الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العروبة والقضايا العربية في الخطابات السلطانية (1-2)

العروبة والقضايا العربية في الخطابات السلطانية (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

” لقد أخذ الفكر القومي العربي في رؤية واهتمام وفكر المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – منذ تسلمه زمام الحكم في 23/يوليو/1970م مساحة فكرية وذهنية ونفسية وعاطفية كبيرة من الاهتمام, لا تؤكدها الأقوال في الخطب واللقاءات الإعلامية والصحفية في مختلف المناسبات الرسمية وغير الرسمية فقط,”
ــــــــــــــــ
( إننا جزء من الأمة العربية, تربطنا وحدة الهدف والمصير قبل أن يجمعنا ميثاق الجامعة العربية, وموقفنا من القضايا العربية واضح وصريح لا لبس فيه ولا غموض). من خطاب صاحب الجلالة بمناسبة العيد الوطني الثالث 18/11/1973
لقد أخذ الفكر القومي العربي في رؤية واهتمام وفكر المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – منذ تسلمه زمام الحكم في 23/يوليو/1970م مساحة فكرية وذهنية ونفسية وعاطفية كبيرة من الاهتمام, لا تؤكدها الأقوال في الخطب واللقاءات الإعلامية والصحفية في مختلف المناسبات الرسمية وغير الرسمية فقط, ولكن للتاريخ عليها شهادة موثقة ومحفورة في سجله وسفره , تثبتها على ارض الواقع العربي الأفعال ومواقف الرجال سواء من القائد المعلم , او من الشعب العماني المسلم العربي الاصيل.
لذا فان هذه الدراسة الذاتية الموجزة بوجه عام ستحاول بقدر المستطاع بإذن الله وتوفيقه ومن خلال عدد من الأجزاء ستنشر على مراحل وتواريخ متتالية على صفحات جريدة الوطن العمانية إعادة قراءة واستشراف تلك المواقف العربية والأقوال والتوجهات السلطانية حيال قضايا الأمة العربية والقومية بالاستناد على مجموعة الخطابات السلطانية واللقاءات الصحفية والإعلامية لسلطان عمان وقائد نهضتها ومسيرتها حضرة الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله ورعاه – خلال الفترة من العام 1970م وحتى العام 2014م باختصار نعترف بأنه لن يوفي حقها العروبي والقومي الكامل من سفر التاريخ لعرضها كبناء ذهني وإعلامي لفكر رجل عروبي وقومي طبع ذلك التوجه وتلك الرؤية القومية العربية وذلك الفكر في بناء وفكر وطن وشعب عربي مسلم بأكمله.
أما على وجه الخصوص ونقصد به هذا الجزء من الدراسة فإنها ستركز الاهتمام على خطابات التأسيس السلطانية والتي تم الاستناد فيها على مجموعة الخطابات السلطانية الوطنية واللقاءات الصحفية والإعلامية كما سبق وأشرنا لسلطان عمان وقائد نهضتها ومسيرتها حضرة الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله ورعاه – خلال الفترة من العام 1970م وحتى العام 1975م على اعتبار ان تلك الفترة الوطنية كانت اللبنة الأولى التي أسست لذلك البناء الذهني والفكري والنفسي لهذا التوجه القومي والعروبي لسلطان عمان وباني نهضتها التنموية وواضع أسس بنائها وعقيدتها السياسية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله ورعاه , والتي يمكن استنباطها من مجموع العبارات التي تناولت الفكر القومي العربي, والجمل والأفكار التي تطرقت إلى الأمن القومي العربي, وركزت جل اهتمامها النفسي والفكري على قضايا الأمة العربية والقومية رغم التحديات التي كانت تحيط بوطنها الصغير والتي كان من المفترض أن تشغله عن بقية القضايا والاهتمامات الأخرى, فيما يمكن أن نعتبره انعكاسا لخلفية تربوية إسلامية وثقافة عروبية أصيلة لا تقبل التقوقع او الانزواء بعيدا عن هم أكبر وقضية لا تقل أهمية عن قضية وطنها الصغير, واقصد قضايا الأمة العربية والوطن الكبير.
بداية وباستقراء خطابات التأسيس السياسي والأيديولوجي لملامح السياسة الخارجية العمانية خلال السنوات الخمس الأولى 1970م -1975م , وعلى رأسها خطاب تسلم جلالته زمام الحكم في 23/يوليو/1970م ورغم قصر ذلك الخطاب والظروف الجيوسياسية والجيواستراتيجية البالغة الدقة والحساسية والصعوبة والتعقيد التي كانت تمر بها عمان الدولة الوليدة, إلا انه كان للعالم العربي وجغرافيته وتاريخه وهمومه وقضاياه مكانة نفسية وفكرية خاصة, انطبعت برغبة عروبية وقومية لم يخفيها جلالته في ان يكون لعمان الوطن الجديد مكان مرموق بين دول وطنه الأكبر.اي العالم العربي, وذلك من خلال مقولته : ( كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة وان عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي) وهو ما أكده بعد ذلك في أول لقاء صحفي خارجي له أجرته معه جريدة الجمهورية المصرية بتاريخ 8/يوليو/1972م بقوله ( تصورنا لمستقبل بلادنا ان يكون مستقبلا طيبا, فنحن نأمل إذا ساعدتنا الظروف ان نلحق بركب التقدم ونأخذ مكاننا في الصف العربي).
وقد لخص جلالته في خطابات التأسيس تلك وخلال الفترة سالفة الذكر ملامح أيديولوجيا السياسة الخارجية العمانية وعقيدتها السياسية والدبلوماسية العربية والقومية ورؤيته المستقبلية الى بقية أعضاء ذلك الجسد العربي وخطوطها العريضة والتي أكدها في أكثر من محفل وطني ولقاء صحفي كان أهمها اللقاء الصحفي بجريدة الجمهورية المصرية بتاريخ 8/يوليو/ 1972م وتلاه بفترة قصيرة خطاب جلالته بمناسبة العيد الوطني الثاني بتاريخ 18/11/1972م بالنقاط والخطوط العريضة التالية, أولا: تدعيم علاقتنا مع الدول العربية وثانيا : بالوقوف بجانب القضايا العربية في المجالات الدولية .
وقد حرص جلالته على أرض الواقع العربي والقومي في بداية حكمه ان يسبق انضمام سلطنة عمان ودخولها إلى الأمم المتحدة الانضمام الى جامعة الدول العربية, وأكد ذلك التوجه بقوله: ( إن أملنا كبير في أن يسبق انضمامنا الى الجامعة العربية دخول الأمم المتحدة, فنحن لا نريد أن ننتمي الى المجتمع الدولي قبل أن تتأكد عضويتنا في أسرتنا العربية), ونشدد على ” أسرتنا العربية ” لأنه كان ينظر الى ذلك الانتماء القومي العربي كانتماء أسري وعائلي وليس مجرد عمل سياسي او رؤية سطحية لملامح وأيديولوجيا السياسة الخارجية العمانية.
كما أن تلك الخطابات واللقاءات الإعلامية والصحفية التي تعد النهج والفكر التأسيسي السلطاني لايدولوجيا والعقيدة السياسية لصاحب الجلالة المستقبلية ونظرته القائمة لملامح السياسة الخارجية العمانية في كل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وغير ذلك خلال الفترة من العام 1970م- 1975م قد ركزت الاهتمام على قضايا محددة تقريبا, وفي جوانب يمكن حصرها بنقاط ومحاور معينة تدل على ذلك التوجه بالقول والفعل, والتي أعلنها جلالته بكل صراحة ووضوح على ارض الواقع منذ بداية تأسيس الوطن الوليد, بحيث يمكن التأكيد على أنها رؤية وليست مجرد كلمات او عبارات على الانتماء العربي والقومي لسلطنة عمان وشعبها المجيد, بل هي نهج وطني وشخصي للقائد المؤسس للدولة العمانية الحديثة المواقف العربية والقومية.
ومن أبرز تلك المواقف القومية والعربية الأصيلة لجلالة السلطان والشعب العماني الاهتمام بوحدة الهدف والمصير العربي والحق العربي والوحدة القومية العربية, وكذلك الاهتمام البالغ بالقضية العربية الكبرى في مواجهة العدو الصهيوني واحتلاله للأراضي الفلسطينية, وكذلك موقفه العربي الأصيل من حرب أكتوبر 1973م والمقاطعة العربية لمصر, وانه من أوائل القادة العرب الذين استحضروا فكرة ان يكون النفط العربي كسلاح قومي في مواجهة العدو الصهيوني والحلفاء الذين يقفون معه, كذلك ومن أبرز تلك المواقف العربية والتي حسب للسلطان قابوس وشعبه العربي مواجهة الخطر الشيوعي الذي كان يهدد الأمن القومي العربي والأمة العربية والإسلامية والتصدي له بالنفس والمال, وكذلك إعداد القوات المسلحة العمانية لا لتكون جيوشا وطنية تدافع عن قضايا وطنها الداخلية فقط, بل لتكون امتدادا لقوات عربية تدافع عن وطن أكبر وقضايا أكبر, وطبعا فان هذه المواقف ليست سوى أمثلة لا أكثر, عليه فإننا سنحاول تناول كل منها على جانب ولو بشيء من التفصيل المختصر.
أولا : الاهتمام بوحدة الهدف والمصير العربي والحق العربي والوحدة القومية العربية, وهو أمر واضح البيان والعيان لدى فكر جلالة السلطان منذ اليوم الأول لحكمه, يضاف إلى ذلك الوعي العربي والقومي بالمخاطر التي تحيط بهذه البقعة الغالية من العالم, والدور الذي تلعبه القوى المعادية للوحدة العربية لتحطيم النسيج واللحمة والتضامن العربي, وفي هذا السياق وفي موقف من المواقف التاريخية العربية العظيمة التي خاضتها وعايشتها الأمة العربية وهي حرب رمضان أو حرب أكتوبر, يقول جلالته ( ان الاستعمار سوف يستمر في محاولاته لفض التضامن العربي الذي تلاحم نتيجة معركة 6/أكتوبر…ولكن علينا أن نكون حذرين وعلى مستوى المسؤولية حتى نتمكن من إفشال هذه المحاولات).
وقد عبر عن هذا التوجه العروبي والقومي العربي الاصيل في أكثر من مناسبة كان من ضمنها خطاب العيد الوطني الثالث بتاريخ 18/11/1973م حينما قال جلالته ( قد أعربنا عن تضامننا مع إخوتنا العرب بكل ما نستطيع وأبدى الشعب العماني روحا أصيلة في الوقوف ضد العدوان الصهيوني وتأييد الحق العربي في استعادة جميع الأراضي العربية التي اغتصبها العدو الصهيوني بالقوة والغدر والإرهاب, وسنبقى دائما مؤيدين للحق العربي ندعمه بالدم والمال ونسانده بكل طاقاتنا حتى يعود الحق الى نصابه وترتفع أعلام النصر على الرؤوس بعون الله) وفي رد على مندوب جريدة عمان في أول مؤتمر صحفي للصحافة المحلية مع جلالة السلطان قابوس بتاريخ 1/يونيو/1974م حول أسس التضامن العربي, قال صاحب الجلالة:( نحن ندعو إلى التضامن العربي في كل وقت وفي كل حين وقمنا بواجبنا تجاه إخواننا العرب).

إلى الأعلى