الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو في الكونجرس… “الحلفاء الأقربون” وخطاب “الربيع النووي”!

نتنياهو في الكونجرس… “الحلفاء الأقربون” وخطاب “الربيع النووي”!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

في خطاب وداعه لمنصبه نبَّه رئيس الأركان السابق لجيش الاحتلال الصهيوني الجنرال بني جانتس لما دعاه “الحاجة لمعالجة المخاطر البعيدة مع الحلفاء الأقربين”. الحلفاء الأقربون هنا هم بالطبع الولايات المتحدة الأميركية، ويمكن إذا ما استطردنا أن نضيف ملحقها الاتحاد الأوروبي، أو دوله بنسب تختلف إن شئنا الدقة. أما الموضوع الذي نبَّه إليه جانتس وهو يودِّع المؤسسة الأم للكيان الصهيوني، فهو لم يزد على ما بات الآن في المقدمة من ملتهب العناوين التي تختزل هوجة المناكفات محتدمة الوطيس المرافقة للحملات الانتخابية لقوى المستوى السياسي الصهيوني المتنافسة على مقاعد الكنيست القادم فيما يقل عن شهر من الآن. أو السباق الصاخب للفوز بتشكيل حكومة ما بعد هذا الكنيست بين معسكري نتنياهو ومن على يمينه وأولئك الذين يعدون على “يسارهم” والمتمثلين الآن في تحالف ليفني ـ هرتسوج. المناكفات هذه تتمحور الآن بشكل رئيس حول خطاب نتنياهو المزمع في الكونجرس الأميركي، أو ما سوف يتحدى بإلقائه فيه الإدارة الأميركية نابشًا في وجهها دبابير هذا العش المتصهين، ولهدف معلن وصريح هو عرقلة توصُّلها إلى اتفاق تسعى إليه حول الملف النووي الإيراني مع طهران، كثرت التكهنات المرجِّحة مؤخرًا لاحتمال أن تسفر المفاوضات الجارية راهنًا عن التوصل إليه.
ما أثاره أو سيثيره إصرار نتنياهو على إلقاء خطاب التحدي هذا من على منبر الكونجرس من لغط سوف يذهب زبده جفاءً في الكيان بانتهاء هوجة الانتخابات. لأن أكثر ما يغضب منافسيه ليس هدفه، وإنما رؤيتهم له كخطاب انتخابي بامتياز من شأنه أن يجلب لصندوق نتنياهو أصواتًا مضافةً تعزز فرص فوزه بتشكيل حكومة ما بعد الكنيست القادم. أي أنه، وعلى الرغم من أن هناك في الكيان، الذي تتحكم فيه فوبيا وجودية مرافقة لوجوده المفتعل وواسمة لطبيعته الاستعمارية المنافية لحقائق التاريخ والجغرافيا، من هم فعلًا يخشون انعكاسات التحدي النتنياهوي على العلاقة الاستراتيجية مع الحليف والعرَّاب الأميركي، الضامن لأمن هذا الكيان الهش وتفوقه المطلق على كل منهم حوله والمتعهِّد لاستمرارية وجوده، إلا أن هناك اطمئنانًا عامًا، وتحديدًا على المستوى السياسي، ينسجم مع نظرة نتنياهو المدركة لعضوية هذه العلاقة، التي توثِّقها المصالح المشتركة ويصونها ويمتِّنها دور الكيان ووظيفته في إطار الاستراتيجية الكونية للحليف الأميركي وملحقه الغربي، وليس أسطورية قوة اللوبي الصهيوني، أو تليد صهينة الكونجرس، من عدمهما، مع وجوب عدم إهمالنا لتأثيرهما.
لا تخفي إدارة أوباما حنقها من تحدي نتنياهو لها في عقر دارها، وعبر مؤسستها التشريعية. تجلى هذا في الامتناع عن استقباله في البيت الأبيض، وإحجام نائب الرئيس عن حضور خطابه في الكونجرس، وصولًا إلى الحديث عن احتمال عدم المشاركة عالية المستوى كالعادة تلبيةً لدعوة “ايباك” المعتادة للبيت الأبيض لحضور مؤتمرها السنوي، وحتى أن تصف وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس لهذا التحدي بأنه “سيكون مدمرًا لنسيج العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة”. بل هناك من الصهاينة من بات يتحدث عن اعتماد لما دعاه باستراتيجية “الكتف الباردة” من قبل إدارة أوباما في التعامل مع نتنياهو وأنصاره الأميركان، أما عربيًّا، فوصل الأمر حد توهُّم البعض بأن هذه الإدارة سوف تحول حتمًا دون نتنياهو والفوز في الانتخابات، وحتى أن سلطة أوسلو الفلسطينية قد جمَّدت حركتها وحتى أنفاسها انتظارًا لهذه المعجزة المأمولة!
هناك من الحقائق اثنتان لا يمكن حجبهما بغربال التمنيات، وأولاهما: إن الكيان، الذي من طبيعته أنه لا يكف في أن ينحو يمينًا أكثر فأكثر، إن هو لم يأتِ بنتنياهو مرة أخرى فلسوف يعيد إنتاجه بمسمى آخر. وثانيتهما: إن عضوية العلاقة بين الثكنة المتقدمة ومركزها الأميركي لا تجد، ضحدًا لما يثار من لغط حولها راهنًا ويدلل على ثباته ورسوخ عروتها الوثقى، ما هو الأفضل من إبرام صفقة طائرات “ف35″ الأربع عشرة المتطورة والمتملصة من الرادارات والأكثر تقدمًا في العالم، وما يتبع من منظومات دعم لوجستي، وتدريب للطيارين والطواقم الأرضية، وقطع الغيار، والتي تعد بمثابة التكملة لصفقة سابقة بـ11 طائرة من ذات الطراز عقدت في العام 2010، والحديث يدور الآن عن ما سوف يصل إلى 33 طائرة من هذا النوع مستقبلًا …بالمناسبة، هذه النوع من الطائرات رفضت الولايات المتحدة بيعه لدول عربية تعد نفسها حليفة للولايات المتحدة، واللافت أنه ولإنقاص تكلفة الصفقة البالغة أكثر من ثلاثة مليارات دولار تم الاتفاق على شراء منتجات عسكرية من الكيان الصهيوني بـ868 مليون دولار، منها مثلًا قبَّعة الطيار، لكن الأهم هو إنتاج جناح الطائرة عينها في الكيان الصهيوني مع مكوِّنات أخرى ذات صلة بالبرمجة والتوجيه، بما يعنيه هذا من نقل لجزء من تقنيتها إليه أو مشاركته فيها.
…مهما استبد الحنق بالإدارة الأميركية حيال غطرسة نتنياهو وتحديه لها، فلا يبدو أن كتف أوباما مهما بردت حياله تبرر مخاوف الجنرال جانتس، أو يستدعي ما تخشاه رايس… هناك تعقيب لمايكل أورن، السفير الصهيوني السابق في واشنطن والمنتمي الآن لحزب “كلنا”، بشأن الحديث عن احتمال مقاطعة البيت الأبيض لمؤتمر اللوبي اليهودي الأميركي “ايباك”، قال فيه، “إذا قررت الإدارة الأميركية مقاطعة ايباك فإنها عمليًّا تكون قد قررت مقاطعة الحلف الاستراتيجي مع أسرائيل. ايباك ذخر استراتيجي، ومحظور السماح بالإضرار بهذه المكانة”!!!

إلى الأعلى