السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. ما وراء رفض مبادرة ميستورا

شراع .. ما وراء رفض مبادرة ميستورا

خميس التوبي

كالعادة وفي كل مرة يكشف الميدان السوري طبيعة الأجندات والمعادلات للمؤامرة على سوريا، وكلما حقق الجيش العربي السوري وقوات الدفاع الوطني إنجازات ميدانية وأحبطا مخططًا إرهابيًّا أو صدا هجومًا إرهابيًّا، سقط المزيد من أقنعة النفاق والكذب التي يتقنع بها معشر المتآمرين وتجار الحروب وحقوق الإنسان وخاصة الإنسان العربي، سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن وهلم جرا.
لا تزال مدينة حلب والحسكة (شمالًا) ودرعا والقنيطرة (جنوبًا) تواصل استنطاق الواقع ليبوح بحقيقة تجار الحروب والمتآمرين من خلال الواقع الميداني الذي فرضه الجيش العربي السوري لإجبار المتآمرين وعصاباتهم الإرهابية على البوح بما يخفون من أسرار لمخططات لا تستهدف فقط سلخ الشمال ومركزه مدينة حلب عن الوطن الأم السوري، والجنوب ومركزه الجولان السوري المحرر وما يواليه من المحافظات حماة ودرعا، وإنما تستهدف القطر السوري بأكمله عبر استنزاف جميع القوى المتواجهة في الميدان الجيش العربي السوري وحلفاء سوريا الداعمين، والعصابات الإرهابية بمختلف تشكيلاتها ومسمياتها (داعش والنصرة والجيش الحر والجبهة الإسلامية وأحرار الشام وحزم وخراسان وغيرها) وبما فيها تلك الملطف اسمها كذبًا وزورًا بـ”المعارضة المعتدلة”.
وإزاء هذه الاستماتة المشاهدة واللافتة من قبل معشر التآمر والعدوان لتدمير سوريا وما يشتغل عليه الإعلام التابع والموالي لهم من خلال تصريحاتهم المنحرفة أخلاقيًّا وسلوكيًّا والشاذة سياسيًّا ودبلوماسيًّا، يحاولون تصوير تآمرهم وعدوانهم عبر ماكيناتهم الإعلامية وعملائهم وأذرعهم وعصاباتهم الإرهابية وإخراجه على أن هناك غزوة إيرانية (شيعية) للسيطرة على المنطقة على النحو المشاهد في سوريا ولبنان والبحرين واليمن، وبالتالي يجب مواجهتها وإجهاض هذه الغزوة. هذا العزف على الوتر الطائفي بدا يأخذ أبعاده الخطيرة في تأجيج النزعة الطائفية والمذهبية لدى السواد الأعظم من المتلقين لهذا الخطاب التحريضي الفتنوي الطائفي، وتعكير صفو وعيهم بأفكار سامة مهلِكة ومدمِّرة لحاملها والمحمولة إليه.
وبالعودة إلى الميدان ودوره في فرز المشاهد بكل صورها وألوانها وتفاصيلها نجده بوقائعه يفند ذلك الخطاب السياسي التآمري العدواني الملبس لبوسًا طائفيًّا ويدحضه بالشواهد والأدلة في الزمان والمكان والشخوص، لينزع الغطاء عن حقيقة مؤامرة “الحريق العربي” بأن ثمة طرفين لا ثالث لهما في الميدان هما: الأول: الدول العربية المستهدفة والمطلوب رأسها وكذلك حركات المقاومة والتحرر الوطني ومن معها من الحلفاء والداعمين. والثاني: كيان الاحتلال الصهيوني ومن معه من الحلفاء الاستراتيجيين والعملاء والوكلاء دوليين وإقليميين وبعض العرب. ومن يتابع الأمور في ليبيا وما آلت إليه من فظائع ومآسٍ وإرهاب غير مسبوق يدرك هذه الحقيقة، فالدولة الليبية التي كانت تقاوم الغزاة والمتآمرين أُسْقِطت لضعف مؤسساتها العسكرية والأمنية، ولانعدام الحلفاء أو تخليهم عن دعمها، وحُوِّلت ـ وفق الأهداف الاستراتيجية العدوانية التآمرية المعدة لها ـ إلى دولة فاشلة، وحُوِّلت إلى خزان ضخم للإرهاب وتفريخ عصاباته وتصديرها وللسلاح وإمداد تلك العصابات به، حيث الأنباء الواردة من ليبيا تشير إلى أن سفنًا تابعةً لدول داعمة للإرهاب تأتي إلى السواحل الليبية الممتدة لآلاف الكيلومترات فتفرغ أطنانًا من الأسلحة، فضلًا عن طائرات الشحن التي تلقيها بالمظلات للعصابات الإرهابية التي شكلها كيان الاحتلال الصهيوني عبر مهندس المؤامرة العدوانية الصهيوني برنارد هنري ليفي الذي تباهى بأنه تمكن من جر حلف شمال الأطلسي للتدخل العسكري في ليبيا عبر الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. وقبل ليبيا كان العراق ولا يزال. واليوم تدور عجلة التآمر والعدوان على سوريا لإلحاقها بليبيا، وجارٍ الإعداد لمصر. ولولا صمود الدولة السورية وجيشها العربي البطل واليقظة للشعب السوري ـ وإن كانت متآخرة ـ ولولا الدعم الإيراني والروسي والصيني ودعم حزب الله والغيارى على سوريا قلعة المقاومة وقلب العروبة النابض لكانت أثرًا بعد عين، ولذلك يتم معاقبة الدول التي تمنع إسقاط الدولة السورية وتعارضه بكل قوة، كما هو حال الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتصوير دعمها تصويرًا طائفيًّا بغيضًا وأنه غزوة شيعية لاحتلال المنطقة، وأن سوريا أصبحت محتلة إيرانيًّا، وكذلك كما هو حال روسيا التي يجري معاقبتها باللعب في فنائها الأمامي وحدائقها الخلفية وتحديدًا في أوكرانيا وبعثرة نظام حكمها واستقرارها، وفرض عقوبات اقتصادية بحجة تدخلها في الشأن الأوكراني. ومن ينظر إلى حقيقة الطرفين المتواجهين ـ في الميدان أولًا ثم في السياسة ـ بإمكانه أن يحدد موقفه إما مع الدولة العربية المستهدفة صهيو ـ غربيًّا وإما مع كيان الاحتلال الصهيوني فيكون أحد عملائه وخدمه.
ولذلك لا عجب أن يرفض معشر المتآمرين بالإيعاز إلى عملائهم وعصاباتهم الإرهابية مبادرة ستيفان دي ميستورا مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا والقاضية بـ”تجميد القتال” في مدينة حلب، لأن الميدان فرض ذاته وأجنداته على معشر المتآمرين بحرمانهم من تحقيق ما ظلوا يعملون عليه منذ بداية المؤامرة وإلى اليوم بمحاولة سلخ حلب عن الدولة السورية كما الموصل بالعراق وإلحاقهما بالاستعمار العثماني الذي يشتغل القادة الأتراك على إحيائه. فالميدان في حلب أطاح بأحلام الكثيرين من غزاة العصر ومستعمريه وإرهابييه، وما رفْضُ مبادرة دي ميستورا إلا دليل على ذلك؛ لأنه سيصار في المدينة ذات السيناريو الذي طبق من قبل في مدينة حمص. ولذلك فإن الأنباء عن عزم تركيا نقل قاعدة إنجرليك إلى شمال سوريا، حيث مدينة عين العرب وحلب والحسكة والقامشلي، واردة يعززها قيام أنقرة بنقل ضريح سليمان شاه والد مؤسس الدولة العثمانية إلى الحدود السورية ـ التركية في شمال سوريا والذي يراد له أن يكون مسمار جحا، وكذلك تصريح الجنرال الأميركي جون آلن منسق التحالف الدولي ضد “داعش” أن الولايات المتحدة “ستحمي” إرهابيي “المعارضة المعتدلة” الذين ستدربهم وتسلحهم وذلك حالما يصبحون في ميدان القتال، مؤكدًا “لدينا مشروع واضح لتدريبهم وتجهيزهم بأحدث الأسلحة ولكن أيضًا لحمايتهم عندما يحين الوقت”. والهدف طبعًا من كل ذلك هو مواصلة عملية التدمير والاستنزاف الممنهجة للدولة السورية وحلفائها وداعميها وإهلاك العصابات الإرهابية والتخلص منها.

إلى الأعلى