السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الطريقة الصهيونية في الأزمة الليبية

الطريقة الصهيونية في الأزمة الليبية

” صحيح أن ليبيا بها مشكلة بنيوية وهي افتقارها لمؤسسات الدولة على مدى أربعة عقود وهيمنة التركيبة القبلية والعشائرية عليها في ظل عدم تطور مجتمع مدني قوي إبان حكم القذافي بما يجعلها ساحة مناسبة للصراعات الداخلية لكن ما يتبعه الغرب هناك يماثل إلى حد كبير ما تفعله إسرائيل بفلسطين والعرب منذ إعلان دولة الاحتلال منتصف القرن الماضي.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بدأت في ليبيا مسيرة دولية لفرض حكم المتشددين بدعم غربي (أنجلوساكسوني بالأساس) واقليمي (تركي بالأساس) ما قد يعني بداية طريق طويل من التدهور مثل كل القضايا التي تتولاها المنظمة الدولية منذ عدة عقود. وبغض النظر عن التفاصيل، والرسائل الإعلامية لكل الأطراف فإن الجذر الحقيقي لما يجري الآن في الأزمة الليبية هو أن الولايات المتحدة أوكلت إلى الأمم المتحدة مهمة محددة: إضفاء الشرعية على التنظيمات المتشددة والإرهابية واشراكها في حكم ليبيا. ذلك طبعا بعدما فشلت كل المحاولات لسيطرة هؤلاء على السلطة، ولا حتى باستخدام السلاح في القتل والتخريب والتدمير. وإذا كانت بعض القوى الإقليمية الداعمة للإخوان والجماعات المتشددة الأخرى ترى في ذلك انتصارا، فإن من سيدفع الثمن ليس فقط الليبيين الذين قد تدمر بلدهم تماما أو تنتهي مثل الصومال وتتفتت إلى بؤر لإرهابيين وصراع مسلح ممتد، وإنما ايضا دول الجوار وربما الإقليم كله.
في التفاصيل، فعلت المغرب ما لم تستطع الجزائر القيام به وهو تسهيل مهمة الأمم المتحدة في عقد “جلسة حوار” بين ممثلين للبرلمان الشرعي المنتخب (الذي لا يسيطر عليه الإخوان) وممثلين لجماعات تسيطر بالقوة على العاصمة طرابلس وتشن حربا على بقية أنحاء ليبيا مهيئة المناخ لداعش وأمثالها. وكانت الجزائر أول من دعا إلى ذلك الحوار، بعد زيارات متكررة للمتطرف الليبي عبد الحكيم بلحاج إلى الجزائر، لكن المغرب التي يقود حكومتها حزب مقرب من الإخوان نجح فيما فشل فيه الجزائريون. ورغم ان هناك اعترافا دوليا بشرعية البرلمان المنتخب والحكومة الانتقالية التي اضطرت للعمل من طبرق شرق ليبيا لسيطرة المتشددين المسلحين على العاصمة طرابلس، إلا أن اجتماع المغرب قصد بالأساس نسف تلك الشرعية ـ أي بمعنى أوضح فرض الإخوان وحلفائهم ممن رفضهم الناخب الليبي على السلطة في ليبيا.
يأتي ذلك بعدما فشلت تلك الجماعات المسلحة، وعلى رأسها ميليشيات مصراته التي تبدو متحالفة مع كل المتطرفين حتى داعش، في فرض سيطرتها على البلاد واخضاع أهلها بالنار والدم والدمار. وفي ظل عدم وجود حسم عسكري، واستحالته عمليا في الواقع، يأتي الدور الدولي في فرض هؤلاء بالدبلوماسية وادماج ميليشياتهم في جيش وقوات امن ليبيا ليتسنى لهم اكمال سيناريو كارثي في شمال افريقيا. هذا في الوقت الذي لا تحظى فيه الحكومة الشرعية وبرلمانها في طبرق باي مساندة، حتى أن محاولاتها لرفع حظر السلاح لتتمكن من مواجهة الإرهابيين في شرق ليبيا ووجهت برفض بريطاني عنيد. وباستثناء مصر، لا يجد المعتدلون في ليبيا دعما من أحد، بل إن هناك من يظن أن وقوفه مع المتطرفين ضد المعتدلين ربما يجنبه مخاطر استهداف بلده من قبل الإرهابيين. للأسف هذا هو منطق تونس والجزائر، والمغرب إلى حد ما، لكن التجارب القريبة جدا علمتنا أن هذا لا يجدي وأن أول من ينقلب عليه هؤلاء هم من مدوا لهم يد العون.
إذا نجحت المحاولة الدولية الحالية فسيعني ذلك أن قيادات التطرف والتشدد من أمثال عبد الحكيم بلحاج وصلاح بادي وعبد الرحمن السويحلي سيكون لهم دور في حكم ليبيا. ليس بالضرورة أن يكون هؤلاء ممثلين في السلطة مباشرة، ولكنهم سيقدمون دمى تمثلهم كنوري بوسهمين وعمر الحاسي وغيرهما. ولعل من المفيد الرجوع إلى تاريخ هؤلاء الثلاثة، وأمثالهم، لمعرفة ما ينتظر ليبيا على أيدي من يريد الغرب تنصيبهم عليها. فإما قدموا من معسكرات القاعدة في أفغانستان وباكستان، أو تحولوا من خدمة نظام القذافي إلى القتال تحت راية التطرف والإرهاب.
صحيح أن ليبيا بها مشكلة بنيوية وهي افتقارها لمؤسسات الدولة على مدى أربعة عقود وهيمنة التركيبة القبلية والعشائرية عليها في ظل عدم تطور مجتمع مدني قوي إبان حكم القذافي بما يجعلها ساحة مناسبة للصراعات الداخلية لكن ما يتبعه الغرب هناك يماثل إلى حد كبير ما تفعله إسرائيل بفلسطين والعرب منذ إعلان دولة الاحتلال منتصف القرن الماضي. فكما يفعل الصهاينة، يتم خلق “أمر واقع” ليس غير قانوني فحسب بل إجرامي جنائي أحيانا بما يصل حد الإرهاب ثم “تشريع وتقنين” هذا الأمر الواقع وفرض التعامل معه على الأطراف صاحبة الحق. هذا بالضبط ما حدث على مدى نحو عام وتتوجه الآن الأمم المتحدة منفذة أجندة غربية ـ ولا عجب أن الغرب تولى عن اسرائيل “تقنين” إجرامها وعدوانها بقرارات عبر الأمم المتحدة “شرعت” أمر واقع فرضه الاحتلال الاستيطاني.
بالطبع، كل من يتصارعون في ليبيا ليبيون، ولا مقارنة بينهم وبين الصهاينة الذين احتلوا فلسطين قادمين من شرق ووسط أوروبا أساسا. لكن تلك الجماعات الميليشياوية المتطرفة فتحت باب ليبيا لإرهابيين يفدون من كل حدب وصوب، بعضهم في طريقه إلى سوريا عبر تركيا وبعضهم يمكث لقتل الليبيين أو استعدادا لإرهاب متصاعد في مصر وتونس والجزائر. وهذا توجه مرشح للتصاعد في حال نفذ المخطط الغربي ولم تتمكن القوى العربية المعتدلة من التصدي له قبل فوات الأوان.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى