الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / آهٍ .. صديقي ..

آهٍ .. صديقي ..

علي عقلة عرسان

” أمشي وأبقى قَلَقَاً، توهِّجاً، ولاحباً يطول،
أفكِّر في رصاصةِ قناصة تفجِّر الرؤوس..
في قاتل يقبع خلف القلب والعصب،
يسرق أمني مهجتي، يقتل صوت الناس..
أمشي.. وأمشي.. يا صديق في المدى..
وليس لي سوى الإله والهدى..
لساني العليل، لسان حالٍ ذابل،”

ـــــــــ
آهٍ.. صديقي..
وحيداً أمضي بعيداً..
عمري خلفي، وزادي أمامي،
وأعبائي فوق كاهلي، وطريقي مجهَل يطول،
خوفي شديد، وأملي لم ينقطعْ..
ومهجتي على راحتي.. وداخلي يقول:
“تزوَّدوا.. إن خيرَ الزاد التقوى.. “.
راحةُ النفس خيرُ رفيق يا صديق..
ونورُ الروح يفضي إلى مجرَّات لا تعرفها الروح.
في الفجر ينتشر الضوء ويرتفع نشيدُ الحياة..
الكائنات من حولي تتحرَّك..
تتكلَّمُ.. وتعبِّر عن وجودها..
تسعى إلى رزقها وتتصادمُ وتقتتل..
تسيلُ اللعنات وتسيلُ الدماء..
ثم تؤوب الأنفسُ إلى ذوات، وإلى ما يشبه الذوات،
وتقبع في كهوفها..
مشبعةً بالخوف والجراح،
بالقهر والعذاب..
تلجأ من عذابها ورعبها إلى رِغابها..
ترتعُ ثم تهدأ، وتسكن مثل رماد المواقد والتراب..
تلفها عتمةٌ تفوق عتمة الفسادِ والظلام والعفن..
يباب في يباب.
ـ ٢ ـ
آه.. صديقي..
من زمن..
حضوره غياب،
ولهوه شجن..
أخاطب الضباب..
أقول: آنَ يكون في المدى حضور،
يكتسحُ الغياب..
أقول في ضحاه، في البكورِ، في سويعات الإياب:
” الله.. يا.. صَمَد..
يا واحداً أحد..
باركْ قلوب الناسِ، باركْ وعيَها،
واجعل طريق الظلم مسدوداً،
ويومي خالياً من النَّصّبْ..
في الظلم رُعبي ياإلهي والنَّصَبْ..
ومن نفوسٍ حقدها ملء الحقَب..
رصيدها كل مفازات العذاب والنُّوَب..
آهٍ.. إلاهي من أفاعٍ من قصب..
من ساعةٍ تفضي إلى سيل الفظاعة والغضب..
من وقفة فيها الحسابات تُصفى بالخناجر والقنابل واللَّهب..
آهٍ إلاهي من أفانين النّوَب.”.
ـ ٣ ـ
تبزغ الشمس..
أمشي في طريقي تحت رُذاذ المطر..
يا ما ألذَّ المشي في النور تحت رُذاذ المطر،
ويا ما ألذَّ وقع الرذاذ على الوجه والرأس..
ما أجمل الطبيعة حين تكشف عن وجهها البهي،
وتجود بعطائها العميم..
وتصبح الأمّ الرؤوم..
وحين يصبح الإنسان والأمان من نسيجها المقيم،
وفيضها العظيم..!!
أمشي وأمشي.. يا صديقي في المطر..
وجهتي المجهول، وعالمي الذُهول..
مَجْهَلٌ أنا، وأخشى الهولَ والمجهول..
وفي كلِّ خطوة من خطاي خوف..
من انفجار لغمٍ، إنسان، سيارةٍ مفخخة..
برميلْ..
قذيفة عيارها ثقيل..
أمشي وأبقى قَلَقَاً، توهِّجاً، ولاحباً يطول،
أفكِّر في رصاصةِ قناصة تفجِّر الرؤوس..
في قاتل يقبع خلف القلب والعصب،
يسرق أمني مهجتي، يقتل صوت الناس..
أمشي.. وأمشي.. يا صديق في المدى..
وليس لي سوى الإله والهدى..
لساني العليل، لسان حالٍ ذابل،
كلِيل..
ينطق عن قلبي بصوت الروح..
وحرفه يقول:
“أسألك اللهم أن تهديَني وغيري سواءَ السبيل،
وأن تهيئ لنا من أمرنا رشداً..”..
أقول.. ثم أقول.. ثم أقول..
أدير ظهري للكلام للعويل..
لأنهر من الدعاء في الصباح والأصيل..
لساسة وجوههم قوس قزح..
أقوالهم ألوان..
أفعالهم ألوان..
وقتلهم لكل أشكال الحياة.. ألوان..
أدير ظهرى للمدى وللندى..
لكل وغد قاتل مجهول،
وأرقط مموه بالرمل والصوان.
ـ ٤ ـ
أمشي.. وأمشي..
قدماي في الفخ..
وبين كل تفجيرين أو طلقتين..
أسمع موسيقا الرعب في الروح،
تنثال في أعماقي الأسئلة:
إلى أين؟ وإلى متى..؟!
أحار بأمر عصفور الدّوريِّ الذي يقفز أمامي..
أهمس له كي لا يخاف مني،
أقول له: لستُ ذلك الذي يحمل الموت في قلبه أو على كتفه،
لا تخف مني..
يا عصفور الدوري الذي يحْجِل في فضاء روحي.. مهلاً.
هل تملأ فضاء دربي سلوى، أم تخفِّف عليَّ البلوى،
أم تحمل رسالة، إنذاراً، تذكاراً.. ماذا..؟!
ما ذا تُراك ترى مما لا أرى، وتعطيني مما أفتقد إليه؟
وماذا تقول لي، إن كنتَ تعرف أكثر مني عني وعن حاجاتي ودروبي؟
لماذا تلازمني وتقفز أمامي ومن حولي..
إذا كنت لا تعرف شيئاً ولا تزوِّدني بشيء..!؟
هل تلهيني عن نفسي، أم تُراك تفرِّج عني كربي،
أم تزرع أمامي الأسئلة وتوسِّع مفازات الوهم لأتلهَّى عن الغمِّ والهمّ؟!
خفف من حركتك أرجوك.. فقد زاغَ بصري،
دختُ، وكدتُ أسقط..
أصرخ في هذا المدى وأصرخ..
إلى أين..؟ لا أعرف..
ومن أين..؟ لا أعرف أيضاً..؟!
إخال أن لديَّ من الأوهام عن المكان الذي جئت منه،
أكثر بكثير مما لديَّ من الحقائق عنه، وعن المكان الذي أمضي إليه..!!
لا أريد أن أتعاطى مع متَى وكيف.. لأنني يئست من متى وكيف..
كل الأسئلة حولي متى وكيف.
تعبت.. تعبت..
أسلمت أمري إلى الله، به آمنت، وعليه توكلت، وإليه أنبت، وبه استعنت..
أسأله أن يساعدَنا على ما نحن فيه، فنحن نستحق أفضل مما نحن فيه..
أسأله.. إذ لا مُعين سواه.
اتركني ياعصفور الروح الدوري،
أبعد عني..
أنقذ روحك مني.
ـ ٥ ـ *
يا صديقي..
الليل البهيم لا يدوم..
والفجرُ الجميل لا يدوم..
والشمسُ الساطعة لا تدوم..
والظلم القهَّار لا يدوم..
والإنسان ذاته لا يدوم..
وجه الله وحده يبقى..
ولكنَّا معشر البشر لا نتَّعظ..
نتمرَّد..
على الحق نتمرد،
وعلى الباطل نتمرد..
تمرُّدُنا أشكالٌ وألوان..
منه الصالح ومنه الطالح، ومنه الفائض عن الحاجة،
ولكن مهما كنا وأياً كان..
فمرفوض أن نقهر الناس، ونأكل الجثث ونشرب الدم،
لكي نعلن عن حكم خالد، أو تمرُّد من نوعٍ ما..
عن يأس من نوع خاص،
أو شخص من نوع خاص..
أو سعي من نوعٍ خاص..
أياً كان التمرُّد، وضد أيٍّ كان..
لا ينبغي أن يستبيح الدَّم.. وأمن الناس.
الدَّم حرامٌ،
لحم الأخ الحيّ الميت حرام،
كل الفتنة فعل حرام..
كل الكِبْر.. الظلم.. القهر.. القتل.. حرام..
كل فجور القوم حرام..
يا ظلَّام..
من أعطاكم حكم الله، وشرع الله، وعدل الله..
ما أنتم إلا ظلّام..
ما أنتم إلا الإجرام.
ـ ٦ ـ
نحن البشر نتمرَّد..
حتى على خالقنا نتمرَّد..
نتمرد ونترمَّد ولا نتردَّد..
ننسى الموتَ ونسعى إلى الخلود..
وربما لهذا نتمرَّد..
لماذا..؟!
ما الذي يجعلنا نترمَّد ونحن نتمرَّد؟!
هل في البشر شيءٌ إلهيٌّ زرعَه الخالقُ في خلقِه..؟
إبليس خَلْقٌ تمرَّد،
وآدم خلْقٌ دخل برزخ التمرد ثم تاب وأناب..
وغلغامش تمرَّد..
خاض مخاطر جمة،
غامر بحثاً عن جنة،
عن عمر يمتد خلوداً..
لكن.. ثاب..
لا يوجد حي خالد.
سارق النار ” بروميثيوس”، بطل عالم الأساطير الرَّحب،
تمرَّد على زيوس، ساكن الأولمب،
وهب الناسَ النارَ.. تمرد، لكن..
فينا نحن الخلق تمرُّدٌ،
فينا كل التوق، العنف، الشر، الخير.. وفينا لون الثورة..
ما سر الناس.. هدف الناس.. الثورة؟!
لماذا يكثر البشر النظر إلى النجوم،
ولماذا يرى بعضهم أنه نجم يا صديقي..
هل هي ثورة على الطرد، النبذ، النفي.. الــ..
هل يحلمون بالعودة إلى الجنَّة التي فارقوها، طردوا منها..؟
لماذا يصرُّون على خوض الأهوال ومعرفة المجهول الذي يهلكُهم، ويتجاهلون ما تحت ناظرهم من المعلوم.؟!
لماذا يصنعون مهالك لهم؟!
أشعر بأنني أعجز عن اليقين.. وأُمّحى حين أصل إلى بعض اليقين..
ـ ٧ ـ
يا رب.. يسِّر لنا رؤيا كفَلَق الصبح،
لنخرج من ليلنا إلى نور، ومن شكِّنا إلى يقين..
يا رب.. هل إلى سيف عادل مبصر من سبيل..
وهل إلى طريق الحرية والعدل من سبيل.؟!
يا رب.. هبني عينين لقلبي، ونوراً لبصيرتي..
لأعيَ بقلبي ما يعجز عن وعيه عقلي،
ولأفقه قولك الكريم:
(ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون )الحج/46
لا تكلني إلى نفسي ولا إلى خلقك.. بل إلى رحمتك وعنايتك..
هبني زاداً يبقى معي ويبقى لي..
يعينني في طريقي المَجهَل الذي طال ويطول.
فأنا وحيد أمضي بعيداً..
عمري خلفي، وزادي أمامي، وأعبائي فوق كاهلي،
وبؤسي ثوبي، وطريقي مجهَل يطول،
خوفي شديد، وأملي لم ينقطع..
والناس من حولي آمالٌ، وأغلالٌ في عنقي،
وقيودٌ في قدمي، وسهام في قلبي..
وكونٌ مهول.
أبحث عن نفسي بينهم فلا أجدها،
أقول: يا كريم أين هي؟
وأين غاصَ وجهي الضِلِّيل في هذين الزحام والظلام؟
ألامُ.. لا ألامُ؟
فما بدا مني سوى كلام في كلامٍ في كلامْ..
لم أفتح البوابةَ اليسار،
لم أفتح البوابةَ اليمين،
قد سرت، حسب أمر الله، في الوسط،
فلامني الأنام..
لأنني أسير في الوسط..
لم أدر أنَّ كثرةً تحاربُ الوسط..؟!
أتعبني الكلامُ والملام والزحام..
فنمت نوماً ما به أحلام،
تركني الأنام..
أنام.
واستيقظ الظلام..
في داخلي،
من فوق رأسي،
في عيوني،
في الطريق..
من كل جرحٍ ينَزفُ الظلام..
في كل دربٍ عسكرَ الظلام..
في كل زهرٍ فَتَّحَ الظلام.
سالت دموعي من فمي.. وقلت: يا معين..
أعنْ قلوب المتعبين البائسين..
أعن قلوباً عمرُها عمرُ البراعم والندى،
وعمرُ زهر الروض، عمرُ الياسمين..
أعنْ أناساً زادُهم بعضُ المحبَّة والتوكُّل واليقين..
أعنْ شعوباً أرهقتها الفِتنُ الحمراءُ والحقدُ الدفين..
أعنْ.. أعنْ..
أعن.. وجنِّبنا المذلَّة والتشرد والأنين..
أعن.. أعن..
أعن.. أعن..
فقدتُ صوتي، ثمَّ نفسي، والطريق،
وصرتُ من بعض الرُّكام..
في مَهْمَهِ الطغيانِ والهذيانِ والإرهاب والحكام والظُّلام،
أعمى وأمشي في الزّحام..
أصيح: إرشَدْ يا أخي، بعضَ المحبةِ والمودةِ والترفُّقِ بالأنام..
يجيبني عقلٌ تجرَّدَ من فِطنْ،
جوفٌ تفجر بالنَّتن..
سيفٌ تجرَّد للمهالك، للمحن..
وتجيبني صرخاتُ موتٍ في الظلام..
وأصير رعباً في الأنام.!!
ـ ٨ ـ
آهٍ.. صديقي..
يتَّمَتْ قلبي أناشيدُ العبيد..
وهيْنماتٌ من رخام..
وضارعاتٌ في بلاد الشام ينشُدْن الطعام..
يمتدَّ من حولي الدمارُ بلا زِمام..
ها أينَعت روحي.. تعبت..
آه.. صديقي..
أين رشد الناس في هذا الخصام.؟!.

إلى الأعلى