الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات .. مسقط بين تطلعات الفرس، وجحيم الأوروبيين
تاريخيات .. مسقط بين تطلعات الفرس، وجحيم الأوروبيين

تاريخيات .. مسقط بين تطلعات الفرس، وجحيم الأوروبيين

عرف الإنجليز الذين يتصفون بالدهاء منذ القدم، كيف يدخلون الخليج العربي، وكان أول من فكر من أباطرة الإنجليز بالنفوذ إلى الشرق هي الملكة اليزابيث الأولى، وكانت تعرف ما هي عليه المملكة الفارسية من عداء مع الأتراك العثمانيين، فأنفذت في عام 1561م مبعوثًا لها إلى البلاد الفارسية، مزودًا برسالة ودية إلى الشاه تعرض فيها رغبة انجلترا بإقامة علاقات تجارية مع فارس.
وأرست انجلترا مبعوثًا جديدًا إلى فارس وذلك عام 1579م، وهو في هذه المرة قس كاثوليكي يدعى “ستيفر” وكانت وجهة الهند مبشارة، وقد عرف هذا الداهية في أي وسط ينشط، فعمل بكلية للجزويت في “جوا” البرتغالية، ومن هناك كان يبعث بالرسالة تلو الرسالة إلى الوطن الأم، واصفًا ما هلي عليه التجارة في الشرق، وصفًا يتحلب له لعاب التجار المغامرين، فكان أن قفى على آثاره في عام 1580م المدعو جون ينويري الذي نفذ إلى هرمز قلعة البرتغاليين على الخليج، وطاف بمنطقة الخليج أقصاها إلى أقصاها.
ويصف هذا المغامر لمواطنيه ما هو عليه الشرق من ثراء، وكيف تثقل المرأة الشرقية أذنيها، وأحيانًا أنفها وصدرها ومعصميها، بالأقراط والخزام والأطواق والأوساور، ناهيك عن الخلاخيل التي تحلى بها وجليها، وكل تلك الزينة والحلية من الذهب الخالص والجواهر واللآلئ مما تشتهيه كل أنثى ويسعى كل ذكر لإرضائها به.
وبلغت المطامع بريطانية في الشرق ذروتها حين سطا المدعو “دريك” عام 1587هـ الصفحات عن الأرباح الأسطورية التي يجنيها البرتغاليون.
وتترى الأحداث سراعًا متلاحقة، إذ تمكن الأسطول البريطاني أن يدفن الأرمادا في أعمال اليوم، وبذا تخلص الإنجليز من منافسيهم الأسبان الأقوياء الشكيمة والسلطان، وارتقى عرض فارس رجل هو الشاه عباس الأكبر الذي رأى أن الإنجليز حلفاء طبيعيين ضد أعدائه التقليديين: الأتراك، وأعدائه وأعدائهم معًا: البرتغاليين الذين يأخذون بخناقه لاحتلالهم مفتاح بلاده: جزيرة هرمز.
ولم يمض طويل وقت على تولي الشاه عباس الحكم، حتى برز في بلاطه الشقيقان أنطوني وبوربير تشيرلي، وقد عرفا كيف ينغمذان إلى قلبه، إذ حملا له الكثير من الهدايا ومنها ستون ألف بندقية، ما كان أحوجه إليها في حربه مع الأتراك.
ولم يتردد الشاه في اتباع كل خطة يشير بها الأخوان، حتى أنه رفع أحدهما لمقام سفير له في بلاطات أوروبا، وكانت الحصيلة الأهم من ذلك، أن شرع الرجل أبواب بلاده على مصاريعها للتجارة البريطانية وأعفاها من المكوس.
وبذا تحقق للإنجليز ما كانوا يطمعون به من الاتجار مع الفرس، يشترون منهم الحرير وبضائع أخرى ويبيعونهم منسوجاتهم، وبخاصة الجوخ والمنسوجات الصوفية، بسبب ما يحتاجه الفرس للدفء أيام الشتاء.
وفي مستهل القرن السابع عشر كانت الملكة اليزابيث تدشن بنفسها شركة الهند الشرقية، فأوجس البرتغاليون خيفة، وشعروا بالخطر المحدق بهم، فأوعزوا إلى الحاكم البرتغالي بالهند بأن يهتم بأمر القلاع والحصون في جميع المستعمرات البرتغالية في الهند وفي الخليج، لأنهم يعرفون إمام أي منافس قد أصبحوا، وما عهدهم بحادث إغراق الارمادا ببعيد.
وهكذا، وتحت عاملي الخوف والغضب معًا، وإبقاءً على سيطرتهم التجارية على المنطقة، أخذ البرتغاليون يضايقون السفن الإنجليزية، ويتصدرون لها، ويمنعون عبور أية سفينة إلى الخليج ما لم تحمل ترخيصًا من أحد الموانئ البرتغالية.
ولم يكن الإنجليز ممن يخافون التحدي، وليس ببعيد أنهم كانوا يستدرجون البرتغاليون لحلبته، معتمدين في ذلك على صداقتهم مع فارس والشاه عباس الذي كان يتحرق لتحرير هرمز الموجهة كالحربة إلى قلب فارس، والذي عقد مع الإنجليز اتفاقية غريبة للإستيلاء عليها وتخليصها من يد البرتغاليين.
واستنادًا إلى قوة الإنجليز طفق الشاه عباس منذ عام 1602م يجرد حملاته على القلاع البرتغالية، وفي ذلك العام بالذات هاجر البحرين، وانتزعها من يدهم واحتلها فترة قصيرة من الزمن، وفي عامي 1612م و1615م نازل الإنجليز البرتغاليين قرب سورات وهزموهم، لكن البرتغاليين لم يكونوا من النوع الذي يستسلم بسهولة، ولذلك فإنهم – وقد أصبحوا على بينة من نوايا الشاه والإنجليز معًا. سارعوا إلى احتلال بندر عباس خوفًا من أن يضطروا إلى الجلاء عن هرمز التي شرع الشاه يطالب بها، ويوعز إلى حكام المقاطعة باستردادها، لكن البرتغاليين اضطروا بعد عامين من الحصار إلى أن يجلوا عن بندر عباس.
وفي عام 1616م، أغار البرتغاليون على ميناء صحار الذي كان ينافس موانئهم في مسقط وهرمز، فهدموه بعد أن نهبوه.
ولكن بينما كان الإنجليز من وراء شركة الهند الشرقية يتغلغلون في فارس، وتزداد تجارتهم رواجًا مما يؤثر تأثيرًا سيئًا على مراكز البرتغاليين في هرمز، شرع هؤلاء يحاولون عبثًا استمالة الشاه عباس، الذي كان يفكر بطريقة مغايرة تمامًا، إلا سيما وقد خيم السلام على ألحدود الفارسية التركية، وسجل الأسطول الإنجليزي تفوقًا ملحوظًا على الأسطول البرتغالي، مما شجعه على طرد البرتغاليين بالتعاون مع العرب عام 1620م..
ولما رأى الشاه عباس أن موعد اتفاقه مع الإنجليز قد حان، جعل يطالب بالعائدات التي كانت هرمز تدفعها للشاه باعتبارها من أملاكه، والتي كانت قد انقطعت منذ استيلاء البوكيرك عليها، ولكن البرتغاليين في قلعتهم في جزيرة قشم، والمطمئنين لوجود أسطولهم بحراسة هرمز، رفضوا طلب الشاه، فبدأ الشاه أولى عملياته الحربية بحصار القلعة بقيادة “إمام كولي خان شيزار”.
وكان مقدرًا للفرس أن يخفقوا في تلك المغامرة لولا ظهور الأسطول الإنجليزي القادم إلى ميناء بندر عباس من الهند.
ودارت مفاوضات ما بين القوات الفارسية، وقائد الأسطول الإنجليزي بغية الهجوم المشترك على قشم وهرمز، وهدد الفرس الإنجليز بحرمانهم مما حصلوا عليه من امتيازات تجارية، وبخاصة احتكار الحرير الفارسي. ووجدت شركة الهند الشرقية الفرصة مؤاتية للتخلص نهائيًا من البرتغاليين الذين يشكلون الخطر الرئيسي على التجارة الإنجليزية، فأمر المجلس الأعلى للشركة قائد الأسطول بخوض المعركة إلى جانب الفرس، شريطة أن تحتفظ انجلترا بقلعة هرمز، وأن يقتسم الفريقان المغانم بالتساوي، وأن تعفى التجارة الإنجليزية في بندر عباس من الضرائب إلى الأبد.
وبناء على ذلك خاض الأسطول الإنجليزي الحرب في أول عام 1622م، ولم يصمد البرتغاليون طويلاً تجاه هذا الحلف، فاستسلمت قلعة قشم أولاً، لكن الحصار الشديد أرغمهم على الاستسلام، وفي أبريل من العام نفسه أنزل العلم البرتغالي من على قلعة هرمز إلى الأبد. ولم تنفذ بنود المعاهدة المبرمة ما بين الفرس والإنجليز بسبب استئثار الفرس بالمغانم كلها، ولا سيما المواد الحربية من أسلحة وذخيرة، كما اشتروا منهم حصتهم من المنهوبات بأبخس الأثمان، والأهم من كل ذلك أنهم لم يسلموا القلعة إلى الإنجليز كما يقضي الاتفاق المبرم، فشعر هؤلاء بأنهم أهينوا، وأنهم خدموا بهذه الحرب قضية الفرس وحدهم.
وكان الفرس يأملون أن يستعينوا بالإنجليز على مهاجمة مسقط، لكن هؤلاء اعتذروا عن ذلك متناسين – في سبيل حرية تجارتهم مع فارس – خسائرهم وما لحقهم من نقض المعاهدة، لكن الشاه أكد وعده لهم ببيعهم أية كمية يريدونها من الحرير الفارسي، وإدخال بضائعهم دون أية ضريبة، ورعاية مصالهم في شيزار واصفهان. وقد احتل الفرس على الشط المقابل مدينتي صحار وخورفكان على ساحل عمان، لكن البرتغاليين ما لبثوا أن جمعوا قواهم واستعادوا المدينتين منهم، وهاجموا الساحل الفارسي، وعاث قراصنتهم في البحر فسادًا.
وهنا عادت القوى العربية تبرز من جديد، إذ أغار إمام عمان عام 1640م على الحصن البرتغالي في مسقط، ثم ارتد عنه، وفي عام 1643م، عاود الإمام هجماته على المواقع البرتغالية، فاستولى على صحار. وطرد منها البرتغاليين بعد أن حكموها 20 عامًا، وفي عامي 1648- 1649م نزلت بالبرتغاليين الضربة الأخيرة، فقد حاصر العثمانيون مسقط لمساندة القوى العربية فيها، ولما وصل أسطول برتغالي من الهند بقيادة الحاكم البرتغالي هناك لانقاذ مسقط، كان الأمر قد انتهى، وكان الحصن والمدينة في قبضة الأيدي الوطنية، ولم يوقف العرب زحفهم، بل واصلوه ليزيلوا آخر معقل للبرتغال في الخليج.
وحاول حاكم الهند البرتغالي استعادة مراكز البرتغاليين على سواحل الخليج من جديد، فأرسل عام 1652م أسطولاً التقى قرب مسقط بأسطول عربي، وقد لعبت الحامية العربية دورًا هامًا في هذه المعركة، إذ رمى حصين مسقط العربي السفن البرتغالية بوابل من مدفعيته، مما اضطر الأسطول البرتغالي إلى التراجع.
وبذلك خسر البرتغاليون جميع مستعمراتهم على الشط العربي، ولم يبق لهم في الخليج غير مرفأ كنج على الساحل الشرقي الذي خسروه كذلك بعد وقت قصير. وهكذا كانت نهاية الاستعمار البرتغالي في الشرق.

محمد بن حمد الشعيلي
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى