الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : مشاركتنا في إكسبو ميلان لمدة ستة أشهر

العين .. الثالثة : مشاركتنا في إكسبو ميلان لمدة ستة أشهر

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

تطرح مشاركتنا في معرض إكسبو ميلان 2015 ولفترة ستة أشهر متواصلة الكثير من التساؤلات، لعل ابرزها، هل تحررنا من هاجس أزمة انخفاض اسعار النفط ؟ ومن ثم هل هناك تقدير رفيع لأولويات آنية ضاغطة على الظرفية الراهنة؟ وهذه الاولويات ننظر لها بأهمية كبرى، ونرجحها على الكثير من المسائل المهمة إذا ما وضعنا في موقع اختيار الأهم من المهم خلال المرحلة الوطنية الراهنة رغم تسليمنا بأهمية المهم، لكننا نتحدث هنا عن الاهم في إطاره الزمني من جهة وعن تداعيات عدم قلب هرم سلم الاولويات لكي تتدرج الالويات من الاهم الى المهم، الا إذا كانت السيولة المالية للبلاد تسمح الان بتحقيق الاولويات كلها وفي إطارها الزمني الضاغط والمستحب.
لن ننكر أهمية مشاركتنا في هذا المعرض الدولي، لكننا ننظر اليه من منظور (المهم) مع فتح أقواس كبيرة حول طول المدة الزمنية والمحتوى المكاني المكلفين ماليا، فمن المقرر أن تكون المشاركة خلال الفترة من (الاول من مايو الى الحادي والثلاثين من أكتوبر المقبل) وفي ميلانو بإيطاليا، وهذه مدة زمنية طويلة جدا، وبالتأكيد سوف يصرف عليها أموال طائلة (…) لم يكشف عن حجمها المالي حتى الآن، وربما لن يكشف، رغم أنه يفترض أن يعلن، لأن هذه أموال عامة، والشفافية فيها مطلوبة، وضرورية جدا لأجهزة الرقابة المتعددة، وكذلك حتى يمكننا أن نقارن بين مكاسب مشاركتنا في المعرض وبين تدوير هذه الاموال لكسب الرضا الاجتماعي خاصة وهناك مجالات محددة (يحتم) التدخل فيها سريعا، ونقف هنا متسائلين عن هذه المشاركة المكلفة ماليا وبالذات في ظرفية عدم استقرار اسعار النفط ، فالحديث عن التحسن الطفيف للأسعار النفطية لا يجعلنا نطلق الطموح من المحاذير والتحذيرات التي من خلالها خرج تفكير من وزارة المالية بضرورة المساس بالترقيات والعلاوات … قبل العدول عنه تحت ضغط الرأي العام، فكيف هكذا فجأة ننتقل الى اطلاق الطموح قبل ان ترتفع الاسعار الى المستوى المستهدف الذي حددناه لموازنة الدولة لعام 2015؟ فالأسعار النفطية لا تزال بعيدة كل البعد عن (75) دولارا لبرميل النفط ، وإذا لم يصل سعر النفط العماني على الاقل الى مستوى (60) دولارا للبرميل، فقد تواجه خزينة الدولة ضغوطات كبيرة، فعلى أي اساس تمت الموافقة على المشاركة في معرض ميلانو؟ لابد أن تكون هناك مبررات، ومبررات مهمة دون شك، لكن، هل هى الاهم ،، مرحليا،، تساؤل مشروع نطرحه في ظل استشرافنا لطبيعة الاكراهات المقبلة من جهة الحجم المالي الكبير المخصص لهذه المشاركة، حيث تتطلب المشاركة إقامة جناح خاص، وقيل أنه سوف يكون متميزا، وقد شكل للتحضير لهذه المشاركة لجنة وزارية رفيعة المستوى، تضم خمسة وزراء وبعض الوكلاء ،.. وسوف يحمل الجناح العماني شعار ،، التراث في الحصاد، تسخير الشمس والرمل والبحر، بالإضافة لأقسام رئيسية تجسِّد أصالة التراث ومسيرةَ النهضة المباركة، ومنجزاتها في المجالات المتصلة بالموضوعات التي سيتناولها المعرض، وهذا يعني أن مسقط وميلانو الايطالية سوف تشهد رحالات مكوكية طوال الستة أشهر لوفود عمانية مختلفة من كل قطاعات الدولة، إذن، كم رصد لهذه المشاركة من مبالغ مالية؟ المنطق القياسي يشير لنا بمبلغ مالي كبير، ومدة ستة أشهر تثير فعلا هاجسنا بالألوية المالية الاجتماعية الظرفية رغم عدم نكراننا (نكرر) لأهمية هذه المشاركة لبلادنا، فهل خضعت فعلا هذه المشاركة لدراسة موضوعية، ومنطق المقارنات بين الاولويات في هذه المرحلة؟ يزداد هذا التساؤل الحاحا لمعرفة الاجابة عليه خاصة إذا ما علمنا بأن الموافقة قد جاءت من مجلس الوزراء، وقد شكل خصيصا لهذه المشاركة تلك اللجنة الوزارية الرفيعة المستوى التي تضم كذلك وزراء عن وزارة الخارجية (رئيسا) والشئون المالية والتجارة والصناعة والبلديات الاقليمية وموارد المياه والسياحة ورئيس جامعة السلطان قابوس، والهدف من مشاركتنا في ميلانو يعكسه لنا شعار جناح السلطنة سالف الذكر، ولو لجأنا هنا الى تبني منطق المقارنة بين الاولويات، فهل الاولوية خلال الظرفية الراهنة يكمن في انفاق الملايين من الدولارات على الترويجي الحضاري والسياحي لبلادنا أم انفاقها على الترقيات والوفاء بالوعد لمعلمينا ومتطلبات نظام التقاعد الجديد وتحسين المستوى المعيشي للمتقاعدين … الخ فعلا أيهما له الاولوية؟ (نكر ثالثا) لن ننكر أهمية هذه المشاركة للترويج لبلادنا، لكن الأهم ظرفيا هو استمرارنا الممنهج في كسب الرضا الاجتماعي، فبعض تلك المطالب الاجتماعية تشكل إكراه قد ينفجر في أية لحظة ، فهل ينبغي نزع فتيل هذا الاكراه أم تركه ينفجر؟ وملاحظتنا حول هذه المشاركة ينبغي أن تفسر ايجابا، وان ينظر لها من منظور اعادة النظر في الاولويات وفق الضغوطات المالية والمجتمعية للظرفية الراهنة .. فهناك وعود قديمة قد قطعت لشرائح وظيفية عديدة بعضها عامة وأخرى فئوية لم يتم الوفاء بها، فمتى سيتم الوفاء؟ وماذا تنتظر الجهات الحكومية حتى تعمل على تحقيقها، لن نسترسل في الحديث عنها كثيرا لدواعي كثيرة .. لكنها معلومة بالضرورة، ونقترح هنا، تشكيل لجنة وزارية لتحديدها، ووضع خارطة طريق للأولويات الوطنية الظرفية حتى يسترشد بها العمل الحكومي وحتى نضبط أية رغبات واجتهادات فوقية لا تخدم هذه الظرفية او حمولتها المالية سالفة الذكر.
ووفق منطق المقارنات، قد يتم قبول هذه المشاركة إذا كان سيتم تحقيق كل الاولويات وفق فلسفة الهرم المقلوب، أي الاهم ثم المهم … وهكذا تتدرج الاولويات، صحيح أن بلادنا سوف تستفيد منها في مجالات التسويق والترويج السياحي والاقتصادي .. لكن الاصح أن هذا الجانب قد اشبعناه ترويجا وتسويقا من خلال عدة معارض وملتقيات حكومية وشبه حكومية وخاصة وفي كثير من دول العالم، والاصح كذلك أن عملية الترويج والتسويق تظل عملية ديناميكية مستمرة، وحاجة وطنية لإبراز حضاراتنا ومنجزات بلادنا المعاصرة، لكننا الآن في ظرفية ضاغطة، وحبلى بالألويات المجتمعية مما يجعلنا نعيد بورصة الانفاق المالي وضبط مساراته عبر خارطة طريق، فليس كل ما نتمناه الآن ينبغي أن ندركه الظرفية الراهنة، وإنما هناك أمنيات محددة ينبغي أن تدرك فيها فورا، وهى الأهم، فهل نظر مجلس الوزراء لعملية مشاركة بلادنا في إكسبو ميلان 2015من هذا المنظور؟ بالتاكيد له مبرراته، لكنها لم تصل الينا، ولم تذكر من خلال المؤتمر الصحفي الخاص بها – كما تابعناه من خلال الصحف – مما استوجب علينا التذكير ولفت الانتباه بما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فإن كان ذلك مدركا سياسيا، فهذا المبتغى ، وإن كانت هناك نظرة قافزة فوق المدركات والمحسوسات الوطنية الضاغطة، فتدخلنا في وقته ظرفيا .. هل وصلت رسالتنا؟

إلى الأعلى