الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / هدى الزدجالية تصدر كتاب “جوادر تحت السيادة العمانية 1913-1958م”

هدى الزدجالية تصدر كتاب “جوادر تحت السيادة العمانية 1913-1958م”

كتب ـ سالم بن عبدالله السالمي:
صدر عن مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية في المجال التاريخي كتاب “جوادر تحت السيادة العمانية 1913-1958م” للباحثة هدى بنت عبدالرحمن الزدجالية.ينقسم الكتاب إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة حيث تناولت المقدمة أهمية الموضوع والمنهج المتبع مع الوقوف على أهم الدراسات السابقة مبينة مواطن التباين بينها وبين هذه الرسالة التي تأتي مكملة لما سبقها، عملاً بمبدأ تكامل جهود الباحثين. وقد جاء التمهيد ملقيا نظرة سريعة على تسمية المنطقة، واختلاف رسمها ونطقها بين اللغة العربية، واللاتينية، متحدثاً عن موقعها الاستراتيجي على بحر العرب، وطبيعتها الجغرافية، وملماً بأوضاعها السياسية، والإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية، قبيل مدة الدراسة لتهيئة ذهن القارئ لفهم الأحداث اللاحقة.
جوادر كانت ولا تزال أحد الموانئ العربية فيما وراء البحر، والتي وقفت كشاهد عيان على ذلك الدور العربي الرائد في مناطق آسيا وأفريقيا لفترة ناهزت القرن ونصف من الزمان، وتركت بصمات واضحة إلى يومنا هذا في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتكمن أهمية كتاب “جوادر تحت السيادة العمانية 1913-1958م” في تعلقه بجانب مهم من التاريخ العماني القريب، بناحيتيه السياسية والاقتصادية، وعلى الرغم من تلك الأهمية إلا أن الموضوع لم يحظ بدراسة علمية مستقلة تشمل كافة جوانبه، إذ لم تكرس له دراسة منهجية واحدة ولم يتم التطرق إليه بشكل موسع إلا فيما يتعلق بالجانب السياسي فقط، أما بقية الجوانب فلم تتطرق لها الدراسات السابقة إلا بأسطر قليلة، وبذا غدت الحاجة ملحة لدراسة الموضوع دراسة علمية مركزة؛ فجاء هذا الكتاب محاولة للتركيز على تلك الجوانب التي لم تحظ بالدراسة سابقاً، ومن هنا يأتي كتاب “جوادر تحت السيادة العمانية 1913-1958م” ليسد فراغاً كبيراً في المكتبة العربية والعُمانية عن هذا الموضوع الذي لم يسبر غوره بعد ويحتاج من الباحثين والمؤرخين بذل جهد أكبر في استقصائه والكتابة عنه.
وقد اعتمد الكتاب على المنهج التاريخي المعروف بقواعده المحددة من استقصاء للمعلومات ونقدها وتحليلها والموازنة بينها من أجل رسم صورة قريبة عما وقع فعلاً في جوادر خلال الحكم العُماني ، كما كانت مشاهدات الباحثة خلال زيارتها الميدانية لجوادر معيناً نقل لها صورة قريبة وواضحة عن آثار مجريات الأحداث الماضية.
وخصص الفصل الأول لتقصي طبيعة الإدارة العمانية للمنطقة، وعلاقتها بمركز السلطة العمانية في مسقط، كما استعرض أهم ولاة جوادر وانجازاتهم، وسير العمل في المؤسسات الإدارية، وأبرز ما حصل في هذا الجانب من تطورات، مع التركيز على الجانب الأمني، والتطرق إلى أهم المشكلات والاضطرابات الأمنية، وكيفية معالجتها من قبل السلطة العُمانية.
أما الفصل الثاني فقد تم تخصيصه للحديث عن الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، فتطرق لذكر أهم الأنشطة الاقتصادية، كالزراعة ومشاكلها المختلفة، وما يتعلق بها من أنظمة الري المستخدمة، وأهم الصناعات التي تشتهر بها المنطقة كصناعة الملح وصناعة السفن، ثم ذكر التجارة بما فيها تجارة الأسلحة، والتعريف بأهم العملات المتداولة في تلك الفترة والجمارك التي كان يتم تحصيلها من جوادر. ولا يغفل الفصل التطرق لموضوع الثروات المعدنية خاصة النفط، وأهم الشركات التي حصلت على امتيازات نفطية في المنطقة مع ذكر الاتفاقيات والمعاهدات النفطية، كما يلم الفصل بأهم المستجدات في الجوانب الاجتماعية في جوادر خلال مدة الدراسة.
ويعالج الفصل الثالث موضوع انتهاء السيادة العمانية على جوادر فيحلل أهم الظروف الدولية والإقليمية التي أدت إلى انتهاء تلك السيادة، ولم تظهر قضية جوادر كمشكلة سياسية إلا بعد استقلال باكستان عن شبه القارة الهندية عام 1947م، وكانت حقيقة ملكية عمان لجوادر سواء أكانت مستندة على الوثائق الرسمية أو على مبدأ التقادم لا اختلاف عليه ويتتبع الفصل الثالث تطور مباحثات تسليم المنطقة إلى حكومة باكستان، وأهم المشاكل والضغوطات الدولية، والإقليمية التي تعرض لها السلطان سعيد بن تيمور في تلك الحقبة، انتهاءً بالنتائج المترتبة على انتهاء السيادة العمانية في الإقليم على كلا الجانبين في 8 ديسمبر 1958م، وقد ظل تدفق أهل جوادر على عمان مستمرا بالرغم من انقطاع التواصل التجاري. وما زال الجوادريون في مسقط ومطرح لهم وجود ملموس في الوسط التجاري. كما أنه ظل البعض من أهل جوادر يحرصون على حمل الجوازات العمانية وتعليق صور سلاطينها في منازلهم ومحلاتهم التجارية كتعبير منهم عن استمرار ولائهم الوطني لعمان.
وتلي ذلك الخاتمة التي خصصت لذكر أهم النتائج التي تم استخلاصها من فصول الكتاب المختلفة ولعل أهمها أن تعاقب الولاة وتغيرهم الدائم على جوادر ناتج عن المشاكل السياسية التي عانت منها عمان مع حرص سلاطين البوسعيد على الكفاءة الإدارية لولاتهم الذين كانوا يخضعون لرقابة السلطان المباشرة وبدا جلياً حرص الحكومة المركزية في مسقط على التطوير الإداري في جوادر من خلاله رصدت مبالغ مالية لتلك الغاية على الرغم من الضائقة المالية التي كانت تعانيها السلطنة، ولم تكن الحامية العسكرية الصغيرة المرابطة في جوادر كافية للحفاظ على الأمن والاستقرار؛ لكثرة القلاقل والمشاكل والنزاعات الدائرة بين طوائف المجتمع المختلفة، وقد أعاقت مسألة ترسيم الحدود بين كلات وجوادر العديد من المشاريع الاقتصادية الضرورية للمنطقة مثل مشروع إنشاء سكة الحديد، وتعبيد عدد من الطرق وموضوع الامتيازات النفطية والتجارة الداخلية القائمة بين جوادر ومناطق مكران وبلوشستان وإدارة الجمارك والتعليم والصحة وإدارة البريد وإنشاء مطار جوادر مسببة توقف العمل مع ما سببه ذلك من خسائر مادية وبشرية.
تلك كانت قصة موجزة لمدنية تحولت من قريةٍ صغيرةٍ يسكنها صيادو الأسماك إلى جزء هامٍ من إمبراطورية عمان القديمة، كما تحولت يوماً زنجبار من جزيرة خاملة الذكر إلى عاصمة الإمبراطورية العمانية.
تجدر الإشارة بأن مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية يواصل نشر الكتب العلمية الرصينة ذات الاتصال المباشر بعمان. وفي المجال التاريخي كتاب “في القصيدة العمانية الحديثة” للدكتور خالد البلوشي في مجال النقد الأدبي، وبالأخص في مجال النقد لقصيدة النثر في عمان. وفي مجال النقد أيضا يصدر كتاب “تحولات العماني الأخير” للباحثة باسمة الراجحية. وثمة كتاب خامس يصدر للمركز يضم في طياته “مجلة نبراس المشارقة والمغاربة” الذي اعتنى بها الباحث سلطان الشهيمي.

إلى الأعلى