الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أنماط القصيدة الحديثة وخصائصها الفنية في شعر محمد الحارثي

أنماط القصيدة الحديثة وخصائصها الفنية في شعر محمد الحارثي

القصيدة الحديثة مفعمة بالتنوع لا تعترف بقيد، وكلما رسمت لها قوانين تجاوزتها، وهي تريد بذلك أن تبرهن على مقدرتها في الحفاظ على خصائص الشعر بأنماط متغيرة، ويتمثل السؤال الذي يتكرر عند قراءة أي تجربة شعرية فيما إذا كانت هذه التجربة وصلت إلى النضج الذي يحفظ للشعر خصائصه؛ وكيف؟
من هذا المنطلق تحاول هذه المداخلة أن تجيب عن ذلك السؤال استنادًا إلى التجربة الأدبية لمحمد الحارثي التي أكملت أكثر من خمس وعشرين سنة شعرية، وهي بذلك ستسلط الضوء على الأسس الفنية التي اعتمدت عليها تجربة الحارثي في عجالة تطمح إلى الدقة والموضوعية.
وإن جاز لنا أن نستبق النتائج المتوقعة لهذه المداخلة فسيمكن أن نقول إن محمد الحارثي هو “شاعر السرد” الذي يبني شعره بطوب السرد ويغلفه بصبغة شعرية لها ألوان مختلفة، هذه الألوان هي مزيج من الخيال والفكر والغنائية. لقد عاش محمد الحارثي – ومازال – في نصوصه، وهو مغرم بتحويل المواقف إلى حكايات والحكايات إلى ومضات فكرية وإلى دراما ملغزة أو إلى حواريات لا تقدم إجابة محددة.
لم يبن محمد الحارثي مشروعه الشعري على عنف الكلمة أو على قصف الأفكار المستقرة أو على التدويم الرومانسي أوالتحويم الصوفي أو على الولع السياسي لكنه بناه على السرد النفسي الذي يبحث عن الإدراك وينقب عن الفكرة ويسبر أغوار النفس بيد أنه لا يستبطنها بمصطلحات جافة بقدر ما يؤولها إلى صور تقولها اللغة ويصمت عندها الكلام.
محمد الحارثي باختصار مملوء بالريب الذي يولّد الأسئلة، وهو بالتالي مملوء بالأسئلة التي تبحث عن إجابات، وهو يبحث عن تلك الإجابات بالشعر الذي تحولّ إلى منقّ للأفكار ومرشّح للأحلام.. إنه يمارس ما يطلق عليه الفلاسفة “التكشّف بالتأملات” فهو لا يتأمّل ليكتشف لكنه يكشف ليتأمّل… فأصبح هو السؤال وهو الإجابة عن ذلك السؤال، هو الريب وهو الريب الذي يرتاب في الريب، هكذا تحول شعره إلى حلقة من حلقات الفكر وهذا بالضبط ما يبرر هذا الشعر وما يجعله حديثًا، نحن لا نقول إن تحويل الشعر إلى فكر شيء جديد فهذا معهود في الشعر الحديث، لكننا نقول إن الفكر الذي يقدمه شعر الحارثي هو فكر مفعم بالوجود، ليس وجوديّا يبحث عن الواجد والموجود لكنه وجودي لأنه يراقب تفاصيل الإنسان البسيطة ويسجلها ويتأملها ليكتشف شيئًا يصمت عن قوله، لا ندري لماذا يفعل هذا لكنه يفعله باستمرار والراجح أنه وصل إلى قناعات وقرر أن يحتفظ ببعضها – على الأقل لنفسه.
لقد كان محمد الحارثي يظهر باستمرار في بدايات قصائده لكنه أيضًا كان يختفي باستمرار من نهاياتها … كان يفعل ذلك بحذق اللاعب الذي يحتفظ بخيوط اللعبة ولا يظهر.. والفارق الجوهري هنا أن الشعر ليس لعبة بل هو مهمة مستحيلة تحارب العدم، هو توق الإنسان إلى الخلود .. خلود الإبداع… هو بحث مستمر عن الحرية، حرية الفكر… هو محاولة لقول شيئ لا تقوله اللغة لكنه في النهاية لا يقول إلا ما تسمح به اللغة… ولذلك فإن الشعر في النهاية هو فن اللغة الأول ، له خصائصه ومستوياته التي تظل بحاجة إلى بحث وتحديد، ومن هذا المنطلق ستحاول هذه المداخلة وصف الأنماط البنائية لقصائد محمد الحارثي وما تتميز به من خلال بعض النماذج.

1- النمط القصصي
هو النمط الذي يعتمد بناؤه على قصة أو حكاية أو حدث مسبب للأفعال أو مسبب للقصيدة، ويكثر هذا النمط في مجموعة “كل ليلة وضحاها”
ومن نصوصه نص “ليلة كويمبرا” من مجموعة “عيون طوال النهار”، ونص “ساعات الرياحين السوداء” ونص “ظهيرة في الأعالي” ونص”حانة يونانية جدًّا” ونص”نمر أوكايمدن” ونص”قبة الصباح” من مجموعة “كل ليلة وضحاها”.
وإذا أخذنا نص”حانة يونانية جدًّا” مثالاً على هذا النمط سنجد أن النص يرتب على هيئة أسطر متصلة يبررها ارتفاع درجة الانسجام والترابط بين الجمل الشعرية، وهو يبدأ باستهلال قصصي بامتياز:
“كان الوقت فائضًا أكثر من ألسنة الشوارع والكنائس والمتاحف التي اقترحها صديقي لأقضي بها الساعات السبع في أوفينباخ..”
إن الوقت الفائض لا يحضر في هذا الاستهلال حضورًا تقليديا بل يحضر على أنه حدث دفع شخصية السارد إلى الحانة اليونانية التي استطاعت التغلب على الكسل المسيطر في الخارج، وهذا ما أتاح للكاتب أن يجعل من الوصول إلى الحانة اليونانية حدثًا أساسيًّا وأن يجعل الحانة موضوعًا للنص وخاتمة له.
وبالرغم من الشكل البنائي البسيط الذي يتكون من استهلال وحدث ونهاية فقد استطاع الكاتب أن يحتفظ بأركان البنية القصصية من مغزى وزمان ومكان وشخصيات، فاستطاع مثلاً أن يدمج في مفردة الحانة بنية الزمان ببنية المكان فيصفها قائلاً: “حيث الأبدية ترقص في ألوان الآلهة”
أما الشخصيات فقد نمت بسرعة، فبالإضافة إلى شخصية الراوي وشخصية الصديق نجد شخصية النادل العجوز وشخصية أبي نواس الغائبة. ولقد استطاع النص أن يرسم الملامح الأساسية لهذه الشخصيات بما يساعدها على أداء دورها، فغياب شخصية الصديق لإنجاز صفقة رابحة تقود الراوي إلى الحانة، و وصوله إلى الحانة يعرّفه على شخصية النادل العجوز الذي يحتفظ بمقعد خال منذ عشرة أعوام لأبي نواس الذي لا يجيء.
أمّا النهاية فقد كانت لصالح النص لأنها سجّلت امتزاج القص بالشعر عبر الرواية:
“راويًا لي قصة قصيرة تحدث كل ليلة في حانته، نادرًا ما يضمّنها بيتين أو ثلاثة.”
وبذلك ينجح هذا النص في تجاوز الشكل المعهود للنص الشعري ليقدمه لنا على هيئة خاصة جدًّا ليست قصة شعرية ولا شعر قصصي ولكن هي النمط الشعري القصصي .

2- النمط السردي
هو النمط الذي يعتمد بناؤه على السرد أو تقديم الرؤية السردية بأنواعها الرؤية من الخلف والرؤية مع والرؤية من الخارج، ويكثر هذا النوع في المجموعة الأولى “عيون طول النهار”، ومن نصوصه نص “موظف” ونص “قصيدة للفرح” ونص “كلما نسينا” ونص “بينما مطر يغسل المرايا”. كذلك نجده في نص “أصابع الغيم” من مجموعة “كل ليلة وضحاها”.
ولما كان السرد هو الطريقة التي تنقل بها القصة أو الحدث إلى المستقبل فإن عناصر السرد تحتكم إلى التواصل الحادث ما بين السارد والمسرود له عبر القصة أو الحدث. وهذا يعني أن القصة هنا ليست هي الشيء الأساسي وإنما النتيجة التي يفضي إليها ذلك التواصل بين السارد والمسرود له. وبالنظر إلى هذا الشرط الجوهري فإن هذا النمط يتجاهل القصة لصالح تقديم الرؤية أو المغزى الذي يستهدفه النص، وإذا ما نظرنا مثلاً إلى نص “بينما مطر يغسل المرايا” سنجد أنه لا يبدأ بالقصة وإنما بتصوير زمني مفعم بالغموض:
“ببطء شجرةِ لوز
في الطرف الآخر من النهار
حيثُ الليل يستيقظُ بغفوةٍ لم تكتمل
وبأحلامٍ لن تُروى: ”
في هذا الاستهلال تحولت الدلالة المكانية لشجرة اللوز إلى دلالة زمانية وتحولت الدلالة الزمانية للنهار إلى دلالة مكانية وكذلك تحولت الدلالة الزمانية لليل إلى دلالة حركية، وكان من المتوقع أن تقود التحويرات الدلالية المسرود له إلى طرح الأسئلة عن المغزى الذي لم يشف. ولمّا احتاج النص إلى ذلك أتت القصة على نحو غير مباشر:
“تاركةً حريق َ شعرها الحريري غريقًا في النهر الفائض خلف المحطّة -تصعد الباصَ طالبة السنة الثالثة بفرع علم الحياة القديمة بعدما أمضت نهارها تستكنه سرّا عصيًّا لأحفورة من العصر الطباشيري وجدته اليوم بمتحف الجامعة. ”
لقد تحوّلت القصة هنا إلى وحدة سردية جزئية لم تقل شئًا عن مغزى النص لكنها في الواقع أسست للوحدات السردية التي تتوالى حسب الرؤية المستهدفة:
“بينما مطر يغسل المرايا
في لوحة إعلان إلكترونية”

“وشمس
تطفئ قنديلها
في مقهى”

“حيث يشرب قهوته
مسافر ”

“صعدت الباص الذي
سيعبر الجسر بعد قليل.”

و الغموض الذي يكتنف هذه الوحدات السردية ينجلي فور اكتمال الرسالة السردية ليفهمها المسرود له على قدر استعداده لربط الأجزاء ببعضها، وهذا ما قد يتيح له في النهاية اكتشاف الحقيقة الجوهرية للحياة القصيرة.

3- النمط الوصفي أو الواقعي
هو النمط الذي يعتمد بناؤه على النقل والتوثيق، ويقل الخيال في هذا النوع مما يجعله نوعًا يختلف عن النمط السردي، ونجد هذا النمط مثلاً في النصوص التي تنتمي إلى السيرة الذاتية والسيرة الموضوعية أو الغيرية، ومن ذلك نص “خنجر الماء” ونص “أبوالكلام” من مجموعة “عيون طوال النهار”، ونص “بورتريه يوسف فاضل” ونص “صلاح عبداللطيف” من مجموعة “كل ليلة وضحاها”، وكذلك نص”ميكانيكي فاشل مطلع السبعينيات” ونص “كوخ الجزيرة” ونص “مقهى الـ(ة)ـاء المربوطة” ونص “دراسة في تدرّجات الظلال المصاحبة للإعصار” من مجموعة “عودة للكتاب بقلم رصاص”.
في نص”ميكانيكي فاشل مطلع السبعينيات” يصرح الكاتب بأنه ينقل “سيرة مستعادة من مراهقة السيرة” ليأتي بعد ذلك عرض لاهتماماته في تلك الفترة، وحتى لو صرفنا النظر عن ذلك التصريح سنجد أن هناك تطابق تام بين الكاتب والسارد والشخصية التي يسرد سيرتها حيث يقول في بداية النص:
“في مراهقتي المبكرة انشغلت بأحشاء “”"لاندروفرات” ذلك الزمان
(موديلات 1967 وما تلاها)”
وبمضي القراءة نكتشف أن هناك شخصية الميكانيكي الفاشل التي لم تتشكل أبدًا لأنها تحوّلت إلى شخصية أخرى هي شخصية الشاعر الناجح، كما نجد شحصية الميكانيكي الناجح التي لم تنل لقب الشاعرية لكنها حظيت بلقب “شيخ الميكانيكية”، وبينما تعددت شخصيات الشعراء الذين يذكرهم النص من مثل أمرئ القيس وأبي مسلم البهلاني والمتنبي فإن شخصية “حسّون” هي شخصية الميكانيكي الوحيد الذي يحقق تلك الصفة وفي الوقت نفسه يطلق على نفسه لقب “شيخ”، و في بداية النص يحدث التداخل بين الشخصيتين (الفاشل والناجح) إلا أنه بتطوّر النص يتخلى السرد عن شخصية الميكانيكي الناجح لصالح شخصية الميكانيكي الفاشل الذي اختار النجاح في “جراج الكلمات” مثلما قال.
ولأن المرجعية هنا واقعية فإننا نجد -بالإضافة إلى تحديد الشخصية -نجد أيضًا المفردات الواقعية الأخرى من مثل الزمن المباشر كالذي أحال إليه الاستهلال السابق، كما نجد الأمكنة الواقعية بأنواعها المتحرك والثابت، القريب والبعيد، الصغير والكبير، المحدود واللامحدود – ومنها صور المكان الجغرافي التي عاشت فيها شخصية “الميكانيكي الفاشل”:
“في المستقبل سأصبح مكانيكيًّا يصلّح في منفسح “الجرداء”
أعطال السيارات تحت سدرة “مقيحفة”
قُبيل بلوغ حُلقوم “وادي العَق”"
ونحن ندرك مقدار التحول الذي أنجزته هذه الشخصية الرئيسية عندما تصرّح بشيء آخر يعارض التصريح الأول قائلة:
“لن أصبح ميكانيكيًّا مثلك ياحسّون، بل شاعرًا مغرّدًا كطائر
الحسّون فوق سدرة النبق هذه”
هذا التحول يوثقه النص بقسم طويل يؤكد القرار المفاجئ وينتهي بهذه الوحدة السردية:
“لن أصبح مثلك ميكانيكيًا
لكنّي قد أتخلّى طوعًا عن بيت الشعر الموزون
وطواعًا قد أتفيقه في تحبير قصيدة نثر.”

4- النمط الدرامي
هو النمط الذي يعتمد بناؤه على التوترات المستمرة والتناقضات المتقابلة والتجارب المختلفة والتفاعل المولّد، وبينما يقل هذا النمط في المجموعة الثالثة نجد أنه يكثر في المجموعتين الأولى والثانية، ومن نصوصه في مجموعة “عيون طوال النهار” نص “ثمار أثرية” ونص “رجل لصباح مهزوم”. أمّا المجموعة الثانية فنجد فيها: نص “بطانيات بوذا” ونص “غياهب الشمعة”.
وبالنظر إلى نص “ثمار أثرية” نجد أنه يبدأ بجملتين تفصحان عن مدى التعارض الذي يسجله النص ويشحن به الكلمات الواحدة تلو الأخرى:
“الألف عصي مكسورة على ظهر البحر
والخطى سجّادةٌ بلا أهداب”
فبينما تدل “الألف” على الاستقامة والشموخ نجد أنها في الواقع الذي ينقله النص لا تدل على ذلك وإنما تدل على الانكسار والاستلقاء، وبينما تدل الخطى على الحركة فإنها هنا تدل على الجمود والثبات، وهكذا ينفتح النص على مشاهد مليئة بالتناقض الفج الذي تنقله الصور الصارخة، فتنقل اللازمة الأولى عمق المعاناة من تركات ثقيلة لا تسمح بالحركة:
“التركات ثقيلة
كفأس في الهواء”
ويأتي المشهد الأول ليصوّر تلك المعاناة بمفردات كثيرة:
“اليباس مرآة
والصورة منزل
يسوّر الأحلام
بالصّدى الطيني
لمأذنة..”
فاليباس هنا هو المشاهَد حتى في المرايا، والمنزل الذي يفترض أن يعج بالحياة لم يعد إلا صورة فيها أحلام حبست بصدى المأذنة الذي يرجّع المواعظ بشكل مستمر كأنه يكافح الحرية، ولكن مع ذلك لم يكن الصدأ الطيني هو السور الوحيد الذي يحبس الأحلام، وإنما توالت في هذا المشهد التفاصيل التي كونت جملة من الأسوار، فنجد “الدموع والجدران”:
“بالدموع مطليّة بها الجدرانُ
والطاوله.”
ونجد “المقعد النادم”:
“بالمقعد غارقًا في ندمه الأول.”
ونجد “الثمار الأثرية”:
“والشجرة تمسّد زاوية الشمس
بالثمار الأثريّة.”
ونجد “العشاء القديم”:
“بالعشاء القديم ينتظر العائله
التي لم تعد عائله
منذ المساء المموّهِ صباهُ بالمعادن والفوانيس.”
وعندما ينتهي المشهد الأول يستعيد النص اللازمة الأولى في نسخة معدّلة
ليكرر طريقة البناء السابقة حتى يستجلي صور التناقض والتعارض التي تعيشها شخصيات النص.

5- النمط الحواري
هو النمط الذي يعتمد بناؤه على الحوار المباشر وغير المباشر، وهذا النوع قليل قياسًا بالأنواع الأخرى، ونجده مثلاً في نص “لوحة مفاتيح ذكية في سرنديب” ونص “المصطفى” ونص “وثن” ونص “حاشية لفهرس المصادر والمراجع” من مجموعة “عودة للكتاب بقلم رصاص”. ومن الواضح أن الحوار الذي نشير إليه في هذه النصوص يشمل أيضًا الخطاب المباشر أو بصيغة أخرى الحوار الأحادي الذي يعرض وجهة النظر أو يجيب عن سؤال أو يهدف إلى الإقناع بشيء، أمّا الحوار الثنائي أو الجماعي فإنه يحضر أيضًا في بعض النصوص لكنه لا يشكلها على نحو مستقل عن السرد أو الوصف، ونحن نجده مثلاً في نص “لوحة مفاتيح ذكية في سرنديب”، فعنوان هذا النص يحوي بالأساس عنوانًا فرعيًّا هو (اعتذار متأخر إلى والت وِتمان) ثم يستند بعد ذلك على اقتباس من آلن غينسبرغ يقول ” إلى أين نذهب، والت وتمان؟ الأبواب ستغلق في مدى ساعة. إلى أيّ طريق تشير لحيتكَ الليلة؟”
وامتدادًا لهذا الخطاب الموجّه إلى والت وتمان يستحضر النص في بدايته وتمان ليحاوره عن الحواسيب النقّالة قائلاً:
“بعد إدماني الحواسيب النقالةَ يا شيخي والت وتمان
قررتُ العودة للكتابة بقلم رصاص”
وكأنه قصة ملغزة؛ يعود النص بعد ذلك ليشرح في الجزء الأول منه سبب ذلك القرار ذاكرًا أحداث 11 سبتمبر وعودة محاكم التفتيش والتأثّر بقلم المتنبّي، ثم في القسم الثاني منه يؤكد الكاتب ذلك القرار بمفردات حوارية جدًّا:
” نعم، نعم طلقت الحواسيب عودةً لبساطة الكتابة بقلم رصاص

لكنَّ ربعي المتربّعِين في مقاهي الفيسبوك أغروني مؤخّرًا
باقتناء حاسوب التفاحة اللّوحي

وحين تعللتُ بفشلي الذريع في استخدام
لوحة المفاتيح المنزلقة تلقائيًّا
من الشاشةِ لم يقتنع الربعُ، فقالوا يأسًا من ومن قلم الرصاص:
“لا بأس أيُّها الشاعر المتفنّق في جاهليته الثانية
سنؤازر حاسوبك اللوحي بلوحة طباعة ذكيّة ..

خذ لوحة المفاتيح الرقيقة هذه وضعها بعد طيّها في جيب قميصك كأيّ هاتف نقّال”
وفي القسم الأخير من النص الذي يتشكّل في سواحل سرنديب يعلن الكاتب عودته عن قرار استعمال القلم الرصاص وخيانته للمتنبي بضغطة زر على لوحة مفاتيح مطويّة في جيب قميصه.
ولنا أن نلاحظ هنا أن هذا النمط من النصوص يتميز بالنثرية العالية واللغة اليومية التي تخدم السياق، ولكنه مع ذلك يبقى شعرًا لأنه لا يستغني عن التصوير والتكثيف والإيحاء.

6- النمط المقطعي
هو النمط الذي يعتمد بناؤه على التكامل والتوازن والتشكيل، ومنه نص “بائيات” في مجموعة “عيون طوال النهار”، ونص”بين كأسين يتبادلان الأصابع” من مجموعة “كل ليلة وضحاها” ونص “شاعران وملكان” من مجموعة “عودة إلى الكتابة بقلم رصاص”.
وبالنظر إلى نص “بين كأسين يتبادلان الأصابع” سنجد أن بناء النص يقوم على ثمانية مقاطع قصيرة لكنها تشكّل ما يطمح إليه النص من مغزى، وهذا المغزى لا يتضح إلا بالبحث عن الخيط الذي يربط هذه المقاطع التي تحاول إخفاء الرابط بالغموض الفني، و وظيفة الغموض الفني هنا هي أن يوجه القارئ نحو مسار معيّن ليملاْ الفراغات ويربط النص ويصل إلى المغزى بعد أن يحقق استجابة جمالية للنص وهذا لا يحدث – خاصة في النمط المقطعي- إلا بالغوص في تجربة النص وممارسة القراءة على أنها حدث يبني النص من منظور خاص وفق ميول القارئ.

7- نمط الومضة
هو النمط الذي يعتمد بناؤه على الإيجاز والتكثيف وطرافة الفكرة أو طرافة الصورة، وكذلك النهاية المتألقة أو المدهشة أو الغريبة، ويكثر هذا النوع في المجموعات الثلاث، ومنه نص “سلاح المتعة ” ونص ” ذخيرة الرأفة” ونص “حنين” ونص “الهواء المقدس” في مجموعة “عيون طوال النهار”، وكذلك نص “خطب الأسماك” ونص “تمثال الماء ” ونص “انتظار في بابل ” ونص “تمثيل ضوئي” ونص “المرآة لم تر ذلك ” ونص “قناديل إشبيلية ” من مجموعة “كل ليلة وضحاها”. وأيضًا نص ” صافرة الملاك” من مجموعة “عودة للكتابة بقلم رصاص”.
وكمثال على هذا النوع نقف “القصي” من مجموعة عيوان طوال النهار.
يتكوّن هذا النص من قسمين يتصلان بفراغ كبير وبهذا يصبح الفراغ الكبير قسمًا من أقسام النص، وبينما يتألف القسم الأول من تسعة أسطر فإن القسم الثاني يتألف من سطرين فقط، ومع ذلك فإن النص يوحي بالتوازن الدقيق بسبب ما يحويه كل قسم من ثقل إيحائي، وتفضي القراءة إلى الاعتقاد بأن ما يجمع القسمين بالفراغ هو الفعل السلبي الذي يقدمه كل قسم على نحو مختلف، ففي القسم الأول يأتي على هيئة أفعال شكلية:
“في غرفة مغلقة
بفم العزلة
يفتح بابَه الخاص
يقذف بيد السّأم
مسلاّت الفروض والسُّنن
نحو بحر مجاور
حيث الأسماك
تصطف أيضًا
في صلاة عسكرية.”
وفي القسم الثاني يأتي السلب على هيئة فعل سلبي:
“في الغرفة الأخرى يفتح صنبور دمه”
ويقوم الفراغ بوصل القسمين بالسلب المحض، ونرجّح هنا أن الخواء هو المغزى الذي يقدّمه النص وهو يرتبط بالعنوان الذي يدل على العزلة والفراغ كما يفسر كل الأفعال السلبية التي وردت في النص.

د.علي بن قاسم الكلباني
أستاذ النقد الأدبي الحديث المساعد بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى