الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بين أمانة الكلمة والكتابات الصادمة .. من مأمنه يؤتى الحذر ؟

بين أمانة الكلمة والكتابات الصادمة .. من مأمنه يؤتى الحذر ؟

سعود بن علي الحارثي

” لقد شوهت هذه الروايات صورة ومكانة وهيبة الكتاب الذي ارتبط اسمه في مخيلة الإنسان وعقله وسلوكه بالعلم والأدب والثقافة والفكر والمعرفة, وأساءت إلى معرضه وقدمت رسالة مشوهة عنه إلى المجتمع لم نكن نرغب فيها, وقد سمعت أصواتا كثيرة تطالب بمقاطعة معرض الكتاب وبأنهم لن يأخذوا أبناءهم إليه بعد أن وعدوهم سابقا بزيارته ”
ـــــــــــــــــــــ

لم أجد وصفا أطلقه على بعض الروايات والقصص القصيرة التي ظهرت في السنوات الأخيرة لعدد قليل من الكتاب العمانيين, يعبر عما تتضمنه من مشاهد وصور جنسية صادمة تنقل القارئ من مقطع إلى آخر في وصف دقيق وعرض مطول لممارسات تتنوع فيها المحرمات بين ( لواط وزنا) كما يتزاحم الأبطال الممارسون لها بين رجال وغلمان ونساء بأعمار مختلفة, أفضل من كونها فيلما إباحيا يدعو لممارسة الرذائل بمختلف درجاتها ومستوياتها آخذة تلك الكتابات القارئ إلى مسارات مفخخة وشراك محكمة توقعه في مستنقع من المحظورات والمحرمات التي تستهلك فكره ووقته وثقافته وشبابه وروحه الإنسانية السامية في عالم من الخيال الجنسي المحفز على الاثارة والهيجان وإنهاك كل مقاومة ووقاية يحتمي بها المرء من الوقوع في الرذيلة , وإطلاق العنان لممارسات شهوانية يفرغ فيها رغباته بالصفة والصورة والكيفية التي ستتهيأ له في حينها وإن كانت لا تستقيم مع وضعه ومكانته الانسانية في تميزها العقلي والروحي ونطاق المسئولية التي تكفل بحملها, ولا تنسجم مع ثقافته العمانية وانتمائه العربي بما يحملانه من ارث حضاري مزدهر في بيئة تأسست على البطولات والتضحيات والكرم والنبل والمروءة وتأسست ونشأت على الأخلاق الحميدة في السلوك والمعاملة والمأكل والمشرب والملبس والدعوة إلى الكلمة الطيبة المراعية للشعور والذوق , والدفاع عن الكرامة والعرض والثقافة العامة التي تجمع كل تلك المثل , ولا تتوافق مع قيم ومبادئ وروح الرسالة الإسلامية المحملة بالمعاني والدلالات والمضامين الاصلاحية التي تبتغي منافع الإنسان وحمايته من شرور النفس وأهوائها وغوايات الأقران من المنحرفين والأشرار وتوثيق صلته أي الإنسان بخالق الكون رب العزة جل جلاله محلل الحلال لحكمة وهدف ومحرم الحرام لغاية ومعنى تأخذ الإنسان الملتزم والواثق والصادق والمتدبر إلى درجات العلى في تحقيق الغاية الأسمى من وجوده نافعا مجتهدا مفيدا لمجتمعه منشغلا بطلب العلم والعمل متحملا لمسئولياته الاجتماعية قائما بواجباته الروحية ملتزما برسالته الإسلامية. وما تضمنته بعض الروايات من عبارات بذيئة ومشاهد مقيتة ووصف منحل للممارسات الشاذة صدمت المجتمع وخدشت حياء المواطن العادي والبسيط وأحدثت نوعا من الخلل في المشهد العام وأثارت حفيظة العديد من الشخصيات والنخب من مختلف الفئات التي تساءلت عن الأهداف الحقيقية التي تقف خلف كتابة ونشر وبيع هذا النوع من الكتب التي تفتقر إلى رسالة واضحة وتخلو من الأهداف والمضامين التي ينبغي أن ترتكز على قضايا وأحداث وهموم المجتمع وما يشهده من تغير في الأنماط والظواهر وما يتهدده من مخاطر ومضار متعددة وإلقاء الضوء على ثقافته العامة وبنيته الثقافية ونقد وكشف الممارسات الخاطئة وبما يحقق أهداف التوعية وتعزيز قيم المسئولية والتكافل والحقوق وحرية التعبير … وبمنهج راق في الطرح من حيث تقديم الفكرة وصياغة الرسالة ومعالجة الموضوع, وأسلوب يعبر عن عمق في اللغة وإدراك لثقافة المجتمع وما تستسيغه ذائقته الأدبية, وفي تصوير صادق قادر على احداث أثر بالغ يحقق الهدف في جوانبه التعليمية والأدبية ومقاصده في احداث التغيير والإصلاح … وأقولها بكل صدق وأمانة بأنني كنت متفقا مع مقالي الكاتبين عاصم الشيدي (( لا تحرقوا مساحات الحرية )) والذي أكد فيه على أنه من ( أنصار الأدب الراقي) ولكنه ضد الحكم على الكتاب من منطلق أن مضمونه ( يتنافى مع أخلاق وقيم المجتمع العماني) باعتباره ( كلاما غريبا لأننا لا نعيش في مجتمع ملائكي أخلاقه أخلاق ملائكة) وبأنه ضد ( تجييش الجماهير في مثل هذه القضايا) ومحمد الرحبي بعنوان (( الحرية في معرض الكتاب)) والذي طالب فيه بحرية أكبر للقارئ في اختيار واقتناء الكتاب الذي يشاء أو رفضه كذلك وفقا لتلك الحرية المتاحة, فما( ينفع الناس فيمكث في الأرض .. وليعتبر أن ما لا يعجبه مجرد زبد الذي سيذهب حفاء), مع تفهمي التام لصدق نوايا الكاتبين وتخوفهما من تقليص مساحات الحرية وادراكهما بأن المطالبة بمراقبة الكتاب وتعزيز سلطة الرقيب … قد يعيدنا إلى المربع الأول فنخسر ما كسبناه من مساحة مقدرة في حرية النشر ودعم الكتاب والتعبير عن الرأي. وإلى جانب هذين المقالين نشرت في صحف ورقية ومواقع الكترونية عشرات المقالات المؤيدة والمعارضة لهذه الروايات, فضلا عن المساحات الواسعة في وسائل التواصل الاجتماعي والتي استقطبت كما كبيرا من التعليقات والملاحظات والمقاطع المصورة من تلكم الروايات, كما كان لمجلس الشورى عبر أعضائه ولجنة الإعلام والثقافة دور في رفض واستنكار ما احتوته من مقاطع وصور جنسية, وهو ما تم التعبير عنه في بيان اللجنة الذي نشرته وسائل الاعلام يوم الثلاثاء الماضي والتي رأت في محتوى الروايات تعارضا مع ( الآداب العامة والقيم المجتمعية العمانية والإسلامية) ومتسائلين أعضاء اللجنة في بيانهم الإعلامي عن ( دور بعض الجهات التي يعزى لها الإشراف والرقابة على ما يتم نشره وتوزيعه من كتب ونشرات في المعارض والمكتبات في السلطنة على رأسها وزارة الإعلام التي تعد مسؤولة عن منظومة النشر في السلطنة وفق قانون المطبوعات والنشر … ) مع تأكيد اللجنة على أن ( مجلس الشورى ممثلا في لجنة الإعلام والثقافة ووفقا لرؤيته ومنهجه الوطني يدعم الحراك الأدبي والثقافي في السلطنة شرط أن يكون هذا الحراك منسجما مع القيم والأعراف العمانية الأصيلة إذ إن حرية الرأي والتعبير مقيدة بالأخلاق والآداب العامة) والتأكيد كذلك على أن ( بعض المطبوعات التي يتم بيعها في معرض مسقط الدولي للكتاب تتعارض مع قيم المجتمع وأعرافه وتعد إخلالا بمبادئه وعاداته) وأيدت اللجنة توجه ( بعض أعضاء المجلس بدعوة معالي وزير الإعلام لمناقشة تلك التجاوزات المستمرة وذلك باعتبارها احدى الأدوات الرقابية للمجلس والتي تتيح للأعضاء والمجلس بشكل عام مناقشة الوزير حول خلفيات هذا الموضوع). وفي السياق ذاته علق وكيل وزارة الإعلام على الضجة التي أثارتها الروايات المعروضة في معرض مسقط للكتاب قائلا بأن: (( الوزارة لا تمنع نشر الكتب … لأن هذا يعتبر من الأدب الفكري … )) , وهو ما أدى إلى ردة فعل من عدد من المواطنين متسائلين عن مدى أهمية قانون المطبوعات والنشر ودور وزارة الإعلام في تطبيق وتفعيل مواده خاصة المادة 22 منه , والتي تنص على أنه (( على وزير الاعلام أن يمنع من التداول في سلطنة عمان المطبوعات التي تتعارض مع الأخلاق والآداب العامة أو التي تتعرض للنظام العام أو تخالف مبادئ الاسلام الحنيف أو التقاليد والقواعد المرعية )) . وما إذا كانت التعابير والصور التي تتضمنها الروايات مثار الجدل ينطبق عليها النص المشار إليه وتلزم وزير الاعلام بمنع تداول هذا النوع من المطبوعات من عدمه؟ وما هي أهداف القانون إن كان لايزال ساري المفعول ولم يعطل بمرسوم آخر؟ وما هي آلية تطبيقه وكيف يطبق؟ . كل ذلك الأثر الواسع كان السبب الذي شجعني على قراءة بعض تلك الروايات التي أوضحت رأيي بشأنها قبل مطالعتها كما أشرت سابقا تأكيدا على احترام حرية الكتاب وإرادة القارئ في اختيار ما يشاء كما أشار كل من الشيدي والرحبي , وذلك بدواعي تكوين فكرة عامة ورأي شخصي يدعم ما أكتبه في هذا المقال . وفي حقيقة الأمر هالني ما تضمنته احدى الروايات من شحن جنسي ووصف مريع لكل ما يرتبط بالشذوذ والعهر من لغة مبتذلة وأوضاع مخلة ومسيئة إلى الآداب والقيم المجتمعية والتي لا تليق بمثقف وكاتب حمل أمانة الكلمة ورسالة الأدب وهو ما علقت عليه في مدخل هذا المقال, وهو ما حملني إلى تغيير وجهة نظري كلية, فبرغم ما قرأت من روايات عالمية وعربية وعمانية, والكتب التراثية التي أشار لها الشيدي في مقاله والتي لا تصل إلى العامة بسبب تكلفة المخطوطة وما يتطلبه نسخها من وقت وجهد ولأنها لا تكتب إلا للخاصة من الحكام ووزرائهم والتجار ، فضلا من أن الكثير منها مازال حتى وقت قريب ممنوعا من النشر والتداول ولا يعرفها الكثيرون, وكدليل على ذلك وكرد على من يدافع عن هكذا نصوص فإنني أتحدى أي عماني أن يجرؤ على الجهر بقراءة نص من تلك النصوص الروائية على جمهرة من الناس أو في مكان عام, كما أنني لم أجد، بعد بحث مضني، رسالة واضحة تتضمنها الرواية أو هدفا بارزا أراد الكاتب أن يوصله إلى قارئه, سوى أننا مجتمع فاسد منحل لا هم لنا في هذه الحياة إلا تفريغ شهواتنا الجنسية مع رجال ونساء تكشف لنا اللقاءات والفرص والاكتشافات اللحظية المتواصلة بأنهم على ذات الشاكلة منحطون يبحثون كذلك عن الفرص المواتية لممارسات أشكال من العلاقات الجنسية المحرمة. لقد شوهت هذه الروايات صورة ومكانة وهيبة الكتاب الذي ارتبط اسمه في مخيلة الإنسان وعقله وسلوكه بالعلم والأدب والثقافة والفكر والمعرفة, وأساءت إلى معرضه وقدمت رسالة مشوهة عنه إلى المجتمع لم نكن نرغب فيها, وقد سمعت أصواتا كثيرة تطالب بمقاطعة معرض الكتاب وبأنهم لن يأخذوا أبناءهم إليه بعد أن وعدوهم سابقا بزيارته, وتعرضت المقاطع التي تم تداولها في وسائل التواصل إلى تعليقات ساخرة وردة فعل غاضبة وإلى تعريض بالكتاب والمثقفين ونسج قصص ومواقف مخجلة وذلك على غرار ما تضمنته تلك المقاطع المصورة, فهل هذا ما نريده ونسعى لتحقيقه من اصداراتنا الأدبية ورسالتنا الثقافية ومعرض الكتاب بفعالياته المتنوعة وغاياته النبيلة؟, وهل ندرك فعلا بأن هذا النوع من الكتابات يسيء إلى النخب ويضعف العلاقة بين المجتمع ومثقفيه في وقت نحن فيه بأشد الحاجة إلى بناء وتعزيز هذه الثقة وإلى التحاور والتواصل؟ إنني في ختام هذا المقال أضم صوتي إلى كل من يطالب بحظر ومنع هذا النوع من الكتب في الأماكن العامة وفي العرس السنوي للكتاب الذي يحتاج لمن يحفظ له مكانته ويدافع عن محتواه ومادته العلمية, أمام زواره الكثر وفيهم المئات من أبنائنا طلبة وطالبات المدارس يختار معظمهم اصدارات تخلو من التوجيه والرقابة, فكيف أثر هذه الروايات لو وقعت في أيديهم؟ وما هي الآثار النفسية على آباء وأمهات سلموا أبناءهم وبناتهم أمانة للمدرسة والمعلم ولحاملي مسئولية ورسالة الكلمة ألن يصدموا عندما يفاجأون بهكذا نوع من الكتب يتداولها أبناؤهم ؟ ألن يرددوا حينها قائلين إنه ( من مأمنه يؤتى الحذر) ؟ .

إلى الأعلى