الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مـن ينابـيع القـرآن

مـن ينابـيع القـرآن

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسـلام عـلى الـرسـول الأمـين، وعـلى آله وصحـبه أجمعين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الـديـن وبـعـد:
فـيـقـول الله تعالى في كـتابه العـزيـز:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الإسـراء 9 ـ 10).
كـذلك كل ما في القـرآن الكـريـم مـن آيات تـتعـلـق بأحـكام شـرعـها الله تعالى ، أو بـالجـزاء عـلى الحـسنى ، أو الجـزاء عـلى الـسـوء فإنها تعـم كل مـن اتـصـف بـتلك الـصفات فـلـيس العـبـرة أن تـنـزل الآيـة في حـادثـة خاصة ، وإنما العــبرة في كـونها نـزلـت ردا عـلى قـول قـيـل أو شـبهـة أشـيعـت ، كما قال الله تعالى:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الـفـرقان 32 ــ 33)، ونـزول الآيـة في شـئ واقـع عـرفـه الناس يـلـقى ضـوءا عـلـيـهـا، فـيـفـهـمـونها فـهـما حـقـيـقـيا ويـطـبـقـونها عـلى الأشـخـاص الـذين اتصـفـوا بـتـلك الـصـفات سـواء أكانـت صـفات مـدح أم صـفات ذم.
وما أكـثر الآيات التي يـذكـر الله تعالى فـيها طـباع الناس مـثـل قـوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحـج ـ 11)، وقـوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) (الحج ـ 3)، وقـوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحـج 8 ــ 9)، الجـدال الـذي لا فـائـدة مـن ورائـه، المبـني عـلى حـب الجـدال لا مـن أجـل الـوصول إلى الحـقـيـقـة.
وقـوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (الـبـقـرة 204 ــ 206)، كأن تقـوى الله شـبحـاً تـطارده، وتقـلـق قـلبه وتقـض مضـجـعـه، وكان عـبـد الملك يـقـول: مـن قال لـنا: اتـق الله فـصلنا بين رقـبته ورأسـه، قالها مـن واقـع الملك الكـسروي، لا مـن واقـع إيماني.
أما أمـير المـؤمـنـين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ قال لمـن قال له: اتـق الله يا عـمـر، قال ـ رضي الله عـنه ـ : لا خـير فـيـكـم إذا لـم تقـولها ، ولا خـير فـينا إذا لـم نـقـبلها ، قالها عـمـر بن الخـطاب مـن الـواقـع الإيـمان والخـوف مـن الله. وفي المقـابـل نجـد حالة المـؤمـن الحـق حـالة المـؤمـن الصحـابي الجـلـيـل صـهـيـب بن سـنان أبو يحـيي، وتخـلـيـد لـتـلك الحـالة النـبـيـلة أنـزل الله تعالى فـيه قـوله:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البـقـرة ـ 207)، إنه مـوقـف عـظـيـم، فـعـنـد ما أراد أن يهـاجـر إلى المـديـنة ليـلتحـق بالمـوكـب الإيـماني تعـرض له فـتـية مـن قـريـش ، فـقالـوا له: إلى أين تـذهـب يا صهـيـب؟ قال إلى يـثرب، قالـوا جـئتـنا صـعـلـوكا لا نـتركـك تـذهـب، فـقال لهـم إن تـركـت لـكـم مالي أتا ركي أن أذهـب؟، قالـوا: نـعـم، فأعـطاهـم ماله، ذلك كان سـبب نـزول الآيـة الآنـفـة الـذكـر، إنه الإيـمان إذا وقـر في القـلب صـدقه العـمـل.
وقـوله تعالى:(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البـقـرة 200 ــ 201).
إن الآية التي نحـن بـصـدد تفـسـيرها، والـتي سـنـذكـر سـبـب نـزولها، ومـن نـزلـت فـيه عـلى حـسب ما قاله المـفـسرون، لـيـسـت خاصة بمـن نـزلـت فـيه، فـلا يخـطـئن أحـد فـيـظـن أنها مقـصورة عـلـيه، ولـكـن هي حـسب ما يـقـوله العـلماء مـنـذ عـهـد المفـسرين الأولـين مـن الصحابة والتابـعـين.
والعــبرة بعـمـوم اللـفـظ لا بخـصوص الـسـبـب، ويـجـب أن نحـفـظ هـذه العـبارة حـفـظاً جـيـداً دائماً وأبـداً، وبالـرغـم مـن أن مـعـرفة سـبب الـنـزول مـهـم لأنه يـعـيننا عـلى فـهـم المعـنى، ولـكـن لا يجـوز أن نـظـن بأن ذلك الأمـر خـاص به هـو وحـده ، وإنما يجــب عـلـيـنا أن نـعـتـقـد أن كل مـن اتصـف بـتـلك الـصفات، وعـمـل تـلك الأعـمال يـجـازى بمـثـل ذلك الجـزاء إن خــيراً فـخـير وإن شـراً فـشـر.
وأعـيـد وأنبـه وأحـذر جـيـداً مـن أن يـقـول أحـد، إن هـذه الآيات في فـلان أو في فـلان فـقـط ، فهـي تخـصـه ولا تعـنـينا، وإنـنا إذا سـلكـنا هـذا المسـلك وصـلنا إلى كـلام المبـطـلـين الضالـين المفـسـدين الــذين يـقـولـون: إن الـقـرآن نـزل عـلى قـوم عـرب بـداة ذوي عـقـول قاصـرة وحـياة بســيـطـة، ولـم يـنـزل عـلـيـنا نحـن أهـل الـقـرن الحـادي والعـشـرين المتـقــدمين الـذين بـلغـوا في العـلـم أعـلى درجـة، وفي الناس مـن يـقـول هـذا الـكـلام الـيـوم ، ألا إنهـم هـم الـكـفـرة الـفـجـرة.
إن الـقـرآن الكـريـم كـتاب الله الخـالـد ، هـو آخـر رسـالة الـسماء إلى الأرض ، وكل ما فـيه محـكـم ، وأحـكامه لا تـبـطـل ولا تـنـقـض أبــدا، وإن كان شئ مـن النسـخ وقـع في زمـن النـبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) فـقـد انتهى بالـتحاقـه بالـمـلأ الأعـلى وانـقـطاع الـوحي، فـلا شئ مـن آيات الله وأحـكامه يـبـطـل، أو ينـسـخ وكل مـن ادعى هـذا فـهـو ضـال مـضـل وكـلامه لـيس مـن الـدين في شئ ولا يـلـتـفـت إلـيه أبــدا، ولـكـن ماذا قال المـفـسرون في قـوله تعالى:(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى)(النجم 34 و35).
قال تعالى:(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى)، يعـني: أرأيـت هـــذا الـــذي أعـــرض عـن الحـق المـبـين وتـولى عـن الـذكـر بـعـد أن كان مـلـتـفـتا إلى جـهـة الخـير والحـق؟ ،و(وأعـطى قـليـلا) الإعـطاء: هـو فـعـل الخـير والإحسان إلى الغـير بالمال وغـيره، ويمـكـن أن يــدخـل في الإعطاء الإسـلام لـرب العالـمين وقـبـول الحـق، وإن كان أول ما يــراد بالإعـطاء هـو فـعـل الخـير بـقـصـد الـثـواب والأجـر إن كان ذلك الإعطاء مـن المـؤمـن لـوجـه الله تعالى:(وأكـدى) يـعـني: وصل الكـدية، والكلمة مأخـوذة مــن الكــدية، والكـدية هي الجـبـل الصـغـير، وغـالبا ما تكـون الكـدى صـلبة مـن حجـر وصخـر، و:(وأكــدى) يـعـني وصل الكـدية، فإذا كان أحـد يحـفـر نفـقا أو كـهـفـا أو خـنـدقـا ووصل إلى مـنـطـقة صـلـبة مسـتـعـصية يـقال فـيه (أكـدى)، وكـذلك يـقال أجـبـل إذا وصل إلى الجـبـل ، وهـذا هـو المعـنى الحـقـيـقي للكـلـمة.
وقـد اسـتـعـمله العـرب مـنـذ الـقـديـم اسـتعـمالا مجـازيا، فـقالـوا: أكـد الشاعـر، وذلك إذا بـدأ في نـظـم قـصيـدة ثـم تعـثر ولـم يـعـد فـكـره يمـده بشيء مـن الشـعـر، كـذلك يـقال: أكـدى الخـطـيـب إذا كان مـنــدفـعـا في خـطابه ، ثـم تـوقـف ولـم يـعــد فـكـره يـــدر عـلـيـه بشئ مـن المعـاني والكـلمات.
إذن: كلمة:(أكـدى) تقال للشـخـص إذا تجـاوز المنـطقـة السـهلة الـرطـبة إلى منـطـقة قاسـية صلـبـة فـعـجـزت مـعاوله عـن حـفـرها، كـذلك اسـتعـمل الله تعالى كلمة:(أكـدى) في الآيـة في هـذا السـياق، فـقال:( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى) يعـني: أرأيـت الـذي كان يـفـعـل الخـير ثـم تـوقـف عـن مـواصـلة فـعـل الخـير؟.
وقال في شـأنه:(أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) (النجم ـ 35) ولـكـن لماذا تـوقـف عـن فـعـل الخـير الـذي كان يـفـعـله؟ ، ولماذا أعـرض عـن الجهـة التي كان مـتجـها إلـيها ؟، أعـنـده عـلـم الغــيـب فـهـو يـعـرف ماذا يـقـع في المـستـقـبـل، فـيتـصـرف بعـلـم؟ وعـلـم الغـيب لا يعـلمـه إلا الله فهـو مـن خـصـوصـياته وأسـراره سـبحانه وتعالى. قال الله تعالى:(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم 36 ـ 37)، أم لـم يـبـلغـه ما كان في صـحـف النبي إبـراهـيـم والنبي مـوسى مـن سـنن الله؟، ولحـكـمة ما ذكـر الله إبـراهـيـم (عـلـيه السـلام)، لأن جـمـيع الأمـم ــ الـيـهـود والنـصـارى والمسـلـمـين ــ يـفـتـخـرون بالانـتساب إلـى النبي إبـراهـيـم، فـهـو أبـو الأنـبيـاء، وجـد النبي محمد (صلى الله عـليه وسـلم)، فـكل يـدعـي أنـه عـلى ديـن النبي إبـراهـيـم ومـلـتـه، وإنما ذكـر مـوسى (عـلـيـه السلام) لشـهـرة شـريـعـته وكـثـرة المنـتمـين إلـيها، ولوجـودهـم في الجـزيـرة العـربية عـنـد نــزول الـقـرآن الكـريـم ، ولاحـتـكاك العـرب بالـيـهـود والنصارى.

.. للحـديـث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى