهما حق الفيتو، وهما الأقدر على منازعة الولايات المتحدة على قمة النظام الدولى ولو بعد حين وتنفرد كل منهما بميزات خاصة فروسيا وريثة الاتحاد السوفيتى ولديها من الإمكانات والقدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية ما يؤهلها لتكون لاعبا فاعلا ومؤثرا فى النظام الدولى أما الصين، فهى العملاق الصاعد من شرق آسيا المنطلق بقوة نحو قمة النظام الدولى، وهى قوة متنامية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وهدفها النهضة والتقدم والوصول إلى مكانة لائقة على المسرح الدولى.
كما أشرنا سابقا ، هنالك عدد من المجالات التي تؤثر كثيرا على العلاقة بين موسكو و بكين ، اهمها الاقتصاد و الأمن و المصالح في آسيا الوسطى.
أولا : الاقتصاد
تعتبر الطاقة المادة الأكثر أهمية في التبادل الاقتصادي بين روسيا والصين، خاصة وأن الصادرات الروسية من الطاقة الى الصين في تزايد مستمر وتحولت الصين الى سوق مربحة للنفط الروسي. ومع ذلك، فان خلق البنية التحتية اللازمة للطاقة والتوصل إلى اتفاقات عملية لإمدادات الطاقة و اسعارها لا تسير بتلك السلاسة بين الجانبين بسبب الصراع الداخلي بين شركات الطاقة الروسية ،علاوة على عدم الثقة وسوء التفاهم بين الصين وروسيا.
بعد سنوات عدة من المفاوضات، صدرت روسيا شحنتها الأولى من النفط الى الصين في يناير 2011 عبر خط انابيب شرق سيبيريا – المحيط الهادي .جاء ذلك بعد توقيع اتفاقية في 2009 نصت على منح الصين قرضا بقيمة 25 بليون دولار لشركتي النفط روسنفت وترانسنفت مقابل تزويد روسيا للصين 300 مليون طن من النفط الخام لمدة 30 عاما. ومع ذلك، وفي الشهرين الأولين من عمليات شحن النفط عبر الانابيب، طالب الروس شركة النفط الوطنية الصينية بدفع 100 مليون دولار. و حل الطرفان المشكلة في 2010 . علاوة على ذلك، عندما زار الرئيس الصيني شي جين بينغ موسكو في يونيو/ حزيران 2013، وقعت الصين وروسيا اتفاقا نفطيا اضافيا بقيمة 270 مليار دولار . الا ان الغاز الطبيعي الروسي لم يشحن الى الصين، على الرغم من المذكرة التي وقعت في عام 2006 بين شركة غازبروم وشركة النفط الوطنية الصينية والتي نصت على تصدير 30 مليار متر مكعب من الغاز إلى الصين عبر خط الانابيب الغربي و38 مليار متر مكعب عبر خط الانابيب الشرقي، علاوة على اتفاقية 2009 . أن بكين و موسكو يختلفان بشكل كبير حول أسعار الغاز، ونتيجة لذلك، لم يبدءا في مد الخطوط اللازمة للتصدير. وهذا يرتبط في جزء منه بقضايا ترتبط بالسياسة الصينية المتعلقة شركة النفط الوطنية الصينية. بعض المحللين تكهن بأن قرضا لشركة غازبروم من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى حل لهذه المشكلة، على غرار صفقة النفط. ومع ذلك، يبدو أن صادرات الغاز لن يكون حكرا على شركة غازبروم، خاصة وأن شركة روسنفت لديها خطط لبيع الغاز الطبيعي المسال إلى الشركات اليابانية من محطة في سخالين، في حين اتفقت شركة نوفاتيك، وهي شركة خاصة للغاز، مع شركة النفط الوطنية الصينية لبيع الصين الغاز الطبيعي المسال من القطب . أخيرا، اتفقت موسكو وبكين بعد قمة مايو 2014 بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ على صفقة غاز لمدة 30 عاما سيبدأ تسليم الغاز بموجبها من روسيا إلى الصين عام 2018 بعد اكتمال البنية التحتية اللازمة. ولم يكشف النقاب عن سعر الغاز المصدر.
وفي سياق متصل، لروسيا مصالح اقتصادية وسياسية واضحة في مواصلة تطوير منطقة الشرق لانها بحاجة إلى إعادة تأكيد سيطرتها على المنطقة ولتشكيل أساس أقوى للنفوذ الدولي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. تلعب الطاقة دورا في تحقيق هذه الأهداف، ولكن هناك جوانب أخرى لهذا التحدي أيضا. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تم تجاهل الشرق بسبب محاولة القادة الجدد وضع الدولة الجديدة على المسار الصحيح . منذ عام 1991، تقلص عدد سكان في المنطقة بنسبة 20 في المئة، إلى 6.28 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصل العدد الى 4.7 مليون بحلول عام 2025. الا ان روسيا أعادت الأهتمام بالمنطقة في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك جزئيا إلى نمو الصين وتقلص فرص التنمية الاقتصادية القائمة على التجارة والاستثمارات الأوروبية. وهكذا، في عام 2009 وافقت الحكومة الروسية على استراتيجية التنمية الاجتماعية والاقتصادية لمنطقتي الشرق الأقصى وبايكال حتى عام 2025 (استراتيجية 2025) “لتعزيز تنمية مناطق الشرق الاقصى وجاءت قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ 2012 في فلاديفوستوك لزيادة اهتمام موسكو بالمنطقة، حيث قيل ان الحكومة الروسية ستنفق أكثر من 20 مليار دولار لتطوير البنية التحتية في فلاديفوستوك.
الا أن روسيا تواجه مشكلة في تطوير شرقها الأقصى. من ناحية، فإنها تحتاج المساعدة من الصين وغيرها من الدول في آسيا والمحيط الهادئ لدفع عجلة التنمية . فهي لا تمتلك الموارد الكافية علاوة على الفساد والبيروقراطية اللذان يعيقيان الكثير من جهودها في هذا الصدد .الا انها في الوقت نفسه لا تريد لتلك المنطقة ان تصبح اسيرة للصين. في أغسطس 2013، قال بنك التنمية الحكومي الصينى أنه سينفق 5 مليارات دولار لتمويل بعض برامج التنمية في شرق روسيا. وعلاوة على ذلك، فان العمال الصينيين يزرعون 40 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة الشرق الأقصى الروسي، وهم ينتجون 90 % من الخضروات التي تباع في أسواق المنطقة في عام 2012. وباختصار، تقدم منطقة الشرق الأقصى الروسية العديد من فرص التعاون الاقتصادي التي يمكن أن يستفيد منها الروس والصينيون. الا أن هذه الفرص قد تصبح عائقا أمام روسيا التي تريد أحكام سيطرتها على المنطقة.
وتعتبر التجارة والاستثمار من مجالات التعاون الاخرى بين الصين وروسيا. في عام 2010، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لروسيا، و بدأ ت بورسطة موسكو للعملات( MICEX ) تداول اليوان والروبل مع سعي الدولتين للحد من الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.ومع ذلك، فأن مكانة روسيا في التجارة الصينية لا يزال متواضعا. وفقا إلى البيانات الصينية التي نشرها صندوق النقد الدولي، أرتفعت الصادرات الصينية الى روسيا 13.211 مليار دولار في عام 2005 إلى 38.886 مليار دولار في عام 2012، أي أكثر من ثلاثة أضعاف. ومع ذلك فأن الصادرات الصينية لروسيا كنسبة مئوية من إجمالي الصادرات ارتفعت بنسبة 1.7 في المئة فقط من عام 2005 إلى 2.2 في المئة في عام 2012. وعلى سبيل المقارنة، كانت الصادرات الصينية إلى روسيا في عام 2012 تمثل 12.5 في المئة فقط من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. من عام 2005 إلى عام 2012، ارتفعت الواردات الصينية من روسيا من 15.886 مليار دولار إلى 39.043 مليار دولار على الرغم من تراجع النسبة الى المجموع العام من 2.4 في المئة الى 2.2 في المئة .
تشير البيانات الروسية التي قدمت إلى صندوق النقد الدولي أن الصادرات الروسية الى الصين زادت من 5.4 في المئة من المجموع في عام 2005 إلى 6.8 في المائة في عام 2012. وكانت الصادرات الروسية إلى الولايات المتحدة في عام 2011 اقل من نصف صادراتها الى الصين. نمت الواردات الروسية من الصين أكثر من خمسة أضعاف 2005-2011، حيث ارتفعت من 5.2 في المئة من المجموع في 2005 الى 13 في المئة من المجموع في 2011 . عليه تبدو روسيا أكثر اعتمادا على التجارة المتبادلة من الصين. في عام 2013 ارتفع حجم التجارة الإجمالية 2٪ فقط من العام الماضي إلى 88.1 مليار دولار.
بينما يستفيد البلدان من نمو التجارة بينهما ، فأن طبيعة التجارة تشكل مصدر قلق لروسيا. تخشى روسيا أن تصبح مجرد مزود للموارد الطبيعية إلى الصين .في عام 2006 جعل بوتين من التجارة غير المتوازنة قضية سياسية. يميل المراقبون الصينيون الى التذمر من القضايا البنيوية. على سبيل المثال، يلاحظ تشيو هوافي أن التجارة بين الصين وروسيا تتركز إلى حد كبير على احتياجات المجتمعات الحدودية، وهي تنطوي على عدد قليل جدا البضائع التكنولوجية المتقدمة. يشير تشيو هوافي أيضا إلى أن بعض العقاب تقف حائلا امام التجارة بين البلدين خاصة انتهاكات العقود، عدم وجود قنوات مؤسسية لحل النزاعات، سوء معاملة رجال الاعمال الصينيين في روسيا، وسيطرة فكرة ” الخطر الصيني” على عقلية الروس، علاوة على الديزن الروسية المعلقة. الا ان محللين صينيين آخرين يبدون اكثر تفاؤلا و هم يشيرون إلى إمكانية تصدير التكنولوجيا الروسية المتقدمة الى الصين واستشراف خطوة صينية نحو أقتصاد استهلاكي محلي من شأنها أن توفر المزيد من فرص التصدير بالنسبة لروسيا.
ثانيا : الأمن :
يشكل الأمن عاملا هاما في العلاقات الروسية الصينية. بعد الأشتباكات المسلحة في عام 1969، أبدى الجانبان رغبة جدية في الحفاظ على أمن الحدود الذي أصبح عاملا رئيسيا ساهم في التقارب الذي حدث في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وأستمر الأمن عاملا اساسيا في علاقات بكين وموسكو. أن علاقة روسيا ليست جيدة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وتعتقد أن الخطر الأكبر المتمثل بالأرهاب يأتي من الجنوب. وفي الوقت نفسه، للصين مشاكل مع بعض دول شرق اسيا، خاصة اليابان، وهي تسعى للسيطرة على الأقليات داخلها. يحتاج الجانبان الى ضمان أن لا تتحول حدودهما المشتركة الى مصدر للمتاعب. أحد أهم مظاهر العلاقات الأمنية هو التغير في موازين القوة بين البلدين. خلال الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفياتي هو القوة المهيمنة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية. اليوم، وبأستثناء القوة النووية والتطور التكنولوجي للاسلحة الروسية، فأن الصين هي الطرف الأقوى في هذه العلاقة. في الواقع، إن التطور السريع لجيش التحرير الشعبى الصينى قد يؤدي الى أتخاذ موسكو موقفا أكثر دفاعية تجاه بكين.
هناك بعض الأدلة على ذلك، على الرغم من أن موسكو بشكل عام لا تعتبر بكين تهديدا أمنيا كبيرا في هذه المرحلة. أن صعود الصين يجعل العالم متعدد الأقطاب بشكل أكبر و يمنح روسيا المزيد من المساحة . وعلاوة على ذلك، ترى روسيا الصين مركزة على الشرق والجنوب وتتفهم موسكو ان الصين لديها العديد من المشاكل الداخلية التي تأخذ مواردها وانتباه قادتها. بالنسبة لروسيا، أن علاقاتها الجيدة مع الصين مهم لأمنها ضد النمو المتزايد لقوة الصين . من وجهة النظر الصينية، فأن علاقاتها القوية مع روسيا يساعد على وقف تطور العلاقات الروسية مع الناتو بشكل يؤدي الى عزلة الصين . وبالمثل، أعتبر كثيرون في الصين ضم روسيا لشبه جزيرة القرم هزيمة للغرب.
أن مبيعات الأسلحة هي أحد العناصر المهمة في العلاقات الأمنية بين الصين وروسيا . كانت الصين مشغولة منذ التسعينيات في الحصول على اسلحة متطورة . بعد رفض الولايات المتحدة وأوروبا بيع الصين العديد من المعدات العسكرية منذ عام 1989، أصبحت روسيا أهم مصدر سلاح للصين . من 2006-2010، استوردت الصين 84 في المئة من اسلحتها من روسيا . من وجهة نظر روسيا، امتازت الفترة التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي بالعديد من الصعوبات الاقتصادية التي خففت صادرات الطاقة من قسوتها . ونتيجة لذلك، كانت المبيعات العسكرية إلى الصين خطوة مهمة لتوفير الاموال و باعت روسيا الصين مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأسلحة منها مقاتلات سوخوي 27 و 30 و صواريخ ارض جو ( سام) و مدمرات من طراز سوفريميني ومروحيات وطائرات نقل وصواريخ مضادة للسفن والطوربيدات ورادارات ومحركات نفاثة. بلغت مبيعات الأسلحة الروسية إلى الصين ذروتها في عام 2005 لتتراجع بعد ذلك التاريخ. انخفضت المبيعات من 3.13 مليار دولار في عام 2005 ( بأسعار عام 1990 الثابتة) الى 679 مليون دولار في عام 2012. وبينما تشكل مبيعات السلاح الى الصين 60٪ من صادرات الأسلحة الروسية في عام 2005، تراجع الرقم بحلول عام 2012 إلى 8٪ فقط. سلمت روسيا معظم صفقات السلاح المهمة الى الصين بحلول عام 2009، ومنذ عام 2006، اقتصرت صادرات الأسلحة على المحركات النفاثة، ورادارات السيطرة على الحرائق و طائرات النقل وطائرات الهليكوبتر. تقول الصين ان صناعاتها الدفاعية قادرة على انتاج العديد من الأسلحة التي اشترتها من قبل من روسيا. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك بعض الاستياء من صفقات الاسلحة الروسية . حيث رفضت روسيا في مناسبات عدة بيع الصين معدات متطورة ، على الرغم من أنه ( اي روسيا) كانت على استعداد لبيع سلع أكثر تقدما للهند. لقد كان ذلك مصدر إزعاج للصين. تأمل الصين الحصول على موافقة روسيا على إنتاج أنظمة النقل داخل الصين وعلى نقل التكنولوجيا، وهي لم تكن راضية جدا بسبب تأخير تسليم بعض الصفقات وعن نوعية بعض الاسلحة الروسية. للروس رأي أخر وهو أكثر تعقيدا. من جهة، هناك ذعر حول تحوير الصين للتكنولوجيا العسكرية الروسية وبيعها ضمن صادرات اسلحتها وباسعر منافسة للصادرات الروسية. يدعي الروس أن الطائرة المقاتلة J-11B الصينية نسخة من السوخوي -27، و الصين تصدر أعداد كبيرة من هذه الطائرة التي طورتها بمعاونة باكستان . في عام 2011، وضعت الحكومة الروسية تقرير بعنوان “استراتيجيات وتكتيكات مصدري الأسلحة و المعدات العسكرية الصينيين “، و بعث مدير مكتب تصميم طائرات ميغ وسوخوي رسالة الى روكسوبوروناكسبورت ( الوكالة الحكومية الروسية لصهدرات الأسلحة) يطلب عدم بيع الصين اعداد كبيرة من محركات RD-93 لأن طائرة ميج 29 الروسية تتنافس مع طائرة JF-17 الصينية والاخيرة تستخدم ذلك المحرك.
أبدى العديد من المسئولين الروس قلقهم إزاء الآثار الاستراتيجية للقوة العسكرية المتنامية للصين. أختلفت النخب الروسية حول هذا الموضوع. يقول كيفين رايان أن “وجهة النظر موسكو حول العلاقات العسكرية مع بكين تختلف تبعا للجهة التي يعمل معها صاحب الراي. ” يختلف مصنعو الأسلحة في وجهة نظرهم عن المخططين الاستراتيجيين. وتواجه روسيا الالحاح الصيني المتزايد في الحصول على المزيد من الاسلحة المتطورة و التي قد تؤثر بشكل حاسم على توازن القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (ابعاد الولايات المتحدة)، وكذلك توازن القوى بين الصين وروسيا نفسها.
ان علاقة مبيعات الأسلحة بين بكين وموسكو تتطلب المزيد من التعمق اذا اردنا اعتبارها مقياسا للتعاون الدفاعي بين البلدين. في الآونة الأخيرة، لقد كان هناك نقاش حول تجدد مبيعات الأسلحة الروسية إلى الصين، وخاصة صواريخ سام 400 و طائرات سوخوي 35 المقاتلة وهي من الأسلحة الأكثر تقدما في روسيا. في ديسمبر 2012، ذكرت مجلة جينز العسكرية أن روسيا سوف تبيع اربع غواصات من طراز لادا /ديزل للصين. الا انه لم تتأكد هذه الصفقات .
مؤشر آخر على العلاقات الدفاعية بين الصين وروسيا هو المناورات العسكرية المشتركة. اول تلك المناورات العسكرية كانت “بعثة سلام” في 2005، والتي جرت تحت رعاية منظمة شانغهاى للتعاون و كان هدفها كما أعلن حينها هو مكافحة الإرهاب. جرت المناورات في الشرق الأقصى الروسي ومحافظة شاندونغ الصينية المحافظة و اشتملت على عمليات بحرية وبرمائية . شارك في المناورات عشرة آلاف عسكري ، فضلا عن الغواصات والقاذفات الاستراتيجية. تكهن البعض أن التدريبات لم تكن عن الإرهاب فقط، و انما رسالة من الصين في ان ينظر الى المناورات على أنها محاكاة لغزو صيني لتايوان. وأجرى الطرفان العديد من المناورات تحت السم نفسه .
الا أن المناورات البحرية الأخيرة أظهرت زيادة التنسيق في التعاون العسكري. اجرت روسيا والصين في 05-12 يوليو 2013، مناورات بحرية مشتركة بحجم غير مسبوق، اطلقا عليها “البحر المشترك” 2013. أرسلت الصين سبع سفن من بحريتها ، بما في ذلك مدمرة صواريخ موجهة وفرقاطات، في حين أرسلت روسيا 11 سفينة حربية، بما في ذلك طراد الصواريخ الموجهة فارياج (سفينة القيادة لأسطول المحيط الهادئ) وغواصة من طراز كيلو. تركزت المناورات على حرب الغواصات، والحرب المضادة للغواصات والدفاع الجوي وإنقاذ السفن المختطفة. وبصرف النظر عن الجوانب العسكرية للتدريبات، فأنها حملت رسالة سياسية مهمة أيضا. أرادت الصين أرسال تحذير الى الولايات المتحدة واليابان، في أن روسيا تقف إلى جانب الصين حول خلافاتها البحرية ، خاصة جزر دياويو / سينكاكو. بعد أنتهاء المناورات نفذت روسيا مناورات خاصة بها هي الأكبر لها منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، شارك فيها 160.000 جندي و 500 دبابة و130 طائرة مقاتلة، وسفن من أسطول المحيط الهادئ. اشتملت المناورات على رد فعل سريع للقوات الروسية المنتشرة في اقصى الشرق. صممت المناورات لإظهار قوة الجيش الروسي لجيرانها الاسيويين وقدرة موسكو على سرعة تحريك قواتها للدفاع عن مناطقها الشرقية . بينما أظهرت المناورات البحرية في يوليو التعاون الوثيق مع الجيش الصيني، لإان المناورات اللاحقة أظهرت الاستقلال الروسي وقدرة روسيا على الدفاع عن نفسها ضد أي عدوان محتمل ( بما في ذلك من الصين ).
ثالثا: آسيا الوسطى
تشمل آسيا الوسطى كازاخستان و قيرغيزستان و طاجيكستان و أوزبكستان و
وتركمانستان و هي دول ضعيفة نسبيا مع عدد سكان قليل و مساحات واسعة من الأراضي . تمتلك المنطقة احتياطات كبيرة من الطاقة وتحتل موقعا استراتيجيا بين الصين وروسيا والشرق الأوسط. علاوة على ذلك، فإن تلك الدول يمكن أن تسهم في الاستقرار في أفغانستان لكنها تبدو مكشوفة امام التطرف و العنف الذي قد ينتقل اليها من أفغانستان . هذه المنطقة يتبارى فيها عدد من الدول ، منها روسيا والصين والولايات المتحدة والهند وباكستان وإيران وتركيا لغايات متنوعة. في الوقت نفسه تحاول دول اسيا الوسطى ان تستفيد من هذه المنافسة، مما يشعل أحيانا بعض المواجهات بينها. في مثل هذه الأجواء ، تحتفظ موسكو و بكين علاقات يشوبها التعاون أحيانا و التنافس أحيانا أخرى . حتى الآن طغى التعاون على هذه العلاقة لرغبة الطرفين في أبعاد الولايات المتحدة عن المنطقة و الحفاظ على الأستقرار فيها . كتب تشارلز زيغلر “المثير للدهشة، أن القوتين ( يقصد الصين وروسيا) وجدتا تطابقا في مصلحيتهما في آسيا الوسطى، على الأقل في المدى القصير”.
أشار زبيغنيو بريجنسكي في عام 1997 أن معضلة روسيا في آسيا الوسطى هو أنها أضعف من أن تسيطر على المنطقة سياسيا وضعيفة للغاية اقتصاديا لتطوير المنطقة. وهذا لا يزال صحيحا اليوم. أن آسيا الوسطى تمثل الحديقة الخلفية لروسيا، وكانت جزء استراتيجيا من الاتحاد السوفياتي السابق. تعتقد روسيا أن آسيا الوسطى تدخل ضمن دائرة نفوذها. أن أمن دول آسيا الوسطى، وشكل الحكومات فيها ذو أهمية خاصة لروسيا. ومع ذلك، كما أن لروسيا مصالح اقتصادية. وقد حاولت روسيا السيطرة على البنية التحتية للطاقة في آسيا الوسطى، وشراء الطاقة بأسعار رخيصة ومن ثم إعادة تصديره إلى أوروبا و تحقيق الارباح. كما انها تستخدم نفوذها لحماية الروس الذين ما زالوا يعيشون هناك بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
للصين ثلاثة أهداف رئيسية في آسيا الوسطى. الأول هو ضمان الاستقرار في اقليم شينجيانغ في شمالها الغربي. لا تريد الصين استخدام اسيا الوسطى كقاعدة لتعزيز النزعة الانفصالية في شينجيانغ. ثانيا، تريد الصين المزيد من العلاقات القوية ( الاقتصادية و البنية التحتية ) مع آسيا الوسطى. يعزز هذا الهدف تحقيق التنمية الاقتصادية السريعة ويحافظ على أستقرار أقليم شينجيانغ. ثالثا، تسعى الصين لزيادة واردات الطاقة من آسيا الوسطى من خلال الفوز بعقود الطاقة وتطوير البنية التحتية من اجل تسليم النفط والغاز إلى الصين. الصين ترى هذا كجزء أساسي من استراتيجية تنويع مصادر الطاقة. وعلاوة على ذلك، تعتقد الصين ان خطوط الأنابيب عبر آسيا الوسطى أكثر أمانا من امدادات الشرق الأوسط التي قد تعترضها البحرية الاميركية.

ترغب روسيا والصين على حد سواء في القضاء على “الشرور الثلاثة” ( الإرهاب،
النزعات الانفصالية والتطرف الديني ” في المنطقة.
يعمل البلدان على الحد قدر الإمكان من نفوذ الولايات المتحدة في آسيا الوسطى من خلال السعي للحد من التواجد العسكري الاميركي في المنطقة ومنع “ثورات ملونة” جديدة قد تغير من توازن القوى في المنطقة .كانت الصين نشطة في تطوير البنية التحتية في آسيا الوسطى.على سبيل المثال، فازت شركة الطرق والجسور الصينية بعقد لبناء طريق من أوش في قيرغيزستان الى ممر اركيشتام مع الصين، والعقد ممول جزئيا من قبل الحكومة الصينية. تعمل الصين تعمل على تطوير السكك الحديدية لربط شينجيانغ مع أفغانستان عبر طاجيكستان، في حين تعمل شركات الأتصالات و الأنترنت الصينية على ربط المنطقة إلكترونيا. كانت الصين نشطة في بنك التنمية الآسيوي و في برنامج التعاون الاقتصادي لدول آسيا الوسطى الإقليمي ، اللذان يهدفان الى تسريع النمو الاقتصادي والحد من الفقر. وعلاوة على ذلك، تسعى الصين بشكل منهجي لزيادة قوتها الناعمة في آسيا الوسطى من خلال معاهد كونفوشيوس، وهي منظمات تمولها الحكومة تهدف الى نشر اللغة الصينية و الثقافة خارج الصين. وقد فاقت بكين موسكو في هذا الصدد . أعتبرت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لدول آسيا الوسطى في سبتمبر2013 نجاحا لاستراتيجية الصين بعدما وقع صفقات اقتصادية في ما أسماه “منطقة طريق الحرير الاقتصادية “. زار الرئيس الصيني تركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان. في كازاخستان، وقع الرئيسان الصيني شي جين بينغ شي والكازاخستاني نور سلطان نزارباييف أتفاقيات قيمتها 30 مليار دولار و أفتتحا خط أنابيب الغاز بطول 700 ميل سييساهم مع بقية الخطوط في نقل الغاز من بحر قزوين إلى الساحل الصيني. و أشترت شركة النفط الوطنية الصينية 8.4 في المئة من الحصص في حقل نفط كاشاغان في كازاخستان في بحر قزوين، وانضمت بذلك الى كونسورتيوم من شركات النفط الدولية. في تركمانستان، أفتتح الرئيس الصيني ثاني أكبر حقل غاز في العالم، جالكينيش ، الأمر الذي سيزيد الى ثلاثة أضعاف واردات الغاز الصينية من ذلك البلد. في أوزبكستان، وقع الرئيس الصيني مليار دولار عقود للطاقة بقيمة 15 مليار دولار . أن الاستثمارات الاقتصادية الرئيسية للصين في المنطقة وتوقيع عدد من “شراكات استراتيجية”، دفعت نائب وزير الخارجية الروسي ايجور مورجولوف الى القول أن “أصدقائنا الصينيين عرفوا بالدور التقليدي لبلادنا في هذه المنطقة، لذلك نحن لا نرى أي التنافس إقليمي بيننا “.
تربط منظمة شانغهاى للتعاون روسيا والصين معا حول قضايا أسيا الوسطى. تتألف منظمة شانغهاى للتعاون من الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. أنشئت في عام 2001 بعد تاريخ من مفاوضات الحدود الناجحة. توفر المنظمة آلية لروسيا والصين للتعاون بشأن القضايا ذات الصلة بآسيا الوسطى . تعتبر الصين منظمة شنغهاي للتعاون منظمة فريدة من نوعها وقد أخذت الصين زمام المبادرة في تأسيسها و تعتبر نفسها زعيمة للمنظمة. اشارمحللون صينيون بفخر إلى منظمة شانغهاى للتعاون كمثال رئيسي من “دبلوماسية جديدة” في الصين أساسها الثقة والمساواة واحترام التنوع، والتركيز على التنمية . في بعض النواحي، أعتبر مؤسسو منظمة شانغهاى للتعاون ناجحة جدا مؤسسيها. ويشير أحد المحللين الصينيين الى أن المنظمة تمكنت من الحفاظ على الاستقرار خلال الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في عام 2008، ولم يحدث هناك “ربيع عربي” في المنطقة. لم تحدث أي هجمات إرهابية كبيرة في المنطقة، وكانت العلاقات الصينية والروسية جيدة، وكانت دول آسيا الوسطى متعاونة . وعلاوة على ذلك، سعت الجهات الفاعلة الإقليمية على الانضمام إلى منظمة شانغهاى للتعاون بصفة مراقب.
ومع ذلك، لروسيا والصين بعض الخلافات حول منظمة شانغهاى للتعاون. تريد روسيا أن يكون لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي أو الجماعة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية (كلاهما تسيطر عليهما روسيا و الصين ليست عضوة فيهما ) أن تلعبا دورا بارزا في القضايا الأمنية و الأقتصادية لمنطقة أسيا الوسطى. علاوة على ذلك، تفضل روسيا أن تركز منظمة شانغهاى للتعاون في المقام الأول على التعاون الأمني والقضايا الاستراتيجية، في حين تركز الصين على التعاون الاقتصادي. تعتقد بكين ان موسكو ليست نشطة جدا في التعاون مع الصين في منظمة شنغهاي للتعاون الا انها لا تعارض المبادرات الصينية. كان هناك خلاف دخول أعضاء جدد للمنظمة. قال أحد المحللين الصينين أن موسكو دعمت عضوية إيران، والهند، وباكستان، الا ان الصين عارضت ذلك لانه سينقل تركيز المنظمة بعيدا عن آسيا الوسطى وإعطاء المنظمة الطابع المعادي للغرب، وهذا ما لا تريده الصين. علاوة على ذلك، منظمة شانغهاى للتعاون تواجه تحديات في تنفيذ الاتفاقات التعاونية، ويرجع ذلك جزئيا إلى نقص قدرات الدول الأعضاء من آسيا الوسطى. على الرغم من هذه الاختلافات، لا تزال منظمة شانغهاى للتعاون مهمة في تطوير العلاقة بين موسكو وبكين.
الولايات المتحدة وروسيا والصين :
بالعودة الى كيسنجر وحديثه عن الحرب العالمية الثالثة التي ستواجه فيها الولايات المتحدة الصين وروسيا يمكن القول أن الولايات المتحدة لا ينبغي لها أن تعارض اي علاقات جيدة بين روسيا والصين، خاصة وأن علاقة سلمية بين القوى النووية يؤدي إلى الاستقرار في أوراسيا. كادت بكين وموسكو وفي أكثر من مناسبة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من الدخول في حرب كانت ستكون مدمرة للطرفين و للسلم العالمي. أن واشنطن يمكن أن تعتبر العلاقات القوية بين روسيا والصين مفيدة لمصالحها في أكثر من مجال . على سبيل المثال، التعاون في مجال الطاقة بين روسيا والصين يمكن، على المدى الطويل، أن يجعل الصين أقل اعتمادا على إمدادات النفط الإيرانية، كما أن التعاون الصيني والروسي سيفيد البلدان النامية في آسيا الوسطى ويمنع اي من الدولتين من الهيمنة لوحدها على المنطقة، في حين أن قدر أكبر من التنسيق بين روسيا والصين قد تساعد في الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في أفغانستان بعد الانسحاب الاميركي. ومع ذلك، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين هي علاقة تنافسية يشوبها الكثير من الحيطة والحذر. كل دولة تخاف من تقارب الدولتين الأخرتين. على سبيل المثال، روسيا تعترض بشدة على مفهوم ” مجموعة الدولتين أو G2″ بين الولايات المتحدة والصين، لأن هذا من شأنه أن يحرم روسيا تأثير في اتخاذ القرارات المتعلقة بالنظام العالمي. في الواقع، روسيا قد تبدو غائبة بين الدول الأكثر قوة في معظم المحافل المتعددة الأطراف، بما في ذلك مجموعة الثمانية ومجموعة بريكس. وبالمثل، تبدو الصين قلقة من علاقات قوية بين روسيا مع حلف شمال الأطلسي، وعلى وجه الخصوص لا تريد أن ترى التعاون في مجال الدفاع الصاروخي المشترك بين الجانبين. وفي الوقت نفسه، لا تريد الصين الولايات المتحدة أن تصدق أنها دخلت في تحالف مع روسيا من اجل تهديد مصالح الولايات المتحدة. وبالمثل، روسيا تتطلع إلى الغرب من أجل التحديث والتنمية ولا تريد علاقة مع الصين من شأنها أن تعزلها عن أوروبا أو الولايات المتحدة. يبدو ان الولايات المتحدة تريد الاستفادة من هذه الروح التنافسية بين الصين و روسيا . أولا، هي تحاول جاهدة فهم ديناميات هذا المثلث وكيفية تاثير القرارات السياسية بشأن القضايا المهمة لروسيا أو الصين على طبيعة العلاقة بين هذه الدول . أن واشنطن تعلم أن دعمها لسياسات تعارضها بكين أو موسكو أو أنها تؤيد سياسات تستهدف الصين أو روسيا، فإن ذلك من شأنه أن يقرب الدولتين . المثال على ذلك الحرب في أوكرانيا . أن العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا قد عززت الروابط الاقتصادية بين الصين وروسيا. يتعين على صناع القرار تقييم السياسات الإقليمية على ضوء التأثير الإقليمي و العالمي لهذه القرارات على حد سواء .ثانيا، تحاول روسيا أستعادة مكانتها السابقة في الساحة الدولية ، خاصة آسيا ومنطقة المحيط الهادئ. الا أن الولايات المتحدة لا تريد في الوقت الحاضر منافسين لها في المنطقة . على واشنطن أن تنظر الى الأمكانات الهائلة في منطقة الشرق الروسي ، و أن تحاول تقريب وجهات النظر اليابانية الروسية وبين كوريا الجنوبية وروسيا على المدى البعيد . وهذا يعني تشجيع التعاون النفطي بين هذه الدول . ربما تدخل الولايات المتحدة الشرق الروسي أن رأت أن تلك المنطقة ستزيد من نفوذ بكين و موسكو في المحيط الهاديء . ثالثا، ربما حان الوقت من أجل أتفاقية نووية ثلاثية . أرادت الصين أمتلاك رادع نووي صغير
وطالبت موسكو وواشنطن بتخفيض كبير لقدراتها النووية قبل أن تقبل التفاوض حول اتفاقية للحد من تلك الاسلحة . موسكو وواشنطن تقولان أنهما قلصتها قدراتهما النووية في حين أن بكين تزيد من تلك القدرة . يقول اليكسي أرباتوف وفلاديمير دفوركين “يمكن القول أن الدوافع الحقيقية لسرية السلاح النووي الصيني ليست ضعف او صغر حجم الترسانة النووية الصينية ولكن الرغبة في جعل الأخرين التفكير في حجم تلك القوة بدلا من رؤيتها على الأرض. بالإضافة إلى ذلك، أن أمكانات الصين الاقتصادية التقنية تسمح بناء اسلحة نووية بشكل سريع “. وهذا يشكل تهديدا أكبر لروسيا من الولايات المتحدة بسبب اعتماد روسيا على الأسلحة النووية في الدفاع. لذلك وجب الأسراع في دفع مفاوضات الحد من التسلح الثلاثية، على الرغم من وجود عقبات خطيرة أمام هذه المفاوضات ، مثلا التأزم في العلاقات الروسية الأميركية و سرية الترسانة النووية الصينية و استراتيجتها النووية فضلا عن إصرار الصين على ان تقلص واشنطن و موسكو ترسانتهما النووية .
رابعا، أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان يفتح إمكانيات جديدة للتعاون الثلاثي من أجل العمل لتحقيق الاستقرار في أفغانستان وآسيا الوسطى. تخشى بكين و موسكو عوافب الأنسحاب الأميركي من أفغانستان لأن البلدين تفتقران إلى الموارد اللازمة للتعامل مع أفغانستان، وكثير من المحللين الصينيين يشعرون أن الحكومة الأفغانية ستسقط بعد الأنسحاب الأميركي . بكين تشعر بقلق كبير بسبب مشكلة الأويغور. وبالتالي، فمن مصلحة جميع الدول الثلاث وجود حكومة أفغانية قوية قادرة على الحد من العنف في أفغانستان ومنع انتشار التطرف والإرهاب خارج حدودها. هل ستفعل واشنطن ذلك و تشجع المزيد من التقارب بين موسكو و بكين أم ان لديها رأي أخر ؟

محمد نجيب السعد

إلى الأعلى