الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مي الصايغ تكتب عن وطن يسكنها

مي الصايغ تكتب عن وطن يسكنها

في مجموعتها الأخيرة “ليت هندا لم تعد”

بيروت-(رويترز):
الشاعرة الفلسطينية مي الصايغ في مجموعتها الأخيرة “ليت هندا لم تعد” تكتب بشغف وبشعر موح مركزة على وطن يسكنها كما يسكن فلسطينيين أبعدوا عنه وآخرين يقيمون في قسم منه ويكادون لا يسكنونه فعلا. هند كما يظهر لنا هو اسم والدة الشاعرة التي ربتها على محبة هذا الوطن وعلى الأمل الذي يجب ألا ينقطع بالنسبة إليه. والشاعرة هنا استعارت بعض عنوان مجموعتها من اسم أمها والبعض الآخر من قول لشاعر عربي شهير يتحدث فيه عن الوعود التي لا تتحقق. قال الشاعر الأموي عمر بن أبي ربيعة “ليت هندا انجزتنا ما تعد / وشفت أنفسنا مما تجد / واستبدت مرة واحدة / إنما العاجز من لا يستبد / كلما قلت متى ميعادنا / ضحكت هند وقالت : بعد غد.” والاستبداد هنا لا يحمل تماما المعنى السياسي المألوف إنما يعني أن يسير الإنسان مستقلا برأيه ومنفردا. ويبقى الأمل معلقا “بعد غد … بعد غد” فلا يتحقق ولا يموت. والشاعرة والناقدة الأكاديمية الفلسطينية الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي تقول عن الصايغ في مقدمة الكتاب: إن ما يميز عطاءها الشعري والأدبي “هو نفوره التلقائي من التقريرية والبطولية ذات الضجيج، من عنجهية الذين لا يطيقون إلا ان يعلنوا عن أهميتهم بجهورية المتعالمين، كم أرهقنا ونرهق إذ نقرأ ونقرأ في هذا الجسد العربي المتطاول عبر عالمنا الواسع فلا يجيئك جواب عن مدار الحديث، عن تجربة لها حدود لا يمكن أن تتمادى إلى غير نهاية، فوضى لا يحدها رابط فني يحتوي القول وما يرمي الشاعر إليه. “وما لم يدركه عدد من شعراء اليوم هو أن للمعني الشعري لياقته الخاصة أن له شروطا وأصولا ملزمة فكيف سمح الشعراء لأنفسهم بتخطيها إلى ما يمكن تسميته بنكبة الشعر المعاصر وفراغه؟”.
وردت مجموعة الصايغ في 204 صفحات متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. وللصايغ المولودة في غزة عام 1935 خمس مجموعات شعرية سابقة منها “إكليل الشوك” و”قصائد حب لاسم مطارد” كما لها كتاب نثري ورواية عنوانها “بانتظار القمر”. أما الجيوسي الشاعرة والناقدة الأكاديمية والمترجمة الفلسطينية فقد ولدت في السلط في الأردن عام 1928. وهي حاصلة على دكتوراه في الأدب العربي من جامعة لندن. وقامت بالتدريس في جامعات الخرطوم والجزائر والولايات المتحدة ولها عدة دراسات في الأدب العربي الحديث وفي الشعر العربي الحديث نشرت في جامعات كولومبيا وتكساس وانديانا الأميركية. ولها ديوان شعري اسمه “العودة من النبع الحالم”. تكتب الصايغ شعرا حديثا لا يتخلى عن الأوزان والقوافي المتعددة ولا عن الإيقاع الموحي والصور الحافلة بالواقع وبالحلم أيضا. في قراءة شعرها الموزع بين هند الأم وبين الوطن قد نتذكر لوحة فنية لجبران خليل جبران لوجه سيدة هي أمه أسماها “وجه أمي وجه أمتي”. تستهل الشاعرة مجموعتها بقصيدة عنوانها “هي” تحمل بعض سمات شعرها. تقول “هي ما يتيه به الربيع على الورى / هي ما يفيء إليه ريحان السنين / هي ما يمر من النسيم على نوافذنا / وما تحكي النجوم / هي ما يقول البحر للشطآن / موسيقى الحنين / هي حلوة الدنيا / ودر العالمين”. وتختم قصيدة “جلنار” بالقول عن الأم “ورأيت نهر الوقت يجري / وهي تجلس مثل آلهة / على قدسي هيكلها / وفي يدها الشموس / من يوم ان جاءت لعالم يتمها هند / وحتى الأمس / حتى كبوة الفرسان / لم تحن الرؤوس”. وفي قصيدة “أيا أنا” سمات إنسانية من تجربة المرارة والتشرد الفلسطينيين تقول فيها “أتدركين أنني انأ / وإنني هنا / وأنني اكرر السؤال / فأين تذهبين ؟ / أتبحثين في ظلال العمر في حدائق الخيال/ ولم نعد هناك لم نعد هناك”. “من أنت ؟ / تسألين من أنا !!/ أصدع السنين / لو أعيد الوقت برهة / أراك تحملين فوق رأسك السماء وتطلعين للنهار ضوءه / وتبعثين نكهة الأشياء / فيعذب البقاء / وتصنعين من شغاف الياسمين / دارة لنا / وتصبح الأيام بيتنا / فكيف تسألين كيف تسألين من أنا؟”. “أيا أنا / أحب لو يعود العمر مرة / وأن يعود ظلك الحبيب قلعة لنا / وان يغيب العمر غيبة / ولا تدور حولنا الدنا / وتسكن الأيام عندنا”.

إلى الأعلى