الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “من ترومان حتى أوباما”…نتنياهو ودموع السيدة بيلوسي!

“من ترومان حتى أوباما”…نتنياهو ودموع السيدة بيلوسي!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

احتل نتنياهو الكابيتول لمدة قاربت الساعة. من على منبره العالي ألقى إلى الأميركان جميعًا، حضورًا ومقاطعين، بكل ما حفلت به جعبته المكتظة المحتقنة من عظات وتوجيهات، وأتحفهم مجتهدًا بما جادت به قريحته من فتاوى تكثَّفت وتلخَّصت وتكررت فيها كل مواقفه وتقديراته وتحريضاته وأهاجيه المعروفة حول فزَّاعة الخطر النووي الإيراني، وزاد عليه، بما أوصل لكهنة الكونجرس بأنه إنما يعرف عن هذا الذي يدور مكتومًا في جاري المفاوضات الأميركية الإيرانية ما هو بالخافي عليهم. قوبل الخطيب المنذر والمفتي بحفاوة حرية بأن يحسده على مثلها كل رؤساء الولايات المتحدة السالفين واللاحقين وما بينهم راهنهم أوباما. في المشهد الذي قل نظيره قاطع شيوخ ونواب أميركا المستثارون خطيبهم بالتصفيق وقوفًا، ويقال إن هذه المقاطعة قد نافت على الأربعين مرة، بحيث لم يعد من مجال لجدل حول كون الرجل يحظى هنا، أي في الكونجرس، بمؤيدين متحمِّسين له أكثر من أولئك الذين تركهم من خلفه في الكنيست.
ألقى نتنياهو خطابه المتحدي لأوباما المستاء في عقر دار الأخير، لكنما كان معلَّبًا وملفوفًا بسلوفان كيله لوافر الثناء على من تحداه. أوفى بوعد كان قد قطعه ولم تثنه عن الإيفاء به كافة السجالات والتحذيرات والاعتراضات التي سبقت ذلك، سواء في الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة… وعده بأن يبذل كل ما بوسعه بذله لعرقلة توقيع أي اتفاق تلوح احتمالات اقتراب التوصل إليه بين الإدارة الأميركية وإيران في جاري المفاوضات حول ملف الأخيرة النووي.
ألقى خطابه المنذور في مشهد يجعلك تخال وكأنما هو يلقيه في اجتماع لمركز حزبه الليكود وليس في الكونجرس، وقفل عائدًا من حيث أتى تاركًا من خلفه سجالًا بات الآن برسم الاستخدام السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وآخر مثله من أمامه غدا برسم الاستخدام الانتخابي الآزف في الكيان الصهيوني… عصفوران بحجر واحد!
هناك من العرب من انشغل بإحصاء تعداد القلة ممن قاطعوا خطاب نتنياهو في الكونجرس من شيوخه ونوابه، وجل هؤلاء المقاطعين كانوا من الديموقراطيين، إما تضامنا مع إدارتهم أو حرصًا على “إسرائيلهم” مما قد تجره غلوائية نتنياهو. بل منهم من استلفته أن من بين هؤلاء المقاطعين يهودًا. وهناك من استوقفه تعقيب لسيد البيت الأبيض الغاضب يقول فيه إنه لم يشاهد الخطاب وإنما قرأه، وإن الخطيب لم يقدِّم في خطابه “أي جديد”، أو “قابل للتطبيق”. وكثيرون من استخلصوا أن ما طرحه نتنياهو في خطابه يفتقر إلى الجدية، ولا يتناسب مع ما سبقه من سجالات. وأكثر منهم من استهواه وصف نانسي بيلوسي زعيمة الأقلية الديموقراطية في مجلس النواب الأميركي لخطاب نتنياهو بـ”الإهانة”، وإنها لفرط تقديرها للعلاقات الأميركية الصهيونية أحست بما “دفعها إلى أن تكون قريبة من البكاء أثناء الخطاب”. وهذه وتلك، أغرتهم لأن يبنوا على سراب تفاسيرهم لها مستحب تخيلاتهم لما سوف يشوب هذه العلاقة إثر هكذا خطاب من عوار!
… لكنما نتنياهو المتحدي والموفي بوعد قطعه ولم يثنه عن الإيفاء به كل ما ثار حول ما قطعه من جدل، والذي حوَّل الكونجرس الأميركي إلى منصَّة انتخابية كاملة الأوصاف، أو الذي ينتظر حصاد ثمار غزوته الأميركية المظفَّرة عما قريب في الكنيست، قد أعاد بخطابه إثبات حقيقتين متلازمتين ولا تتناقضان ولا هما في حاجة لإثبات، أولاهما: وكنا قد ركزَّنا عليها في مقال سابق متعلق بالموضوع، هو عضوية وثبات وشائج العلاقة بين كل من واشنطن وتل أبيب، أو عروتها الوثقى العابرة للإدارات الأميركية المتعاقبة، ديموقراطية كانت أم جمهورية، وبغض النظر عن مسمى أو لون شاغل المكتب البيضاوي… العلاقة التي يباهي نتنياهو بتاريخيتها وثباتها ومتانتها كوشيجة يرفعها طرفاها إلى ما فوق السياسة والشخصنة بقوله معتدًا: إنها هي هي والمستمرة “من هاري ترومان وحتى أوباما”…
لقد كان يطمئن صهاينته قبل توجهه إلى الولايات المتحدة بزمن بأن العلاقة بين الطرفين هي “أقوى من أي وقت مضى”، وأعاد مثل هذا فكرره في خطابه في مؤتمر صهاينة “الإيباك”، الذي سبق خطاب الكونجرس بيوم. وبمثله قالت سامنثا باور، سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة، وممثلة أوباما في المؤتمر ذاته، وزادت عليه فقالت بأن هذه “الشراكة محظور أن تتحول إلى لعبة سياسية ومحظور أن تتحطم”، وذكَّرت مستمعيها بأن واشنطن كانت قد اعترفت بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة بعد 11 دقيقة فقط من إعلان قيامه إثر نكبة فلسطين، وإن إدارة أوباما قد “استثمرت عشرين مليار دولار في أمن إسرائيل” باعتباره عندها “استراتيجية تتخطى السياسة”… والأهم أن أوباما، الذي لا يكاد يكظم غيظه من صفاقة نتنياهو، حرص على أن يصف الحدث النتنياهوي برمته بأنه مجرد “خلاف عابر”، ولن يكون له “ضرر دائم”… أو ما يستدعي من رقيقة مثل نانسي بيلوسي أن تذرف دموعها إشفاقًا من حدوثه!
وأخيرًا، ونظرًا لكون الاتفاق حول الملف النووي الإيراني يعد حاجة أميركية بالنسبة لإدارة أوباما، فهو ما سوف تبرمه بلا تردد حال أنضجته المفاوضات الدائرة، في المرصد من موعدها المحدد، أم المدد إن اقتضى الأمر تمديدًا، شاء نتنياهو أم أبى… لماذا؟ لأنه عند الضرورة، واشنطن هي من تقرر وثكنتها المتقدمة هي من تنصاع، وهنا تكمن الحقيقة الثانية، والتي بإضافتها إلى سابقتها، تشكلان معًا السمة الواسمةً لمثل هذه العلاقة مثار كل هذا الجدل راهنًا بين أميركا و”إسرائيلها”، والتي يوصِّفها طرفاها بحق بأنها تظل المافوق السياسة.

إلى الأعلى