الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مأساة التراث الحضاري

مأساة التراث الحضاري

كاظم الموسوي

” يجدد داعش الذي سبق له أن دمر كل ما طالته يده من مقدرات بشرية وفكرية وثقافية، في بلاد الشام والرافدين، إضافة إلى النهب والتدمير المنظم للآثار خصوصا، وبيع واستثمار قسم اخر منها، ما سبق وتم منذ غزو قوات الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، وما نفذه عملاء “الموساد” الصهيوني بالتعاون مع ادارة الاحتلال، بسرقة “مخطوطة” التوراة العراقية،”
ــــــــــــــــــــــ
ليس مفاجئا كثيرا الخبر الذي اخذت تبثه القنوات الفضائية وتنشره وسائل الاعلام الاخرى نقلا عن مصادر اعلامية من تنظيم ما يسمى اعلاميا بداعش عن تدمير متحف الموصل، (26/2/2015) وحرق مكتبة الموصل المركزية ومكتبات اخرى، حيث سبق ان قام بمثلها في المدن السورية، كما سبقه معلموه في الغزو والاحتلال والفاشية. وتحوي المنطقة الواقعة تحت سيطرته في العراق 1800 موقع اثري من أصل 12 ألفا. اما الشريط الجديد فقد اظهر قيام العصابات بتحطيم مجموعة من التماثيل والمنحوتات النفيسة التي تعود إلى الفترة الآشورية، الموجودة في متحف الموصل، بأساليب بدائية، إضافة إلى معالم أثرية أخرى. وقد تأسس متحف الموصل عام 1952، ويشتمل على ما بقي من آثار المنطقة الشمالية المستخرجة في تنقيبات البعثات الآثارية، بالإضافة الى تزويده بعناصر من عصور مختلفة. وتتركز الآثار في المتحف على مقتنيات من عصور ما قبل التاريخ لمنطقة نينوى وآثار العصور الآشورية، وآثار مدينة الحضر وآثار الحضارة الإسلامية. وجدد المتحف عام 1972، ويضم ثلاث قاعات أرضية رئيسية، هي: القاعة الآشورية والحضرية والإسلامية، بالإضافة الى قاعة كبيرة في الطابق الثاني مخصصة لعرض الآثار ذات العصور المتنوعة. وهو ثاني أقدم متحف في العراق، بعد متحف بغداد. وكانت مصادر محلية في محافظة نينوى قد أشارت إلى هدم أجزاء كبيرة من بوابة نركال التاريخية شرقي الموصل، وصروح تاريخية في ناحية النمرود جنوبي المدينة. وهذه سلسلة متتالية من الجرائم يرتكبها داعش في هذا المجال.
تكمل الهجوم على متحف الموصل وتدمير المعالم الأثرية أعمال إحراق آلاف الكتب والمخطوطات في محافظة نينوى، منذ السيطرة على مدينة الموصل في شهر يونيو 2014، بدعوى أن تداولها حرام، ومنع أهالي المدينة من قراءتها. وكانت مكتبة الموصل تضم نحو 8000 من الكتب والمخطوطات النادرة، وبدأت الحملات الوحشية عليها منذ شهر يناير 2015، اذ حطمت أقفال خزائنها واخرج منها اكثر من 2500 كتاب ومخطوطة وتم احراقها علنا، وابقي على النصوص الإسلامية فقط، ولا يعلم مصيرها بعد. وكان مدير المكتبة العامة في المدينة، غانم الطعان، قد أعلن قيام عصابات التنظيم بحرق المكتبة الواقعة في منطقة الفيصلية شرق المدينة. التي تأسست عام 1921 وعرفت آنذاك بالمكتبة العمومية. ولم يتم التأكد بأرقام وإحصائيات دقيقة حول حجم الخسائر على هذا الصعيد، الذي يبين عقلية العصابات التي تجرم بحقه. وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) قد أعلنت في بداية شهر فبراير أنه “وفقا لمصادر موثوق بها، فإن آلافا من الكتب في الفلسفة والقانون والشعر والعلوم قد أحرقت عمدا في الأسابيع الماضية. وإذا تأكدت هذه التقارير، فإن هذا الأمر يكون واحدا من أكبر أعمال التدمير المتعمدة للكتب في تاريخ البشرية”.
ادان مدير متحف متروبوليتان في نيويورك، أحد أكبر المتاحف في العالم، توماس كامبل، بشدة هذا العمل التدميري الكارثي الذي استهدف واحدا من أهم المتاحف في الشرق الاوسط. وقال ان “مجموعة متحف الموصل تغطي كل مراحل الحضارة في المنطقة، مع منحوتات مميزة للمدن الملكية مثل نمرود ونينوى والحضر في شمالي العراق”. وأضاف إن “هذا الهجوم الأعمى على فن عظيم، على التاريخ والوعي البشري، لا يشكل عدوانا مأساويا على متحف الموصل فحسب، بل على التزامنا الكوني باستخدام الفن لجمع الشعوب وتشجيع التفاهم البشري. يجب أن تتوقف هذه الوحشية المجانية قبل القضاء على كل آثار العالم القديم”.
يمثّل العمل الوحشي الذي يعكس طبيعة التنظيم الاجرامية ضد التماثيل والكتب الباقية من اثار الحضارات في العراق، بشكل عام، جريمة دولية، وفق الفقرة 9 من المادة 8 من اتفاقية روما لسنة 1998، التي وضعت النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وهذه المادة “اعتبرت توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية او التعليمية او الفنية او العلمية او ضد الآثار من جرائم القانون الدولي، وهي جرائم الحرب التي ترتكب بالمخالفة لأحكام اتفاقية جنيف لسنة 1949 والتي حرمت ومنعت إتلاف او تدمير الآثار في النزاعات المسلحة”.
وبسبب هذه الجريمة الجديدة، ومن جهتها، دعت إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرار دولي بعد مناقشة صور التدمير التي عرضها الفيديو. وقالت إنها صدمت بقوة من الشريط الذي نشر ويظهر “تحطيم تماثيل وتحف أثرية أخرى في متحف الموصل”. وأدانت المديرة العامة للمنظمة، ما وصفته
بـ “الاعتداء المتعمد على التراث والحضارة العراقية التي تعود لآلاف السنوات، بوصفه دافعا تحريضيا على نشر العنف والكراهية”. وشددت بوكوفا على أن “الاعتداء كان أكبر من مأساة ثقافية، بل هو قضية أمنية تغذي الطائفية وعنف التطرف والنزاع الدائر في العراق”.
يجدد داعش الذي سبق له أن دمر كل ما طالته يده من مقدرات بشرية وفكرية وثقافية، في بلاد الشام والرافدين، إضافة إلى النهب والتدمير المنظم للآثار خصوصا، وبيع واستثمار قسم اخر منها، ما سبق وتم منذ غزو قوات الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، وما نفذه عملاء “الموساد” الصهيوني بالتعاون مع ادارة الاحتلال، بسرقة “مخطوطة” التوراة العراقية، التي تعتبر أقدم نسخة من كتاب التوراة في التاريخ، وكانت محفوظة في أرشيف جهاز الاستخبارات العراقي السابق، ونقلها إلى تل أبيب، التي تقرر أن تستخدم لـ “الصلاة اليومية في القدس”!، كما تم تنظيم معرض، بكل صلافة وحشية ووقاحة عنصرية، يظهر ما تم نهبه من آثار سومرية نُقشت عليها الأساطير العراقية بالكتابة المسمارية.
هكذا تتواصل الاعمال الاجرامية وتتكامل بين العصابات الاجرامية، بكل اسمائها وتصنيفاتها، في نهب وتدمير الاثار الحضارية وتاريخ الشعوب والاوطان، لترسم مأساة التراث الحضاري الانساني الان. الامر الذي يكشف ان اي صمت عليها او انكار لها او تأجيل لمكافحة هذه الجرائم مشاركة فيها، اخلاقيا وقانونيا وانسانيا!.

إلى الأعلى