الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نذر ما لا تحمد عقباه

نذر ما لا تحمد عقباه

أ.د. محمد الدعمي

”.. لا يمكن للمرء إلا أن يلاحظ الدور المربك الذي تلعبه الولايات المتحدة، ذلك أن دعم القوات العراقية والحشد الشعبي، يعني بأن القوات المسلحة الأميركية تحارب الآن إلى جانب قوات إيرانية في نهاية المطاف، على نحو ملتو. وهذه سابقة غريبة للغاية لم يعهد مثيلاً لها منذ الثورة الإسلامية 1979،”
ـــــــــــــــــــــ
أن أعلان جيمس كلابر Clapper، “أكبر جاسوس أميركي” ، كما يحلو للإعلام الأميركي تسميته، عن وجود قوات أو جماعات إيرانية (غير محددة النوعية والحجم) تحارب إلى جانب ما يسمى بـ”الحشد الشعبي” الآن في تكريت، يبدو المشهد أكثر قتامة مما يمكن للمرء أن يتخيل. بل أن وجود هذه الجماعات قد يدق اسفيناً بين مدن الإقليم الذي أطلق عليه الأميركان عنوان “المثلث السني” وبقية أنحاء العراق جنوباً حتى الخليج العربي، الأمر الذي ينذر، ليس بتوسع الشرخ الداخلي في العراق، ولكن بتضاعف جاذبية العراق للاعبين الإقليميين والدوليين من الدول التي تدرك جيداً أهمية الصراع ومديات إرتطام المصالح والأحلاف والتكتلات الدولية التي كانت من أهم القدحات التي اشعلت الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وإذا ما صدق إعلان ” كلابر” أعلاه، وهو مدير المخابرات الأميركية، فان ما سيحدث من صدام عسكري عبر تلك البقاع ونحو إمتدادها إلى مدينة الموصل وإقليمها الغني بالثروات سيكون نذير خطر داهم حتى على وحدة العراق ومسألة بقائه، دولة. إن شعور سكان تلك المدن والبقاع الشاسعة بوجود إيرانيين متجحفلين مع القوات المسلحة الرسمية ومع ما يسمى بـ”الحشد الشعبي” قد يقلب معايير المعركة من منظور الجهة المقابلة، اي السكان المحليين ذوي الأغلبية المسلمة السنية، ذلك أن الصدام سيكتسب بعداً ليس دولياً (عراقي/إيراني)، حسب، ولكنه سيعزز ببعد طائفي خطير لا يمكن إلا أن يترك آثاره المدمرة على تماسك الدولة العراقية بعد أن اقترب عمرها من قرن كامل، إلا بضعة سنوات. البعد الطائفي الذي أقصده لن يفصم عرى التلاحم السكاني والإجتماعي العراقي فقط، بل انه سيدفع بأعداد كبيرة من شبيبة تلك المناطق للإرتماء بتعام في أحضان ما يسمى بـ”داعش”، اي الدولة الإسلامية، تعسفاً وزوراً. وهذا ما سيزيد في خطورة الوضع وإلتهاب العراق الذي غدا ميدان صراع عالمي وإقليمي كان يمكن تجنبه بشيء من بعد النظر والحكمة.
وفي هذا السياق لا يمكن للمرء إلا أن يلاحظ الدور المربك الذي تلعبه الولايات المتحدة، ذلك أن دعم القوات العراقية والحشد الشعبي، يعني بأن القوات المسلحة الأميركية تحارب الآن إلى جانب قوات إيرانية في نهاية المطاف، على نحو ملتو. وهذه سابقة غريبة للغاية لم يعهد مثيلاً لها منذ الثورة الإسلامية 1979، برغم اكتفاء واشنطن بالإسناد الجوي العام وبإرسال خبراء ومدربين عسكريين.
هنا، تغدو المعادلة شائكة للغاية، وبدرجة قد يستحيل معها حل الإلغاز حتى من قبل أذكى العقول. إن وجود قوات أميركية وإيرانية على واحدة من الجبهات فقط يمكن أن يستدرج قوى دولية “عظمى” أخرى الى الساحة بسبب مزيج مركب من روائح النفط والثروات المختلط بالتحالفات والتفاهمات الإقليمية والدولية، خاصة بعدما عكسه الصراع الغربي الروسي اليوم من تبرعمات وتفرعات قادرة على التناسل والتراكب بشكل لانهائي بعد شبه جزيرة القرم والحرب الأهلية في مقاطعات باوكرانيا، وبعد تداعي المشهد الأوروبي، أي الوساطة الألمانية / الفرنسية لتخفيف الالتهاب في أوكرانيا، تجنبا لعودة حرب باردة جديدة مع وجود الرئيس “بوتن” على سدة الحكم في الكرملن.
خلاصتي هي أن الإرتطام العسكري شمال بغداد، ثم بين مدينتي تكريت والموصل مفتوح، كما يراد له، على العشرات من الإحتمالات، أسهلها وأخفها دموي وقابل للتوسع على نحو سرطاني يصعب تدبره أو بتره. وبكلمات أخرى، تورط عناصر أجنبية في صراع كان ينبغي أن يكون محلياً سيفتح أبواباً جهنمية كانت موصدة نحو إمتدادات خارقة حارقة، كان يمكن للحكومة العراقية تجنبها أو تجنب توسعها عبر الروح التوفيقية.

إلى الأعلى