الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “اللغم الكبير” في “المفاوضات النووية” بين طهران وواشنطن!

“اللغم الكبير” في “المفاوضات النووية” بين طهران وواشنطن!

جواد البشيتي

الرئيس أوباما يبدي دائمًا حرصًا على تأكيد أهمية وضرورة التوصُّل إلى اتفاقية مع طهران، تُسَوَّى فيها نهائيًّا مشكلة “القلق الغربي (والإسرائيلي) من نيَّات عسكرية لإيران تكمن في برنامجها النووي”، على الرُّغْم من إعلان طهران، وتأكيدها، غير مرَّة، أنَّ برنامجها هذه لن يكون إلاَّ مدنيًّا، يستهدف، في المقام الأوَّل، توليد الكهرباء من مَصْدَر نووي، وعلى الرُّغم، أيضًا، من إدراج المرجعية الدينية الإيرانية صُنْع إيران للقنبلة النووية، أو حيازتها لها، أو استخدامها لها، في عِداد المُحرَّمات الدينية (الإسلامية).
ومع أنَّ الرئيس أوباما ظلَّ مستمسكًا بالتزام الولايات المتحدة القديم عدم السماح لإيران بصنع سلاح نووي فإنَّه أعرب، غير مرَّة، عن تخوُّفه من تبعات وعواقب الحرب، قائلًا (وكأنَّه يُفاضِل ليُفضِّل) إنَّ عدم التَّوصُّل إلى اتفاقية (نهائية، أو طويلة الأمد) مع طهران في شأن برنامجها النووي هو أَمْرٌ أخطر بكثير من التَّوصُّل إليها.
كلا الطرفين (الولايات المتحدة وإيران) يريد (ويسعى إلى، وله مصلحة في) تسوية نزاعه مع الآخر، ويَفْهَم “الانتصار” على أنَّه صراعٌ يمكن ويجب أنْ ينتهي بجَعْل الخصم (أو العدو) صديقًا. الولايات المتحدة، وفي عهد إدارة الرئيس أوباما على وجه الخصوص، لا تُمانِع في إنهاء كل العقوبات (الدولية، أو الغربية) المفروضة على إيران، التي تبدو موافِقَة تمامًا على إثبات وتأكيد أنَّ برنامجها النووي لن يتمخَّض (أبدًا) عن قنبلة نووية؛ لكنَّ طهران، المُصرَّة على الإنهاء الفوري لكل العقوبات، تُقيم، في مفاوضاتها مع واشنطن، صلة (غير مُعْلَنَة) بين تسوية مشكلة “البرنامج” وبين التَّوصُّل إلى تفاهم بين الطرفين في شأن الدَّوْر الإقليمي لإيران.
ومعنى إرضاء الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل) في شأن البرنامج النووي الإيراني هو أنْ تَضْمَن “الاتفاقية (النهائية)” مسافة واسعة (بالمعنَيَيْن الزمني والواقعي الموضوعي) بين هذا “البرنامج (المدني، الكهربائي)” وبين تَحَوُّل إيران إلى “دولة نووية بالقوَّة”، أيْ دولة لم تَصْنَع بَعْد قنبلة نووية؛ لكن في مقدورها صنعها فورًا في أيِّ وقت تشاء.
إنَّها “المسافة”، والتي من معانيها “نِسْبَة التخصيب”، هي التي ما زالت مدار الخلاف بين الطَّرفيْن؛ فـ”إطالتها كثيرًا (بمقياس الزمن، وبمقاييس الواقع الموضوعي لهذا البرنامج)” هي ما يستبد بالتفكير الاستراتيجي للولايات المتحدة التي تَعْلَم (والآن على وجه الخصوص) أنَّ إيران لن تلبِّي لها هذا المَطْلَب إلاَّ بشروط ليست بالسهلة. وأحسبُ أنَّ المرونة التفاوضية لإيران في شأن برنامجها النووي لن تكون إلاَّ بحجم المرونة التفاوضية للولايات المتحدة في الدور الإقليمي الإيراني.
إنَّ إيران، ومن غير أنْ تبلغ ببرنامجها النووي حدَّ صُنْع القنبلة النووية، ومن غير أنْ تبلغ به حدَّ جَعْلها “دولة نووية بالقوَّة”، استطاعت أنْ تبلغ ما بلغته من نفوذ إقليمي متعدِّد الوجه والبُعْد؛ ومع ذلك، ثَمَّة أَمْرٌ مهم اختلف وتغيَّر الآن، ألا وهو وَضْع “الصلابة التفاوضية” لإيران على نارٍ قوية، هي كناية عن هذا الانهيار الكبير، السريع، والمتسارِع، لسعر برميل النفط، على الرغم من عودته إلى الارتفاع قليلًا؛ وقد يبلغ “الانهيار” حد “اللاجدوى التجارية”، أيْ البيع بسعرٍ يعدل “كلفة الإنتاج”، أو يقلُّ عنها.
مهلة التفاوض الجديدة قد تُسْتَنْفَد من غير التَّوصُّل إلى “الاتفاقية الدائمة”؛ لأنَّ المفاوِض الإيراني ما زال محتفظًا بـ”صلابته التفاوضية”، أو لأنَّ الأزمات الإقليمية لم تَعْنُف وتشتد بما يُعَظِّم الميل لدى إدارة الرئيس أوباما إلى تقديم ما يكفي من التنازل إلى إيران. وهذا “الإخفاق” يُرَجَّح أنْ يُعالَج بما لا يَصْلُح علاجًا، أيْ بتمديد جديد للمفاوضات؛ فإنَّ “انهيارها المُعْلَن السافِر” ليس بالأمر الذي يقع موقعًا حسنًا من نَفْسيِّ الطرفين.
انهيارٌ مفاجئٌ للمفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، يبقى احتمالًا واردًا، وإنْ بدا الآن ضئيل الواقعية؛ فالطرفان لهما مصلحة واضحة جليَّة في أنْ يبذلا وسعهما لاجتناب هذا “الشَّر السياسي (الاستراتيجي)”؛ لكن، دَعونا نفترِض أنَّ هذا الانهيار قد وَقَع، وأنَّ المسار التفاوضي (الذي سارا فيه زمنًا طويلًا) قد اُقْفِل نهائيًّا؛ فما الذي يمكن أنْ يَقَع ويَحْدُث في “اليوم التالي”؟
الكونجرس الجمهوري ونتنياهو سيكونان في مُقدَّم المحتفلين والمبتهجين بهذا “الانهيار”؛ فالجمهوريون يَبْدون متمسكين باستمرار (وتشديد) العقوبات على إيران حتى يتحقَّق “الهدف النهائي (غير المُعْلَن)”، والذي لا يَمُتُّ بصلةٍ إلى “تدجين” برنامجها النووي، ونَزْع “الوحشية” الكامنة فيه، على ما يرون؛ أمَّا نتيناهو، الذي لن يذهب منفردًا إلى الحرب لتدمير البُنْيَة التحتية لبرنامج طهران النووي، مع مواقع ومنشآت إيرانية استراتيجية أخرى، فسوف يَدْفَع في اتِّجاه اختصار وتقصير المسافة بين تشديد العقوبات على إيران وبين توريط الولايات المتحدة (مع غيرها) في حربٍ على هذه القوَّة الإقليمية الصاعدة.
إيران، والتي لن تتصرَّف بما يَدْفَع الولايات المتحدة، ويضطرها، إلى شَنِّ حرب عليها، ستُقرِّر في “اليوم التالي” المضي قُدُمًا، وفي حرية من كل قَيْد، في برنامجها النووي، مؤكِّدةً، في الوقت نفسه، أنَّها ما زالت ملتزمة “عدم صُنْع سلاح نووي”. ومع ذلك، ستحرص إيران على أنْ تتصرَّف نوويًّا بما يرفع منسوب قلق خصومها من هذا البرنامج، ومن النِّيَّات الكامنة فيه؛ لعلَّ الولايات المتحدة تستشعر أهمية وضرورة العودة إلى المسار التفاوضي، مُبْديةً، هذه المرَّة، مزيدًا من المرونة.
وفي موازاة ذلك، ستلعب طهران (وبشيء من الحذر والتَّروي) بعضًا من “أوراقها الإقليمية”، التي تتوقَّع أنْ يكسبها لعبها مزيدًا من القوَّة التفاوضية في خصومتها الجديدة مع واشنطن، التي ستُدْرِك، عندئذٍ، وعلى ما تتوقَّع طهران، أنَّ لها مصلحة حيوية في التعاون معها. وتتوقَّع طهران، في الوقت نفسه، أنْ يَلْقى حراكها الإقليمي الجديد سَنَدًا له، ولو مستترًا بعض الشيء، في موسكو المتضرِّرة هي أيضًا، وكثيرًا، من العقوبات الغربية، ومن انهيار سعر برميل النفط، والذي يفهمه الكرملين على أنَّه جزء من تلك العقوبات.
هذا السلوك الإيراني، والذي سيتزامَن مع استمرار وتشديد العقوبات الغربية على إيران، ومع مزيدٍ من الانهيار في سعر برميل النفط، لن ينزل بردًا وسلامًا على واشنطن، بمصالحها وأهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط؛ وقد يتمخَّض بنتائج (تريدها أو لا تريدها طهران) يمكن أنْ تعتدها واشنطن أسبابًا وجيهة لشن الحرب عليها؛ فإذا وَقَعَت الحرب، تصرَّفَت إيران، عندئذٍ، بصفة كونها المعتدى عليه؛ وما زال عَجْز الولايات المتحدة عن توقُّع أشكال وصُوَر “الرَّد الإيراني”، مع تخوُّفها من احتمال أنْ تَجِد نفسها عاجزة عن مواجهة هذا “الرَّد”، هو السبب الذي يحمل إدارة الرئيس أوباما على التَّصَرُّف بما يمنع نزاعها مع طهران، ومهما اشتد وعَنُف، من أنْ يتمخَّض عن حربٍ، المعلوم من نتائجها وعواقبها قطرة في بحر المجهول.
ومع أنَّ طهران ستحرص كل الحرص على التَّصَرُّف، بعد انهيار المفاوضات، بما يمنع اشتداد نزاعها مع واشنطن من التمخُّض عن حرب، فإنَّ تَعاظُم الانهيار في سعر برميل النفط قد يُرْغمها على أنْ تسلك سلوكًا محفوفًا بالمخاطِر، وما كانت ترغب فيه (وفي نتائجه وعواقبه) من قبل؛ فالإيرانيون لن يستطيعوا تَحَمُّل عواقب أنْ يبلغ الانهيار في سعر برميل النفط حَدَّ البيع بما يعدل كلفة الإنتاج، أو يقل عنها.

إلى الأعلى