الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل الأزمة الأوكرانية بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي(2-2)

مستقبل الأزمة الأوكرانية بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي(2-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

” ردود فعل وتصرفات روسيا بوتين حيال أوكرانيا وشبه جزيرة القرم لا يجب أن تعد بالخطوات المفاجأة او المستبعدة أبدا، فبوتين وبطريقة أخرى يسعى لإعادة بناء أنقاض إمبراطورية منهارة من جهة ويقف في محاولات الغربية بوجه عام والإمبراطورية الأميركية على وجه الخصوص للتوغل في البيت الروسي القديم من جهة أخرى،”
ــــــــــــ
تناولنا في الجزء الأول من هذه الدراسة الذاتية الموجزة الأسباب التي أشعلت فتيل الأزمة الأوكرانية أولا , ومن ثم تطرقنا الى الأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية للخارطة الأوكرانية على رقعة الشطرنج الاوراسية بوجه عام , وفي النظرة الجيوسياسية الاميركية والغربية من جهة والعقيدة الروسية من جهة أخرى ؟ من حيث الأسباب التي رفعت من سقف العقبات التي فأقمتها حتى اللحظة الراهنة , ونواصل من حيث وصلنا في هذا السياق , حيث كتب إيليا كرامنيك ، المعلق العسكري لوكالة نوفوستي الروسية للأنباء حول نوعية تلك النزاعات التي تمثل تهديدا بالغ الخطورة للأمن القومي الروسي؟ وعلى أساسها فقد تم تبني العقيدة العسكرية الإستراتيجية الروسية الثالثة التحليل التالي:
( بإلقاء نظرة إلى جيران روسيا في الساحة السوفيتية سابقا نستطيع أن نتخيل نشوب نزاع مع جمهوريات البلطيق السوفيتية سابقا لأنها أصبحت أعضاء في حلف شمال الأطلسي، غير أن احتمال نشوب مثل هذا النزاع ضئيل جدا, وإذا افترضنا أن يندلع نزاع بين روسيا وهذه الجمهوريات فلن نستطيع أن نتخيل أن تستخدم روسيا السلاح النووي في ضرب هدف ما في أراضي بلدان الجوار القريب, وبالتالي فإن أهداف السلاح النووي الروسي في الحرب الافتراضية ستكون ـ على الأرجح ـ خارج منطقة البلطيق, والأغلب ظنا أنه لا يمكن إلا لحرب واسعة النطاق أن تمثل تهديدا حرجا لأمن روسيا يستوجب اللجوء إلى استعمال السلاح النووي دفاعا عن الذات، علما بأنه بعدما شن الناتو عمليته الحربية على يوجوسلافيا استقر رأي روسيا على أنها لن تقدر على صد عدوان محتمل يأتي من الغرب إلا عندما تستخدم السلاح النووي).
وفي الواقع، فإن علاقة أوكرانيا بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تكون نقطة الانعطاف لروسيا ذاتها. وعلاقتها الجيوسياسية المستقبلية مع جميع أطراف النزاع, سواء المباشرة او غير المباشرة , وهو ما صرّح به رئيس مجلس الأمن القومي الروسي نيقولاي باتروشيف بقوله: أن واشنطن تستخدم الأحداث في أوكرانيا لجرّ روسيا إلى نزاع عالمي وإضعافها وتفكيكها. بمعنى أن خيار أوكرانيا لصالح أوروبا سوف يحدد قرار روسيا في ما يتعلق بالمرحلة التالية من تاريخها: فإما أن تكون جزءًا من أوروبا أيضًا أو تصبح دولة أوراسية، فلا هي من أوروبا ولا هي من آسيا، بل تغوص في وحل نزاعات ” الخارج القريب ” وهو مصطلح أطلقه بريجينسكي على الدول الآسيوية القريبة من روسيا والتي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق.
والتدخل الروسي في اوكرانيا لصالح اوسيتيا الجنوبية هو اقرب مثال على ذلك في العام 2008م, ما عد رسالة واضحة لرفض النفوذ والتدخل الغربي في هذه البقعة من العالم, وعدم قبول روسيا لحشرها في زاوية التهميش او اللامبالاة بمصالحها الجيوسياسية, وهو أمر نبه له في حينها وقبل ذلك الكثير من المراقبين والمحللين الدوليين كهنري كيسنجر وجورج شولتز، وزيرا الخارجية الأميركيين الأسبق على صفحات الرأي بجريدة واشنطن بوست بقولهما : يجب ألا ” تقوم الولايات المتحدة الأميركية بعزل ‏روسيا ” أو جرها إلى ” المواجهة “، وهي حقيقة لا بد أن تدركها الولايات المتحدة الأميركية وبقية دول العالم ‏المعنية كأوروبا مثلا، وإلا فإن النتيجة بالطبع لن تكون مقبولة للعالم عموما، والولايات المتحدة الأميركية بوجه ‏خاص، فهناك في روسيا تحديدا من ينتظر أي ثغرة لإشعال المواجهة والصدام بين الدولتين النوويتين، ‏وتحديدا المتشددين الروس المؤيدين لفكرة القوة العظمى، والذين طالما رفعوا أصواتهم وهم ينشدون أناشيدهم ‏القديمة والمتعلقة بعدم الجدوى من التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي وصفوها في أكثر من موقع ‏ببائعة الهواء ـ مقالنا: رسائل روسية ولكن ليست من ورق.
إذا فردود فعل وتصرفات روسيا بوتين حيال أوكرانيا وشبه جزيرة القرم لا يجب أن تعد بالخطوات المفاجأة او المستبعدة أبدا، فبوتين وبطريقة أخرى يسعى لإعادة بناء أنقاض إمبراطورية منهارة من جهة ويقف في محاولات الغربية بوجه عام والإمبراطورية الأميركية على وجه الخصوص للتوغل في البيت الروسي القديم من جهة أخرى، ولا نتصور أن يتراجع بوتين عن توجهه هذا لا اليوم ولا في المستقبل، بل ونتصور انه سيقف سواء بالقوة العسكرية او السياسية في مواجهة كل دول الاتحاد السوفيتي السابق والتي تحاول الاندماج مع أوروبا او وضع الجلباب الأميركي ـ الأوروبي عليها. وبعد كل ما تقدم عن أهمية أوكرانيا فلن يكون مفاجئا أن تتعامل روسيا مع هذا الملف كما لم تتعامل مع غيره، وبالمقابل فان الولايات المتحدة لن تترك وسيلة دون أن تكسب الصراع على أوكرانيا حتى لو اقتضى ذلك أن يعتلي كرسي الحكم هناك أقصى القوميين المتطرفين ( حزب القطاع الأيمن) بل وحتى النازيين الجدد(سفوبودا).
عقبات ما بعد اتفاقات مينسك: بالرغم من توصل القادة الأوروبيون والرئيسان الروسي والأوكراني إلى الاتفاق في مينسك على فرض وقف إطلاق نار، وإقامة منطقة منزوعة السلاح موسعة في أوكرانيا غير أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حذَّرت من عقبات كبرى لا تزال قائمة في ختام مفاوضات ماراثونية,أما الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، فاعتبر أن اتفاق مينسك لا يضمن نجاحاً دائماً مؤكداً أن الساعات المقبلة حاسمة بالنسبة لمصير الاتفاق , وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون: إن العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بسبب الصراع في أوكرانيا لا يجب رفعها إلا في حال غير الرئيس الروسي سلوكه، مؤكداً أن ما يعنينا أكثر من أي شيء هو في الواقع الأعمال على الأرض، وليس مجرد كلمات على قطعة ورق.
وقد شبه المحلل السياسي الروسي المستقل سيرجي ميخييف، ميركل وهولاند ومعهما وزير الخارجية الأميركي جون كيري ورئيس الوزراء البريطاني بفرقة إطفاء هرعت لإنقاذ الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو.ويؤكد ميخييف أن أسبوعين أو ثلاثة أخرى من المعارك الناجحة، ستكون كافية لانهيار النظام الجديد في كييف. وهو ما يجعل من ذلك الاتفاق أشبه بمريض في غرفة الإنعاش احتمال موته اقرب بكثير من استمراره في الحياة, إذا أين تكمن تلك العقبات في طريق الاتفاق الهش والمريض سالف الذكر ؟
العقبة الأولى: أن الرئيس الروسي لم يوقّع شيئاً عملياً، واقتصر الأمر بينه وبين الأوروبيين وكييف على إعلان دعم للنص الذي وقّعه المتمردون الانفصاليون وموفدو كييف برعاية روسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا, وتكتيكياً، بوتين ـ وبفضل المبادرة الفرنسية الألمانية ـ يربح الوقت، على أي حال، بانتظار أن تصبح الحالة الاقتصادية في أوكرانيا على شفا الانهيار، ما سيؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى اندلاع انتفاضة جديدة ضد السلطات الأوكرانية الحالية.
العقبة الثانية: استمرار الخلاف بين الأوروبيين بشأن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا؛ فإسبانيا مثلاً، وبعكس بولندا وبريطانيا، اللتين تؤيدان تأجيج النزاع في دونباس وتوريد الأسلحة إلى القوات الأوكرانية، تقف ضد العقوبات، التي كلفت القارة العجوز 21 مليار دولار من الخسائر، وفق وزير الخارجية الإسباني.
العقبة الثالثة: كما سبق واشرنا فانه لا ينبغي نسيان استمرار محاولات الجانب الأميركي والتي لن تكل لتسعير النزاع في البيت الأوروبي، ولا سيما أن التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي لا يتعدى 10 مليارات دولار، وزحف الناتو شرقاً لا يزال جارياً على قدم وساق إلى حدود روسيا, وفي ضوء ذلك، صرّح رئيس مجلس الأمن القومي الروسي نيقولاي باتروشيف أمس بأن واشنطن تستخدم الأحداث في أوكرانيا لجرّ روسيا إلى نزاع عالمي وإضعافها وتفكيكها, وربما لذلك جاءت مبادرة ميركل وهولاند في هذا الوقت بالذات، لأن السياسيين الأوروبيين أدركوا في نهاية الأمر أن الوضع الدولي قد يخرج عن السيطرة بفعل الغرور الأميركي، وبخاصة في ضوء تذكير بوتين غير مرة بأن روسيا دولة نووية ولن تخضع للابتزاز، وأن الأوروبيين هم الذين سيدفعون الثمن.
العقبة الرابعة: انقسام الداخل الأوكراني وضعف قدرته على التوحد من جهة , وسيطرة الانفصاليين على الحدود بين أوكرانيا وروسيا ـ شرق اوكرانيا خصوصا – والتي يقول الغرب إنها معبر لتمرير السلاح لهم, ووجود عدد كبير من الأسرى من العسكريين والجيش الأوكراني لدى الانفصاليين .
العقبة الخامسة: استمرار الدعم الاميركي والروسي المتواصل بطرق مباشرة او غير مباشرة لطرفي النزاع معنويا وعسكريا او من خلال ممارسة الضغوط عليهما في الداخل او الخارج الأوكراني, وخصوصا الجانب الروسي, مع محدودية الدعم العسكري الاميركي للجانب الأوكراني, فليس هناك ما يمكن لواشنطن أو الناتو القيام به لأوكرانيا لمنحها قدرة مستقلة على طرد الانفصاليين الأوكرانيين المدعومين من روسيا. ومحاولة الإقدام على ذلك سيتبعها تدخل خارجي على الجانبين.
رؤية استشرافية لمستقبل الصراع في اوكرانيا: من خلال ما سبق ذكره, ونتيجة لتضارب المصالح والنفوذ الجيوسياسي على رقعة الشطرنج الاوراسي بوجه عام والأوكرانية خصوصا, حيث تعد الأزمة الأوكرانية فتيل ساخن وملتهب في حرب تعيد إلى الأجواء ما يشبه الحرب الباردة بين قطبي الصراع العالمي الولايات المتحدة الأميركية والغرب من جهة وروسيا من جهة أخرى, وفي ظل وجود عقبات حقيقية سواء سياسية او عسكرية او غير ذلك, ورغم أنني لا استبعد على المدى القصير حدوث انقلاب عسكري جديد في البيت الأوكراني على السلطة التي وصلت إلى الحكم بانقلاب هي الأخرى نتيجة استمرار الصراع رغم التدخلات والوساطة الدولية, واستمرار سيطرة الانفصاليين على مناطق ونفوذ واسع في شرق اوكرانيا, تحول دون التوصل إلى هدنة سريعة او قابلة للاستمرار طويلا في ظل التشنج وانعدام الثقة بين جميع أطراف الأزمة الأوكرانية في الداخل والخارج, فإننا نغلب وفي أحسن الظروف طغيان الحلول السلمية في الأزمة الأوكرانية على الحسم العسكري او التدخل الروسي او الغربي المباشر لما لذلك من انعكاسات خطيرة على المنطقة العالم بأسره, ولكن من خلال تغليب مطالب ومصالح الانفصاليين بشكل او بآخر في المناطق الشرقية من اوكرانيا سواء كان ذلك بالانفصال والحكم الذاتي, إلا انه وعلى المدى المتوسط فان أزمات اوكرانيا ستستمر وتتفاقم, وستستمر التدخلات الروسية الاميركية في شأنها الداخلي.

إلى الأعلى