الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مهزلة الكونجرس

مهزلة الكونجرس

كاظم الموسوي

” في نوع من الرد على الرئيس الأميركي أوباما، الذي أعلن “أن الخطاب أمام الكونجرس لم يعرض أي بديل”، صرح نتنياهو رغم كل ما ارتكبه وما اعترضه، “في خطابي في الكونجرس اقترحت بدائل عملية، كتلك التي من ناحية تطيل لسنوات المدى الزمني الذي تحتاجه إيران لامتلاك سلاح نووي إذا قررت انتهاك الاتفاق، عبر قيود أشد”.”
ــــــــــــــــــــــــــــ
جسد بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي، دور الممثل الرئيسي في مهزلة الكونجرس الأميركي أكثر من مرة. وحقق في أغلبها اهتماما أوسع من نصه، وقوف وتصفيق من المشرعين الاميركيين، الذين يعدون انفسهم امثلة عن التمثيل النيابي الديمقراطي في بلد يضع تمثال الحرية في بوابة حدوده، واهتمام واسع من وسائل الاعلام الدولية وبكل اللغات، (وقد يكون هذا جزءا من المسرحية)، فضلا عن السيطرة الصهيونية على الاغلب من هذه المؤسسات، وتأثيرها على غيرها معروف. في المرة الاخيرة، يوم 3/3/2015، اثارت المهزلة سجالا بين الأطراف المعنية حول القضية التي شكلت لب المهزلة في الكونجرس. ولكن ما هي هذه القضية، محور المهزلة؟. نتنياهو أراد نصح الادارة الاميركية، خصوصا الرئيس الاميركي باراك اوباما، حول ما اعلن عن التوصل الى اتفاق بين واشنطن والدول الاوروبية وروسيا حول الطاقة النووية مع طهران، ونقل المخاوف الى اعضاء الكونجرس والرأي العام الاميركي من خطورة الاتفاق والمسالة النووية الايرانية الان، حفاظا على الامن الصهيوني والكيان المغتصب، القاعدة الستراتيجية للامبريالية العالمية في المنطقة العربية والمصالح الملتبسة الموزعة بين ادارتها ووحداتها العسكرية والبشرية المقاتلة والوظيفية على المعمورة وخارجها. لقد حضر الممثل الى المسرح دون دعوة رسمية بروتوكوليا، وأثار زوبعة في مجلس درعه الاميركي، الايباك، بقفازات دبلوماسية، دون ان يلبي مطالبه الرئيسية في كل المهزلة. هو وغيره يعرفون طبيعة الصراعات بن الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة، وخططهما في السياسة الخارجية وتعبيرهما عن اساليب تحقيقها ومصالح الامبريالية الستراتيجية، لاسيما بعد هيمنة الجمهوريين على مجلسي الكونجرس، ولكن الديمقراطيين امامهم اكثر من عام في الرئاسة، وما زال الرئيس الاميركي اوباما قادرا على ادارة دفة السياسة الاميركية، ضمن الاهداف والسياسات المرسومة. ويعرف الممثل ان امامه انتخابات مصيرية في 17 من الشهر الجاري، وان منافسيه يتربصون به ولديهم ما يكفي من الاسباب والحجج.
لم يستطع الممثل اقناع الجمهور بكل اهدافه، رغم كثرة التصفيق والوقوف المسرحي لاستكمال صورة المهزلة، حيث لا جديد في النص وتكررت الصورة والمشهد والتعليقات من كل الاطراف عليها. هذه خلاصة المهزلة ولكن تداعياتها، كما يبدو، باقية عند ابطالها، الرئيس الاميركي وإدارته الاميركية من جهة، ورئيس القاعدة الستراتيجية واللوبي الصهيوني المؤيد له من جهة اخرى. وكلاهما يعرف ان السياسة الاميركية لا تختلف في الاهداف والغايات الرئيسية بما قامت وتقوم به، سواء في المفاوضات والاتفاقيات، عن حماية امن قاعدتها الستراتيجية وتدفق الطاقة من المنطقة اليها والى العالم تحت نفوذها ورغباتها. رغم انه في مهزلته حاول التغطية على ما ارتكبه، هو وعصاباته، بحق الشعب الفلسطيني من جرائم حرب، وأراد ايضا تمرير نفسه بين الاحتفاء به في الكونجرس الاميركي والاستقبال الاعلامي والجدال السياسي الرسمي، اميركيا وصهيونيا، في واشنطن وتل ابيب وخارجهما بالتأكيد. فقد حظي بتصريحات مباشرة ومتنوعة من الرئيس باراك أوباما إلى وزير الخارجية جون كيري إلى مستشارة الأمن القومي سوزان رايس، الى مقاطعة مشرعين ديمقراطيين، ومنهم يهود ايضا. وتركت انطباعات وتعليقات رسمية وشعبية، في العاصمتين وخارجهما. وفي كل ما عرضه من كلام عام وشعارات فضفاضة واتهامات مكررة، لا تغير شيئا في العقل السياسي الاميركي ومصالح البيت الابيض الاساسية. كما علقت الصحف الصهيونية معبرة عن “تخوفات شديدة من احتمال أن يخلق الخطاب هوّة، تتسع مع الوقت لتنال ليس فقط من العلاقات بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، وإنما أيضا العلاقات بين واشنطن وقاعدتها الستراتيجية العسكرية، وما حملته تصريحات اوساط رسمية اميركية، ولاسيما في صفوف الديمقراطيين، الذين كانوا السند الرئيسي للكيان إلاسرائيلي على مرّ السنين”، وهو ما يعكس المخاوف الاساسية وليست المهزلة.
في نوع من الرد على الرئيس الاميركي أوباما، الذي أعلن “أن الخطاب أمام الكونغرس لم يعرض أي بديل”، صرح نتنياهو رغم كل ما ارتكبه وما اعترضه، “في خطابي في الكونجرس اقترحت بدائل عملية، كتلك التي من ناحية تطيل لسنوات المدى الزمني الذي تحتاجه إيران لامتلاك سلاح نووي إذا قررت انتهاك الاتفاق، عبر قيود أشد”. وأضاف ان “البديل العملي ذاته الذي عرضته على الكونجرس يقترح أيضا عدم الإزالة التلقائية للعقوبات عن إيران، إلى أن تكف عن نشر الإرهاب في أرجاء العالم، وعن الأعمال العدوانية ضد جاراتها وعن تهديداتها بإبادة “إسرائيل”..
في كل حال، ورغم كل ما حصل، وجد كثر من السياسيين والمعلقين في المهزلة التي عرضت في الكونجرس، بانها في الغالب “كلام في كلام”. وفي التحليل، ذكرت مثلا كلمات: إيران 107 مرات، ونووي 46 مرة، والاتفاق 40 مرة، في حين أن كلمة السلام مرت فقط خمس مرات. واصبحت كلمات مثل “إيران” و”نووي” مضجرة جدا للإسرائيليين، قبل غيرهم، لكثرة ترديدها على لسان نتنياهو منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي.
لكن المثير في الامر وما يهمنا عربيا هو ما ظهر من تطابق بين بعض المواقف العربية ومهزلة نتنياهو في الوقت نفسه، فمثلا أشار معلق الشؤون العربية في القناة “العاشرة العبرية”، تسفي يحزقيلي، الى الموقف العربي “المعتدل” كما سماه من “خطاب نتنياهو”!، وذكر “أن دول الخليج المعتدلة تدعو الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الإصغاء لخطاب نتنياهو في المسألة الإيرانية، لأن هناك أصواتا في دول الخليج، وفي السعودية تحديدا، تثني على الخطاب، وتؤكد أنه يتحدث بلسان العرب وكل ما لا يستطيعون قوله حول إيران”. وتطابقت معه ايضا تعليقات وسائل اعلام خليجية.. وتشابهت حتى بالنص مع ما أضاف يحزقيلي: “هم مهددون تماما كما هي إسرائيل مهددة، وإيران لدى العرب والعالم العربي أكثر تهديدا حتى من تنظيم داعش”. وهنا المهزلة الاخرى، ربما الحقيقية، التي اخذت تروّج كثيرا في إعلام الأمراء العرب، وهي تؤشر الى المدى الذي وصلت اليه الأوضاع العربية، والى اين ستنتهي نتائجها؟!.

إلى الأعلى