الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أخيرًا .. قرار فلسطيني بوقف التنسيق الأمني

أخيرًا .. قرار فلسطيني بوقف التنسيق الأمني

علي عقلة عرسان

الفلسطينيون يتحركون بعد ٢٢ سنة “من توقيع اتفاق أوسلو السيئ الذكر الذي تم استنادًا إليه أو عملًا به إقامة تنسيق أمني مع كيان الإرهاب والاحتلال الصهيوني، وإقامة سلطة فلسطينية تتحمل عمليًّا تكاليف الاحتلال وتبقى رقبتها في قبضته.. اثنتان وعشرون سنة أثبتت خلالها اتفاقية أوسلو أنها نكبة على الشعب الفلسطيني وتم فيها استيطان وتهويد وتفتيت لإرادة الشعب الفلسطيني وتمزيق لوحدة مقاومته، وعدوان إثر عدوان عليه.. ولم تقدم أوسلو سوى الخسران لقضية فلسطين.. اليوم في الخامس من شهر آذار/ مارس ٢٠١٥ قال المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية من رام الله كلمة مفيدة في هذا الموضوع هي خلاصة قرار فلسطيني له ما بعده، ويترتب عليه فعل فلسطيني مغاير لما كان، تقع مسؤوليته على الجميع لا سيما فتح وحماس بالدرجة الأولى.. فعل بناء قد يبدأ بإنعاش آمال والعودة الحقيقية لمبادئ الميثاق الوطني قبل أن تغيره أو قبل أن يتغير، بفعل أوسلو الجثة التي طالت المدة وهي مسجاة تنتظر الدفن.
وكلمة المجلس أو موقفه المبدئي تضمنها البند الخامس من بيانه الصادر يوم الخميس الماضي في رام الله.. وهو موقف ينهي وضعًا شاذًّا وحالة أكثر من غريبة في تاريخ ثورات الشعوب الواقعة تحت الاحتلال وفي علاقتها بالمحتل.. فقد كنا أمام حالة غريبة جدًّا بل مريبة، حيث يوجود شعب تحت الاحتلال يستهدف وجودة بالكامل ويتحمل هو عنه تكاليف الاحتلال وتبعاته، بل وينسق مع عدوه أمنيًّا لملاحقة من يقاوم ذلك العدو، ومن يسعى إلى التحريض على مقاومته، أو يرتب شيئًا ضده؟!
فقد قرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، في دورته العادية السابعة والعشرين “دورة الصمود والمقاومة الشعبية” التي عقدت في رام الله يومي يومي الأربعاء والخميس (4-5 آذار2015)، وحضرها (80) عضوا من أصل (110) أعضاء، عدة قرارات تضمنها بيانه النهائي نوجز منها الآتي، تحت بنود حددها: “أولًا: يعلن المجلس المركزي الفلسطيني تمسكه والتزامه المطلق والثابت بحقوقنا الوطنية وبإعلان الاستقلال وحق دولة فلسطين في ممارسة سيادتها على أرضها، ويؤكد المجلس أن طريق الأمن والسلام والاستقرار في فلسطين وفي الشرق الأوسط لن يكون سالكًا إلا بقيام دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة وفق القرار 194، ومبادرة السلام العربية، وحق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني.
ثالثا: إن الشعب الفلسطيني يرفض الاحتلال ويرفض الاستيطان ويتصدى عبر مقاومته الشعبية لحماية أرضه وحقوله ومساجده وكنائسه.
رابعًا: يدعو إلى توحيد المرجعيات السياسية الوطنية لمدينة القدس.
خامسًا: “وهو الأهم”:
1. تحميل سلطة الاحتلال (إسرائيل) مسؤولياتها كافة تجاه الشعب الفلسطيني في دولة فلسطين المحتلة كسلطة احتلال وفقًا للقانون الدولي.
2. وقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي في ضوء عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين.
3. التأكيد على أن أي قرار جديد في مجلس الأمن يجب أن يضمن تجديد الالتزام بقرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبما يضمن تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال وتمكين دولة فلسطين من ممارسة سيادتها على أرضها المحتلة عام 1967 بما فيها العاصمة القدس، وحل قضية اللاجئين وفقا للقرار 194.
4. رفض فكرة الدولة اليهودية والدولة ذات الحدود المؤقتة، وأي صيغ من شأنها إبقاء أي وجود عسكري أو استيطاني إسرائيلي على أي جزء من أراضي دولة فلسطين.
5. تقوم اللجنة التنفيذية بمتابعة عمل اللجنة الوطنية العليا للمتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية من أجل ملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية ومحاسبة المسؤولين عنها”.
إن قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية التي غاب عنا ذكرها لزمن وغيبت “من أجل عيون من راهنوا على أوسلو”، يكتسب أهمية نوعية، فهو إلى جانب كونه مطلبًا مركزيًّا للشعب الفلسطيني منذ سنوات وسنوات، ومنطلقًا صحيحًا نحو معالجة أسباب الفرقة والاختلاف وحتى الصراع الدامي أحيانًا بين تنظيمات فلسطينية تتبنى المقاومة من جهة؛ وسلطة تتبنى أوسلو وتبني عليها، وترى في “مفاوضات الإفلاس السياسي التي تستمر بالاستناد إليها.. فإنه يشكل عودة واعية ومسؤولة إلى الرؤية الوطنية والاستراتيجية الأصلية الأصيلة، وإلى ثوابت النضال الفلسطيني وخياراته السليمة، وإلى هدف الفعل الفلسطيني المقاوم منذ انطلاق الثورة عام ١٩٦٤ ووفاء للشهداء الذين سقطوا على طريقها، ومتابعة، أو على الأقل إعادة طرح، خيار المقاومة الذي تثبت الأيام والتجارب والمفاوضات و.. و.. ألا سبيل غيره أمام من يسعى لتحرير الأرض والإنسان الفلسطينيين من إرهاب الدولة والعنصرية البغيضة والاحتلال الاستيطاني الذي ينفي الآخر ويبيده.. ذاك المتمثل بـ”إسرائيل”، وأنه ما سبيل للتحر والتحرير وتقرير المصير إلا الوحدة والقوة والاحتماء بالأمة العربية وجرها إلى ساحة مواجهة هي جزء منها ومسؤولة عنها تاريخيًّا وقوميًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا.. وهو طريق كل من لم يوافق على أوسلو، ولا على ما نتج عنها وبني عليها. ووضع ذلك الخيار وما يرتبه على من يختاره أمام الساسة الفلسطينيين والعرب الآخرين، الذين تملصوا من المسؤولية عن قضية فلسطين، وعن “الصراع العربي الصهيوني”، ليتبنى الفلسطيني نفسه معهم، وفي البيان المشار إليه هنا ذاته، “الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”؟! مخليًا مسؤولية الرسمي العربي من جهة، وفاتحًا باب تسويغ ما لا يمكن تسويغه، والاستسلام إلى ما لا يمكن قبوله، وما لا يُبنى عليه سلام حقيقي، بل هو نهاية لكل سلام، كأنما يقول الآخذ به القول: “ها أنا ذا وحدي أمام قوة نووية محتلة وحلفائها، فماذا تريدون مني وقد تخلى العرب عني؟! وفي ذلك ما فيه من مغالطات وتواطؤ عربي ودولي على الفلسطيني وحقه الصريح في وطنه وفي النضال من أجل حقوقه التاريخية وتقرير مصيره في ذلك الوطن الذي ليس له سواه.. وفي ذلك أيضًا إقرار ضمنى بقبول كيان الإرهاب الصهيوني والاعتراف به دولة على حساب فلسطين كلها.. وهو ما تجلت خطواته في المبادرة العربية التي ما زالت تتنفس تحت الماء. قبل أشهر، في كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٤ أثيرت قضية وقف التنسيق الأمني الفلسطيني مع الكيان الصهيوني المحتل.. في ذلك الوقت قال الصهاينة إن التنسيق في مصلحة السلطة وأنها لن تستطيع فعل ذلك.. وكان الكلام أكثر وضوحًا من التلميح، فقد قال مسؤولون سياسيون وأمنيون وعسكريون “إسرائيليون” منهم الوزير إسرائيل كاتس، ما نصه: “إن الرئيس أبو مازن يعرف جيدًا أن ازدياد شعبية حماس وزيادة نشاطها في مناطق السلطة، تهدد أمنه ووجوده على كرسي الرئاسة إذا ما توقف التنسيق الأمني مع إسرائيل”.. كان في هذا القول تخويف للسلطة بشخص رئيسها من حماس على الخصوص، ومن عناصر فلسطينية أخرى في الضفة الغربية قد تنقض عليه في حال غياب التنسيق الأمني مع “إسرائيل” الذي يحميه؟! وفيه أيضًا تعميق للانشقاق الفلسطيني ورفض لأي تقارب بين فتح وحماس، وقيام أية سلطة فلسطينية موحدة.. فالإرهابي القذر نتنياهو كان وما زال يعلن أن حماس منظمة إرهابية، وأن السلطة والرئيس عباس غير مقبولين للتفاوض إذا ما توحدوا مع حماس؟! وقرار المجلس المركزي الفلسطيني اليوم يضع حدًّا لما قاله ويقوله الصهاينة من جهة في هذا الباب، ويؤكد على الوحدة الفلسطينية وعلى قيام السلطة بواجبها في غزة والضفة لتمتين وحدة الصف الفلسطيني.. وهذا يستدعي أن تجتمع أيدٍ لتصفق لأن يدًا واحدة لا تفعل.. وهو أمر حيوي لتنفيذ القرار وللمضي بثقة إلى قرارت وخيارات أخرى. وفي هذا السياق ليس بناء ورود نص في البيان على شكل شرط يقول ما معناه “إن بناء ما دمرته الحرب في غزة”، أي العدوان الصهيوني على غزة، مرهون بكذا وكذا.. فالمسؤولية الوطنية لا تنسجم مع مثل هذا التوجه أو التفكير أو القول، وغزة عانت الكثير مما حرك الضمائر الحية في العالم، فكيف يضع ضمير فلسطيني عليها شرطًا ليتحرك معها، وهي تحت الحصار والمعاناة؟!
وقال المسؤولون الصهاينة في ذلك الوقت أيضًا، مما يتصل بموضوع التنسيق الأمني: “إذا كان الطرف الفلسطيني قادرًا على إلغاء الترتيبات الأمنية بهذه السهولة، وبشكل أحادي الجانب.. كيف تستطيع إسرائيل الاعتماد على أي شرط أمني بما في ذلك إفراغ المناطق الفلسطينية من السلاح، ومنع الاتصالات العسكرية مع عناصر خارجية، كيف تضمن أن يكون هذا فاعلًا ويتم تطبيقه بدون استمرار تواجد الأذرع الأمنية الإسرائيلية في كافة المناطقالفلسطينية؟” من الواضح هنا أن التهديد الذي صدر في حينه لا يقدم جديدًا في الموقف، وهو اليوم على حاله.. فسلطة الاحتلال تنتشر في كل مكان من فلسطين، وتدخل إلى أي بيت متى شاءت، وتسيطر على الضفة الغربية لنهر الأردن وتتمركز فيها، ترفض الانسحاب منها في ظل أي اتفاق تصل إليه مفاوضات.. وفضلًا عن ذلك تستمر في الاستيطان والتهويد وملاحقة الفلسطينيين من الخليل إلى نابلس ومن النقب إلى قلقيلية، وهي لا تترك غزة من شرورها وعدوانها المتواصل وحصارها الخانق ودسائسها التي تعدت كل تصور ممكن.
لقد جاءت ردود جزئية في ذلك الوقت على التهديدات الإسرائيلية، ومما قيل في هذا الصدد: “إن وجود قوات الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود هو عنف بحد ذاته. كل معسكر، وكل جيب عسكري، وكل جرافة تابعة لبلدية القدس في شرقي المدينة، هي جزء لا يتجزأ من عنف الدولة.”، وفي إطار الردود ومواجهة التحديات تم دفعٌ باتجاه تشكيل الوزارة الفلسطينية، والتوجه نحو تفعيلها وقيامها بواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني في غزة والضفة.. وفي إطارها تمت متابعة اتفاقيات دولية، منها ما يرفع قضايا على المجرمين الصهاينة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، بعد أن أصبح لفلسطين هذا الحق بوصفها عضوًا مراقبًا في الأمم المتحدة.. لكن خطوة المكتب المركزي الأخيرة تفتح المجال واسعًا أمام صراع حقيقي وليس أمام تحديات ومماحكات سياسية فقط، وكلام عن مفاوضات في ظل القوة المحتلة التي حتى لو أوقفت التوسع الاستيطاني مؤقتًا، وأفرجت عن قدماء الأسرى الفلسطينيين، فإنها عمليًّا لا تقدم للشعب ولا للفلسطيني المفاوض شيئًا على الإطلاق.. على الاطلاق.. لأن ما قررته وتعاقدت على بنائه من مستوطنات يحتاج إلى سنوات لتنفيذه كليًّا، ولأن الأسرى الفلسطينيين يملؤون السجون والمعتقلات الصهيونية، وبابها دوار، حيث يخرج عشرة ويدخل مئة.
إن قرار المجلس المركزي قرار جدير بالاهتمام، وهو يرتب مسؤوليات جديدة، وتكاليف مادية وبشرية، ويشق طريقًا إلى فلسطين المتحررة من الاحتلال، ليس فقط تلك التي حددها البيان/ القرار بالأرض المحتلة عام ١٩٦٧، بل إلى فلسطين التاريخية أرض الشعب الفلسطيني التي يحتلها الغزاة الصهاينة ويدعمهم في احتلالهم الأميركيون بالدرجة الأولى والأوروبيون ودول أخرى في العالم، لم تجد من العرب وقفة صارمة وراء حقهم، ولا من الفلسطينيين رفضًا للتنازل عن ٧٨٪ من وطنهم التاريخي لعدوهم، ليأخذوا ٢٢٪ من مساحته تتخللها مستوطنات ومعسكرات وطرقات، تجعل من “الدولة الفلسطينية المقبولة” وفق البيانات والقرارات والمفاوضات والتصريحات، شبه محمية تتمتع بأقل ما يمكن من مفاهيم “الحكم الذاتي”، يحملها العدو المحتل قفصًا مزركشًا يطوف به العالم ليقول “انظروا كم نحن عادلون ومظلومون.. لقد أعطينا الفلسطينيين دولة من أرض إسرائيل وعلى حسابها”؟!
قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير قرار في الاتجاه الصحيح، يحمِّل المحتل مسؤولياته بوصفه محتلًّا، أمام القانون الدولي والهيئات الدولية والرأي العام العالمي، ويتابعه سياسيًّا وبكل الوسائل لينهي احتلاله وعدوانه.. وهو قرار ينهي العلاقة الشاذة المرفوضة، علاقة “التنسيق الأمني” التي تشكل للأسف حالة “تجسس رسمي لصالح العدو المحتل”، على فلسطينيين يحاولون مقاومة العدوان والاحتلال وتحرير وطنهم وتقرير مصيرهم بحرية.. وقد كان هذا التنسيق طوال مدة وجودة صفحة سوداء، ما يُكتب فيها يُكتَب على حساب المقاومة الفلسطينية وكرامة الشعب الفلسطيني البطل.. وقد انتهت اليوم بقرار نأمل أن يأخذ طريقه إلى التنفيذ بقوة ودقة ومسؤولية. نعم إنه قرار مكلف، وسيفتح أبوابًا سلبية وأخرى إيجابية، ولهذا يجب الوقوف مع الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير والسلطة للمساعدة على تنفيذه، لأن ذلك في مصلحة الشعب والقضية، وفي مصلحة العدل والحرية، وضد العنصرية والاستعمار والإرهاب، إرهاب الكيان الصهيوني المدعوم بإرهاب الدولة الأعظم التي تستثمر في العنف والإرهاب، الولايات المتحدة الأميركية.

إلى الأعلى