الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : المعلمون هم قادة الشعوب

بداية سطر : المعلمون هم قادة الشعوب

كم جميل أن يكون الإنسان ذا رتب عالية في العلم، يتسم بصفات قيادية في سبيل تعليم الآخرين وتكوينهم، مضحيا بحياته لأجل تحقيق أهداف عظيمة، وأجمل ما في ذلك كله أن يكون محبا لعمله متذكرا لماضيه الجميل، ينحت الجمال بأنامله نحتا فيرسم لوحة فنية تنبؤ بغدٍ مشرقٍ ومستقبلٍ باهرٍ يدعو لأن يرتقى الإنسان بفكره فيرتفع مستوى عطائه، وكلما أجهد نفسه في العطاء والاحتراق وتحقيق المزيد من الإنتاج كلما ارتفع مستوى أداءه فأصبح راضيا عن نفسه، فلكل عمل ثواب ولكل سؤال جواب.
كنت منغمساً خلال الخدمة في التدقيق على بعض أعمال المؤسسة فشعرت بظل قد دنى مني فرفعت رأسي لأتفاجأ بأحد الأصحاب العاملين في السلك التربوي سابقا يقدم لي وردة حمراء فسألته ما مناسبة ذلك؟ فأجابني بأنه الرابع والعشرين من فبراير حينها عدت بذاكرتي إلى أيام قد خلت ووقفت مع نفسي وقفة صمت وحداد، تنازعت نفسي فيه عظيم الايام، وتجاذبت أطراف السنين، وهممت بين دمعات تتساقط من وجنتي وبين ماضٍ عريقٍ أعاد لذاكرتي جهد الزمان، نظام وفصول ودروس وعلم وعبر وصداقات وعلاقات وإرشاد وتوجيه واستراحات وانشطة وهزل وجد ووجدان وضمائر وحفلات وتكريم وتعزيز وتدريب ورسكلة وتأهيل وإشراف وكتب وأقلام وفكر وأدب كل ذلك كان يجمعنا في أسوار مكان واحد يهدف إلى صياغة فلذات الأكباد في مصنع الحياة ويقدمها خير زاد للبلاد.
ذهبت من رونق تلك الوردة الحمراء المتفتحة بأوراقها إلى خبرات تراكمية أخذت من أعمارنا الكثير وكأنّ لسان حالها يقول: كنتم في بهاءكم ورونقكم وتضحياتكم مثل حالتي اليوم، متفتحة وباهية وأشعر بأنني أقدم لكم العطاء الكثير والروائح الطيبة، وما تفتحت إلا لأسعدكم وما بثثت فيكم سوى الطيب الذي ترغبونه في الحياة، فلن تشمون مني سوى طيب الروائح وخيرها لتسمو حياتكم بي ولتهنئوا بالمودة والخير الوفير فكنتم شموعا تحترق ولا تزال تحترق فتبثون النور فتشعلونه لإنارة الطريق لهذه الأجيال المتعاقبة حيث كنتم تفكرون في سعادتهم فحُقّ لي أن أشبهكم كالشمس كلما تقدمتم منها ودنوتم إليها ألقيتم بظلال متاعبكم وعناءكم خلف ظهوركم.
رغم أنها وردة صغيرة ربما لا يتجاوز عدد أوراقها أربع وريقات، إلا أنها بقيت تحمل دلالات عظيمة في القلب أعادت به إلى أيام خوالي هي أجمل أيام العمر حيث الجد والاجتهاد وتكوين الخبرات لمستقبل حالم أن يلد أجيالا متعلمة تعشق العلم وترنوا اليه فكان الجهد بقدر الإنتاج رجالا نراهم اليوم يتربعون عرش القيادات في مختلف المجالات العلمية والأدبية والإنسانية .. وغيرها من سائر الأعمال، كل ذلك قد شيد بفضل رجال هم قادة للعلم احترقوا احتراقا هادئا فكان الاحتراق سموا للآخرين حاكته الأيادي تفوقا لهم وطرزته الهمم نجاحا لأوطانهم.
من خلال أسطر هذا العمود أبثّ شكري إليك أيها المربي العزيز الاستاذ هلال لتقديرك للعلم بهذا الإهداء الذي فتح نافذة على حياة من العلم والعطاء والتضحيات.
كما أبث عبر الصحيفة الغراء “الوطن” إليكم جميعا أيها المعلمون المخلصون الشكر والتقدير، فلله دركم حين أدركتم ببصيرتكم أنّ التّعليم مثل الهواء لا يستغني عنه إنسان، ما دام على قيد الحياة فكنتكم ينبوعا صافيا تفجرت منكم العبقريات فأخرجتموها قيادات متوالية، بل أصبحتم أيّها المعلمون الكادحون منجماً وجدت فيه المجتمعات حجارتها الكريمة، فالوطن أنتم بُناتُهُ الحقيقيون فكنتم جنودا مجهولة؛ شدتم صروحا عظيمة وبنيتم نفوسا قوية وأنشأتم عقولا تقدمونها اليوم للوطن فحقًا أن يُقال لكم بأنكم اليوم نبع للمعرفة لا ينضب، وحقًا أن نصفكم بأنكم معين للعلم لن يجف حين انقطعتم لخدمة العلم فحسبكم فخرا أنّ العالم بأسره من صنع أياديكم.
ومن يتساءل اليوم عما يصنعه المعلم أجيبه بما أجاب به أحمد أمين حين قال:”المعلم يجلو أفكار الناشئين والشباب، ويوقظ مشاعرهم، ويحيي عقولهم، ويرقي إدراكهم. إنه يسلحهم بالحق أمام الباطل، وبالفضيلة ليقتلوا الرذيلة، وبالعلم ليفتكوا بالجهل”.
نختم النص بقولنا: إن مراقبة تفتح الورود في حدائقها ونمو الزروع في بساتينها، وحصاد الثمار من الاشجار والاستمتاع بأكله وافرا يانعا؛ لهي أمور تجلب السعادة والفرح وتبني بيوت الهناء وتهدم بيوت الشقاء لبني البشر فواصلوا معا بناء الأساس وغرس الاشجار وسقيها والتعهد برعايتها حتى تصبح يوما ذا شأن عظيم تنفع البشرية وتسعدهم وكل عام وانتم أيها المعلمون أطيب حالا وأسعد حياة وأهنأ عيشا فحقا بأنكم قادة للشعوب.

خلفان بن محمد المبسلي*
Khalfan05@yahoo.com

إلى الأعلى