الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: بكاء متحف الموصل

باختصار: بكاء متحف الموصل

زهير ماجد

في إحدى هجمات إسرائيل على لبنان خلال سبعينات القرن الماضي هبطت مروحية للجيش الإسرائيلي فوق قبر تاريخي للملك احيرام وحملته معها إلى داخل كيان العدو .. كان معروفا أن إسرائيل تفتش عن تاريخ لها ليس موجودا بل تريد أن تصنعه وبأي شكل كان، فما كان منها سوى أن سطت على تاريخ الشعب الفلسطيني وسرقت من لبنان ومن عديد المتاحف والدول، ويقال إنها وضعت يدها على بعض الآثار التي نهبت من الأراضي السورية، وحين نهب المتحف العراقي إبان الاجتياح الأميركي للعراق نهبت ما تيسر لها، وها هي اليوم تفلت برابرتها الجدد لتمعن في تكسير وتحطيم تراث حضاري في متحف الموصل، كون هنالك عداوة بين الحضارة والبربرية، بين التراث الإنساني وبين إلغائه كي لا يكون شاهدا على انتماء المنطقة له .. يريدون الأمة بلا تاريخ، يخجلهم أن يكون هنالك ما يعبر عن توغل الأمة في حقبات مرت عليها كانت فيها مشرقة وواعدة.
كأني بمتحف الموصل يرسل دمعا سخيا فيه الكثير من الغضب المعلن .. إنه مخزون التاريخ بات قطعا متناثرة، بل هو التاريخ المحكي عن ذات كان لها قامة وفعل وحضارة، بل كان لها شأن في زمن لم يكن الإنسان في أمكنة كثيرة قد عرف صورة وجهه .. كانت منطقة بلاد الرافدين صديقة الإنسان الذي عمرها وحكى فيها ما عاشه من تقدم عصره ومن المعية فنه، فأن يترك وراءه إرثا له معنى، يعني أنه قدم للبشرية الكيفية اللازمة لعيش متطور وكريم.
ليس في قاموس البربرية سوى شطب الماضي لأن مشرووعها البربري الإسرائيلي إلغاء هوية المكان كي لا يستدل عليه. يريدون محو الصورة المتقدمة التي كتبها الرقي الذي وصل إلينا كحلم نعشق التمسك به كي نفوز بالمستقبل، فمن لا ماضي له ليس لها حاضر ولا مستقبل، ومن يطلق النار على تاريخه يسعى لإلغاء ذاته. لكن هؤلاء البرابرة لن يفهموا أن ثمة حضارة رسمت هذا الألق كله وأنها وضعت توقيعها ومضت من أجل أن نتذكر دائما أننا لم نأتِ من فراغ، وأن حتى الأديان لم تكن على خصومة معها.
هذا التحطيم والتكسير بهذه الأريحية كأنه عملية انتقام ليس إلا .. بل هو الانتقام بعينه لأناس يغضبهم أن ثمة ماضيا وله قيمة وله حضور وإذا ما أقمنا له المتاحف فلأننا نجله ونعترف بانعكاسه علينا وعلى قيمنا، بل نتمسك به لأننا نتمسك بصورتنا في التاريخ، وهو إن حكى بتلك الطريقة فلأنه أراد أن يستمر في حضوره التراثي .. أعطانا دائما الأمل بأن ثمة بشرا كانوا وفعلوا ولعبوا دورا وتركوا الراية الحضارية منقولة من يد إلى أخرى حتى وصلها الإسلام ولم يلغها، وكيف يكون الدين حضاريا إذا لم يعترف بما سبقه.
كان حزنا شبيها بالغضب ونحن نرى كيف يقتل البرابرة تاريخا، رأينا مثيلا له في أمكنة أخرى، وقرأنا لبعضهم ذات مرة ومن أناس يدعون الإسلام مطالبة بتغطية أهرامات مصر.
من يذبح شعبا ومن يحرقه ويصلبه ويتلذذ في تعذيب البشر ويتصيدهم، يقتل تاريخا أيضا .. هي ذات اليد التي كيفما التفتت ترتكب الإثم الذي يضيف إلينا المزيد من الحقد لمقاتلته قبل أن يهدم بيوتنا ويدمر كهرباءنا ويعتدي على مائنا ويغير شوارعنا بأن يرفع عنها الزفت مثلا كي تعود ترابا لأن الزفت من عمران أضافه الإنسان من أجل رفاهية هي ضد البربرية.

إلى الأعلى