الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حقيقة الترويج لـ “انهيار” السلطة!

حقيقة الترويج لـ “انهيار” السلطة!

د. فايز رشيد

” من قبل وعدت السلطة مرارا بـ “حلّ” نفسها ووقف التنسيق الأمني مع العدو ، ولم تتم لا هذه الخطوة ولا تلك؟. صحيفتا معاريف وهآرتس الإسرائيليتان أكّدتا قبلا وفقا لرئيس ملف المفاوضات في السلطة صائب عريقات أن السلطة الفلسطينية أبلغت دولاً في العالم بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة, نيتها حل نفسها…”
ـــــــــــــــــــــــــــــ

الإدارة الأميركية تحذّر من “انهيار” السلطة الفلسطينية في ظل العجز عن دفع رواتب الموظفين بسبب احتجاز الكيان لأموال الضرائب الفلسطينية. قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية للكيان تقوم بترويج هذه الإشاعة. السلطة الفلسطينية ذاتها تقوم بالترويج لانهيارها بشكل يومي! وتروّج أيضا (مثلما روّجت من قبل) أنه وفي اجتماع “المجلس المركزي” الفلسطيني ( المقررعقده في رام الله في الرابع والخامس من مارس الحالي) سيتم اتخاذ قرار بوقف التنسيق الأمني مع الكيان!.من زاوية أخرى تعظّم السلطة الفلسطينية من اعتراف دول العالم المتزايد بدولة فلسطين العتيدة!, وبالرغم من أهمية المسألة فهي في الواقع العملي على الارض لا تعني شيئا!.
من قبل وعدت السلطة مرارا بـ “حلّ” نفسها ووقف التنسيق الأمني مع العدو ، ولم تتم لا هذه الخطوة ولا تلك؟. صحيفتا معاريف وهآرتس الإسرائيليتان أكّدتا قبلا وفقا لرئيس ملف المفاوضات في السلطة صائب عريقات أن السلطة الفلسطينية أبلغت دولاً في العالم بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة, نيتها حل نفسها ( كان ذلك في أواسط العام 2014 الماضي) في يناير من هذا العام 2015 (مضى الشهر ولم تنفذ السلطة وعودها), في إطار ما تسميه”نقل الصلاحيات إلى الاحتلال” ضمن خطة متدرجة في نقل هذه الصلاحيات, بحيث تبدأ بالصلاحيات المدنية كالصحة والتعليم, وتأجيل الصلاحيات الأمنية إلى وقت لاحق!.
بدايةً، نتمنى لو كانت هذه المسألة صحيحة, فكاتب هذه السطور دعا إلى حل السلطة منذ سنوات طويلة، فحقيقة الأمر أن هذه السلطة ليست سلطة, بل يريدها الكيان كوكيلة عنه في ممارسة الإشراف الحياتي على الفلسطينيين في المناطق المحتلة, دون امتلاكها لأية مظاهر سيادية, يريدها كممثل عنه في حفظ الأمن ومنع القيام بأية عمليات ضده، يريدها سلطة خاضعة للإملاءات الإسرائيلية, وحقيقة الأمر أن السلطة على مدى إنشائها مثّلت هذه المهمات الثلاث، بمعنى أنها في نهاية المطاف ليست غير حكم ذاتي هزيل في المناطق المحتلة. الأمر الطبيعي والحالة هذه أن تقوم السلطة بحل نفسها إذا كانت تحترم ذاتها وتحترم شعبها، ولكن للأسف ليست هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها السلطة عن حل نفسها, هذا أولاً، وثانياً لا نفهم انهيار السلطة في الوقت الذي ذكرت فيه صحيفة هآرتس(الجمعة 28 أكتوبر2014) خبرا قالت فيه:” لقد قامت إسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية بنقل وسائل لتفريق المظاهرات الى رام الله وذلك لأول مرة منذ إقامة السلطة الفلسطينية، وأضافت: نقل الوسائل جاء تلبية لطلب من الجانب الفلسطيني للاستعداد لمواجهة تظاهرات حاشدة،وتشمل الوسائل:قنابل الغاز المسيل للدموع, وطلقات مطاطية, وقنابل صوتية, وأقنعة واقية من الغاز”، كذلك لا نفهم النية لحل السلطة في الوقت الذي ما زال فيه التنسيق الأمني قائماً مع الكيان !.الاحرى بالرئيس عباس: الغاء اتفاقيات أوسلو المدمرة ومن ثم , حل السلطة قبل انهيارها.
معروف أيضاً أن عدد موظفي السلطة يصل إلى 250 ألفاً إضافة إلى 50 ألفاً من عناصر الأمن في كل الأذرع، من الطبيعي والحالة هذه أن يجري التساؤل عن مصير هؤلاء؟ ثم وعلى مدى السنوات منذ إنشاء السلطة: تكونت شرائح اجتماعية اغتنت كثيراً بوجودها وهناك شريحة من السماسرة، وكل هؤلاء معنيون بوجود السلطة واستمرار بقائها، وهؤلاء ليسوا خارج إطار السلطة، بل هم من مؤسسيها وممن يحتلون المراكز الأولى والصفوف القيادية فيها، ومن الطبيعي أن يعمل هؤلاء على استمرار بقاء السلطة وليس حلها، هذه الشرائح شكلت مؤسسات اقتصادية وقيام فئة من رجال الأعمال بالضرورة, صوحبت بمواقع اجتماعية وسياسية وعسكرية أمنية متنفذة بفعل امبراطورياتها المالية.
لا نفهم جدية الحديث عن انهيار السلطة, في ظل تهميش منظمة التحرير الفلسطينية وكافة مؤسساتها، فالقائمون على السلطة ارتأوا فيها بديلاً عن م.ت.ف،لذلك انصبت كل جهودهم على تقوية مؤسساتها على حساب منظمة التحرير. كذلك لا نفهم جدية الحديث عن انهيارالسلطة في الوقت الذي تعاني فيه الساحة الفلسطينية من الانقسام وعدم وجود أدنى الأشكال من الوحدة الوطنية الفلسطينية, فمن يتوقع انهيارالسلطة يبدأ بتطبيق الوحدة الوطنية الفلسطينية ويقوم بإصلاح منظمة التحرير بكافة مؤسساتها،ويقطع كل خيوطه مع المفاوضات مع إسرائيل التي أثبتت عقمها ولا جدواها على مدى عقدين من الزمن، ويعيد الاعتبار للمقاومة بكافة أشكالها ووسائلها وبخاصة المسلحة منها, ولا يقوم باعتقال المقاومين في السجون الفلسطينية ولا يصادر السلاح من أبناء شعبه تحت طائلة المسؤولية، ويقوم بمقاطعة إسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً ويعيد القضية إلى اعتبارها العربي معتمداً على الجماهير العربية, بدلاً من انتظار اجتماعات دولية, وقراراتها التي لن تخرج عن محددات السقف الأميركي لها.من يتوقع جدياً انهيارالسلطة يعيد القضية الفلسطينية إلى الشرعية الدولية وكل قرارات الأمم المتحدة الصادرة بهذا الشأن, ولا يطرح دولة إلا على كل حدود 67, كما يتمسك بحق عودة اللاجئين أيضاً.
من يتوقع انهيار السلطة بشكل جدي يلتزم باستراتيجية مرسومة بدقة,ومستندة إلى عوامل عنوانها: العودة إلى الشعب وما يقرره من حيث التمسك بالحقوق الوطنية الثابتة دون المساومة على أي حق منها،ويمارس تكتيكاً سياسياً يخدم هذه الاستراتيجية التي يتوجب أن تستند أيضاً إلى المقاومة والمسلحة منها تحديداً.
وأخيرا لا آخرا ، من يتوقع انهيار السلطة،لا يقوم في بداية العام الحالي 2015 بتوقيع ما عُرفت بـ “اتفاقية الغاز” مع الكيان الصهيوني!. جرى توقيع الاتفاقية بعيدا عن كل الهيئات الرسمية الفلسطينية, وبموجبها: يتم استيراد 4.75 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي إلى الأراضي الفلسطينية بقيمة تتجاوز تكلفتها 1.2 مليار دولار على مدى عشرين عاما! بالرغم مما يعنيه ذلك من دلالات: أننا سنبقى على هذا الوضع طيلة هذه المدة في الوقت الذي يطمح فيه شعبنا إلى إقامة دولته الفلسطينية المستقلة اليوم قبل الغد. الاتفاقية في التفاصيل تقضي بإمداد محطة توليد الكهرباء في جنين بالغاز الطبيعي طيلة الـ عشرين عاما، لإمداد كل منطقة شمال الضفة الغربية بالكهرباء ، وهو ما يسمح لشركة التوريد الصهيونية بامتلاك نسبة مئوية من المحطة. لقد سبق لرئيس الوزراء الفلسطيني وأن صرّح في أواخر عام 2014 : “بأنه وخلال 3 سنوات ستصبح دولة فلسطين منتجة ومُصدّرة للغاز” ،وعلى هذا الاساس: ترددت انباء عن احتمال استيراد الأردن للغاز الفلسطيني.
في الختام نقول أن الذي أرهن الاقتصاد الفلسطيني وربطه
بـ الاقتصاد الإسرائيلي هو من قام بتوقيع “اتفاقية باريس الاقتصادية” سيئة الصيت والسمعة! ويحكى يومها : أن المرحوم ياسر عرفات وعندما قرأ بنودها ، قام برمي الملف في وجه من قام بتوقيعها وهو رئيس الوزراء الفلسطيني حينها أحمد قريع (أبو علاء)!.
يبقى القول أن من يتوقع جدياً انهيارالسلطة عليه يطرح البديل اللازم في حالة الانهيار وهو: القيادة الجديدة للشعب الفلسطيني من خلال الحوار والتنسيق مع كافة الفصائل الفلسطينية بلا استثناء وبموافقتها أيضا.
الترويج لانهيار السلطة هو محاولة للضغط من أجل الإفراج الإسرائيلي عن الاموال المحجوزة من قبل الكيان, ومن أجل استئناف الولايات المتحدة والدول الغربية والعربية لمساعداتها المالية للسلطة. هذا الترويج ليس أكثر من زوبعة في فنجان.

إلى الأعلى