الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : عندما يكتب الفلسطيني تاريخه الحقيقي

باختصار : عندما يكتب الفلسطيني تاريخه الحقيقي

زهير ماجد

في الوقت الذي كانت فيه السلطة الفسطينية تتخذ قرارا متأخرا حول التوقف عن التنسيق الأمني مع إسرائيل وتستطرد إلى إعلان المقاومة الشعبية السلمية، كان الرد الوطني الفلسطيني يدوي في القدس حين دهس شاب عددا من المجندات الاسرائيليات، ليكتب بالتالي الى تلك السلطة أن أبشع أنواع المقاومة هي السلمية، يمكن نجاحها في اي مكان إلا في فلسطين، بل تلك الطريقة الغاندية غيرت معالم أفق، لكنها في فلسطين يجب ان تكون مسلحة، لايفهم الإسرائيلي إلا القتل المباشر، يضحك في سره ما سمعه من السلطة عن سلمية الرد.
آمن الشعب الفلسطيني منذ نكبته الكبرى ان نكباته المتعددة اللاحقة جاءت يوم توقف السلاح عن الآذان، ويوم نالت إسرائيل من الشعب الفلسطيني حين كان أعزل صدره مفتوحا للرصاص. لايكفي مجرد الإيمان بالقضية، بل حمايته وتحصينه وتعظيمه بالحقيقة التاريخية التي لا لبس فيها.
المرة الوحيدة التي كتب فيها الفلسطيني تاريخه كان امتشاقه للسلاح، حتى عندما وقف ياسر عرفات في الأمم المتحدة في سبعينيات القرن الماضي مرددا أنه جاء حاملا غصن الزيتون في يده، كانت السخرية الإسرائيلية في أوجها، فكلام من هذا النوع يرضي الإسرائيلي طالما أنه يبشر بقصور فلسطيني، وبانعدام المعنى الوجودي لشعب مطرود من أرضه .. فهو بالتالي قمة التوسل والاستعطاف مع كيان غاصب مقياسه الوحيد أن تطلب منه لا أن تأمره والبندقية بيدك وعلى كتفك فرشتك ولحافك، عندها تعود الى صرخة الثأر، ويعود اليك التحدي وتنال فلسطينك ايها الفلسطيني المقدام.
كلما قدم الفلسطينيون اداء مقاوما، اقترب الخيار الوطني الفلسطيني من حقيقته .. وليكن كما هو دائما، بالحجارة وبالدهس وبالسكين وبالخنق وبالعصا الضاربة في الرأس وبالفأس، بل بكل أداة لها نتيجة مؤلمة. كلها مقاومات فاعلة، وكلها تاريخ من التمرد على واقع سلمي لم ينتج ولا مرة سوى الإهانة لهذا الشعب المغوار.
التوقف عن التنسيق الأمني الذي جاء متأخرا، خيرا من أن لا يأتي، نعرف ان كل قيادي فلسطيني سواء في السلطة او في غيرها عليم بالحقيقة الساطعة إن كل كلام مع العدو لمصلحته في النهاية، وكل تنسيق كأنما هو تنازل عن حقوق، وكل مصافحة إنما هي رصاصة في قلب الوطن المحتل .. يجب أن لا ينسى الفلسطيني ولا للحظة واحدة انه في معارك مفتوحة على مدار الساعة، وإن كل فعل من قبله كتابة للتاريخ وهدية لجيل أجزم أنه أكثر إصرارا على حقه الطبيعي في بلاده المغتصبة.
هديتنا الدائمة التي نشعر بالفخار في تسلمها ان نرى ونسمع عن أبطال يصنعون مقاوماتهم حسبما تقتضي ظروفهم وامكانياتهم .. لابد من الأبواب المفتوحة للفلسطينيين كي يقدموا مهاراتهم في التعبير عن شوقهم الى المقاومة التي تحفر فيهم، تطالبهم بالمزيد وبالصبر وباحتمال الأذى من عدو غاشم، أكثر الجلادين تفننا في القتل والسجون.
تلك الهدايا إذن في عملية تراكمها استمرار لخيار المقاومة، وهي رد حتى على السلطة التي نسمح لأنفسنا بالقول إنها بائسة حين تصر على سلمية المقاومة الشعبية، المبدأ الذي يحمل الذل والعار لشعب مجيد.

إلى الأعلى