الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: صورة المرء في المشهد الأخير
كلمات: صورة المرء في المشهد الأخير

كلمات: صورة المرء في المشهد الأخير

زهير ماجد

هذا القتل الفاجعي الذي تمارسه ” داعش ” أدخل على الحياة العربية صورة شوهاء لما يسبقه .. فمن صدر بحقه اعدام يتحول الى مشهد وليس الى صورة فوتوغرافية سريعة، والمشهد الى قصة مروية يتناقلها الناس فيما بينهم، فتصبح موضوعا ثم قضية .. من فكر بتلك الاشكال اراد ان يصنع انموذجا لمعنى التعذيب النفسي قبل الحاق المرء بربه .. تعذيب يصيب الأهل والأقارب والأصدقاء والعالم بأسره مثلما يصيب الشخص الظاهر وراء القضيان مثلا وهو يتحول إلى مشهد أمام الناس والكل يعلم النهاية ، كل نهايات التنظيم إبادة ، سحق، موت محتم.
من يصدر فكرة إعدام من هذا النوع، هو بالتأكيد خريج سجون، أو شخصية تؤمن بتعذيب الذات من خلال آهات الآخر. لابد من فهم من يقود كي نفهم التفاصيل التي تصدر عنه. فنحن بشر في نهاية الأمر، ولكل بشري نوازعه، وتأثيرات طفولته، ومصاعب حياته الاجتماعية مثلا، ثم إمكانياته الفكرية والثقافية .. وبما أننا بشر فالكل يصاب بالمرض، أو الإسهال، أو المزاج الناتج عن صباح فيه بعض الكآبات. لا أؤمن بأن الإنسان هوهو دائما، حالة واحدة لا تتغير، صحة ثابتة، بل اؤمن بأننا أبناء المتغيرات الدائمة في كل نواحينا الصحية والاجتماعية والذهنية والنفسية والمالية وغيره. ولهذا لا أعول كثيرا على ما يصدر عن الإنسان في لحظات ضعف أو في حالات قوة أو في حالة مرض، أو لإشباع غرائز ومكنونات محددة.
نفهم الإنسان نعرف ما يصدر عنه، الآن بتنا نعلم ماذا في جعبة ” داعش ” إذا أرادت إعداما لأحد .. تريده مشهدا كما قلت، رؤية للناس بحجم الفضيحة، والمسكين المعلق موته على دقائق او ساعات، صابر يتأمل حاله من الداخل، يحاول ان يقوي عزيمته، مشغول بذاته ولذاته، العالم الخارجي هو آخر صورة يراها، بعد الآن لا سمع ولا بصر ولا أكلا لذيذا ولا وجها مليحا .. لقد بدأت قصته مع النهايات، فيما هنالك فكرة البدايات التي تبدأ مع الموت، وهذه أكثر صحة وحقيقة.
نفكر دائما في مرحلة الشباب الصغير أن الحياة ميدان كبير فيه أشكال وأنواع مما يمكننا ممارسته، لكن الحقيقة على لسان الأب في رواية” سارتوريس ” للكاتب الكبير فوكنر وهو يوصي ابنه بأن لاتبارز أحدا لأن الحياة ليست ميدانا. لكن ما العمل إذا كانت مرحلة الشباب هي عقل في العضلات، والعضلة قوة، فماذا تفعل في شاب صغير يشعر بأنه امتلك الدنيا من خلال قوة فائقة لديه سوف يخسرها بالتدريج كلما تقدم به العمر وكلما زادت خبراته ومسؤولياته .. سينتقل العقل من عضلاته إلى رأسه كي يفكر جيدا ..
تبدأ قصة حمل السلاح مع الشباب الصغير الذي يقال بأن دمه حامٍ، فهو بالتالي لا يخضع سوى لسيرته الذاتية، يريد أن يكتبها على طريقته دون أن يشعر بأنه يمليها على نفسه .. والسلاح في هذه الحالة تعبير عن قدرة في حمل المسؤولية، يريد إثبات ذاته وسط الجماعة، يريد مكانة، آمرا بدل أن يكون مأمورا ، فاعلا بدل أن يكون مفعولا به .. الشباب تمرد كما نعرف، صورة الطبيعة في حالة ريح لا تهدأ ، تخلع الأبواب والشبابيك، ولا أحد يمكنه الوقوف في وجهها، يظنها حرية كما يفهم، يظنها شوقا إلى ممارسة أقصى الفجور دون أن يمنعه أحد .. هو عكس تماما القوات النظامية التي لها أنماطها المحددة الشاب المنتسب إليها مقونن تماما. يظل يعارض إلى أن يقع أسيرا مثلا، فيتحول إلى مثل خروف هادئ ضعيف صوته منخفض وعلامات إنسانيته استسلام كامل للآخر.
تلك الحياة لمفاهيمها الرحبة مدرسة لمن يسعى لفهمها على حقيقتها، ربما قراءة دوستويفسكي تقدم لنا أجوبة كثيرة عن الإنسان وأسراره النفسية والاجتماعية، ربما مثلا أن يقرأ المرء الرواية العظيمة لتولستوي ” الحرب والسلم ” كي يفهم أيضا الإنسان على حقيقته. لعل قراءة روايات من هذا النوع أكثر من متعة، أنها تعليم، إبحار في مكنونات يصعب اكتشافها دون مساعدة خبير ككاتب كبير مثل همنجواي أيضا.
في كل الأحوال، نحن أمام مشهد جديد بتنا نعرف دلالاته، يريد ” داعش ” أن يفرضه علينا .. من المؤسف أنه نجح لأنه أسرنا، حولنا إلى مشاهدين غير قادرين سوى على ردات فعل نريدها من غيرنا، وأن حاولنا فقد لا نحقق الشرط الجازم بأن نقتص ليس من الفعل بل من وجوده، أن نجعله مجرد صفر لا أكثر.
كلنا نحب الحياة بمباهجها، نعتبر روائعها كنزا للإنسانية، لكننا أمام المشاهد المؤثرة نتراجع، ونستسلم للضمير والأخلاق والقيم، وهي في علم السياسة تكاد تكون مفقودة، بل في علم المصالح لا قيمة لها. الحاكمون قلة، أمام المحكومين فهم الكثرة الساحقة، ولهذا يكون التأثير شديدا في مواجهة المعضلات، عريضا اجتياحه واسع بلا هوادة.
ولأننا نحب الحياة، نتمنى أن تظل مقبلة، إذا خسر أحد ولو أنه كان رابحا يستاء، وأن مرض أحد وهو في كامل صحته يكتئب، لا يريد الإنسان أن يعيش التناقضات على حقيقتها، وكيف تكون دورة الحياة .كتاب السينما مثلا يعالجون مشكلة الإقبال والإدبار على طريقة فهمهم البسيط، يرسمون دائما نهايات سعيدة لبطل الرواية بعد أن يكون قد مر بمنغصات كثيرة ، هل تعرفون لماذا النهايات سعيدة، هي لأسباب عربية، كل مجتمع يعيش إشكالياته ومشاكله يحتاج لقصص ذات نهايات سعيدة، يقال إنه في العصر الاليزابثي صنع شكسبير نهايات مبهمة أو غير طبيعية لأن المجتمع آنذاك كان مرتاحا.
إذن، نحن أمام مشهد فيه سعي لتوظيفه ضمن المعطى الإنساني لنا .. هو اختراع لشكل يعني معنى، والمعنى هنا بات مفهوما، لماذا قطع الرأس، ولماذا مجرد رؤية القفص الحديدي، ولماذا الصلب، ومن ثم السحل .. نحن نبحث هنا في المعاني كي نصل إلى السؤال أو كلمة لماذا التي تجيب عن كل شيء مبهم. لكن الحقيقة ساطعة كالشمس، فهذا التنظيم يريد ان يقول للجميع إنه مختلف في كل شيء، يريد الإبهار في اللباس، وفي السلاح، وفي شكل الحرب التي يشنها، ثم في أشكال القتل التي يمارسها. هو لا يملك أفكارا يجيب عليها سوى هذا النموذج، لذلك لا حوار معه، هو لا يملك برنامجا سوى تطلعات، بهذه النتف يربط مسلحيه إضافة إلى معطاه المالي إذا اعتبرنا أن هنالك مشكلة بطالة، ومعها مشكلة شباب تائه، ضائع، يريد مشاركة ولا يعرف فيلجأ الى ” داعش ” فاتحا عهد حياته بسلاح يعطيه الإحساس بأنه امتلك العالم وامتلك الحق في أن يحيي ويميت.
نحن إذن أمام حالة بربرية، فاشية بكل معنى الكلمة، هكذا ربى الفاشيون عناصرهم، لا ارتباط بقيم ولا بأفكار، بل بحالة تعبير عن قوة حضور ليس إلا، وحين قتل زعيمهم موسوليني اندثرت على الفور فكرة النظيم الفاشي. فالبرابرة ليسوا نماذج من الفضاء، إنهم كائنات بلا أنسنة، بلا إحلام، مشكوك بطفولتهم، بواقعهم الأسري، بمجتمعهم كافة .. ثم هم يشعرون بأنهم مضطهدون دون أن يمارس عليهم الاضطهاد، لا يعرفون معنى التفريق بين الحرية والفوضى .. نحتاج في هذه الحالة لو أن أحدا منهم يملك ناصية الكتابة أن يقدم لنا تفاصيل عنهم وخصوصا في المعالجة النفسية والاجتماعية.
اليوم يمكن القول إن حالة الرعب التي فرضها ” داعش ” في بدايات التعريف عنه قد خفت وتحولت الى ما يشبه القرف .. عندما تعتاد الناس على حالة يخف بالتالي وهجها وتأثير بداياتها، تماما كالحب بين الرجل والمرأة الذي يخف تدريجا بعد التقارب بينهما ليتحول الى تفاهم وتفهم وثقة واحترام وهو اعمق بكثير مما يسمى بالحب.
دخل المشهد التاريخ وأضيف الى مسلسل الإعدامات التي نقرأ عنها سواء بالمقصلة او قطع الرأس بالفأس او تقطيع الأوصال وغيره، سيذكر قومنا القادم علامات زمن مضى، وسيكون من حقه محاسبتنا على كل تقصير أو تأخير في حسم مواضيع ضرورية. نقول ذلك لأن البربرية مسألة وقت، هي مثل غارة الطيران تغط لترمي قنابلها ثم تترك المكان بسرعة، لكنها حتما تعود مثلما عادت ورأينا مشاهدها، هي جزء من الطبيعة الإنسانية، وهي تدوين لحالة الانغماس الإنساني في التعبير عن إرهاب ذاتي يسعى من خلاله إلى إرهاب الآخر. وبالتالي لايمكن إغلاق مشاهد ” داعش ” عن التأويل، ثمة دواعش سينفصلون يوما لبناء تنظيمهم الخاص مع اسم جديد مختلف ..
هنالك دائما لمعات في التاريخ تظهر فجأة أو من خلال ممهدات، ثم تختفي لكنها تظل علامة موجودة إلى أن تظهر مرة أخرى بشكل جديد أو مفاهيم أخرى. إنه عالمنا ونحن نعرفه، هو تاريخ الإنسانية وقد قرأنا الكثير عما يشبه” داعش ” ومشتقاته، ولهذا يجب ان لا تخيفنا ظاهرة تحمل بذور موتها منذ ولادتها، أو هي مفتتة عندما تخسر رأسها، وكل تفتيت زوال حتمي.
لنا كل الإيمان بأمتنا التي تحكم بعضها عقول راجحة فيها قوة حضور وقوة تفكير وإيمان بشعبها، لكن تنظيما كـ ” داعش ” يمتد كالاخطبوط في اكثر مكان يحتاج بالمقابل الى وقفة عربية إسلامية تمنع تمدده، فمن المحال قتاله بطريقة كل قطر لوحده، هذا التمدد يفرض تجميعا للقوى من كافة أقطار العرب لمنع المزيد منه أولا ، وثانيا لقتله في مهده .. لا شك أن الأخطار محدقة، لكن الصبر عليه والاستعداد لقتاله ودحره والإيمان بالنصر عليه سيلحق به ضربات ذات معنى له تجعله يفكر كثيرا بإمكانياته وبأنه لن يصبح من ثوابت المنطقة، هو فعل طارئ، وشر مستطير يجب سلخه بكافة الطرق.
لقد عشنا لنرى زمن الوحوش الكاسرة وطبيعة التعبير عن حالها .. نملك من الإيمان بأنها حالة تبعث على لم الشمل بدل الإحباط، والقتال بدل اليأس .. نحن في زمن المصاعب ، وهل عاشت الأمة في غير المصاعب ..!.

إلى الأعلى