الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / جلعاد وشكينازي يعالجان المصريين

جلعاد وشكينازي يعالجان المصريين

محمد عبد الصادق

” في عام 2011م سجل اشكنازي براءة اختراعه للسوفالدي, عبر شركة “فارم أسيت” والتي باعته لشركة “جلعاد” عملاق صناعة الدواء الأميركية بمبلغ 11مليار دولار, وحصل اشكينازي لنفسه على مبلغ 440 مليون دولار نظير أبحاثه لتطوير العقار, هذه المبالغ رفعت سعر العقار للمستهلك الأميركي إلى 84 ألف دولار لكورس العلاج لمدة ثلاثة شهور(القرص بألف دولار).”
ـــــــــــــــــــــ
مصر هي أكبر بلد في العالم يعاني من التهاب الكبد الوبائي (سي) هذا المرض الفتاك الذي أصاب ما يقرب من 10% من شعبها ,و يعاني منه أكثر من 300 مليون شخص على مستوى العالم, يموت منهم سنوياً أكثر من 350ألفاً جراء المضاعفات التي تصيب الكبد من هذا الفيروس اللعين, الذي لم يتم حتى الآن اكتشاف مصل للوقاية منه, وإن كان ظهر مؤخراً أدوية للقضاء عليه.
وعرف المصريون المعاناة مع أمراض الكبد منذ آلاف السنين؛ حيث تم اكتشاف مرض البلهارسيا مستوطناً داخل المومياوات الفرعونية, بعدما اكتشفه العالم الألماني تيودور بلهارس سنة 1858م أثناء تشريحه لجثة أحد المتوفين المصريين بمستشفى قصر العيني, وعلى ما يبدو أن نهر النيل بقدر ما يسبب السعادة للمصريين يجلب معه أيضاً الشقاء؛ فهو شريان الحياة وماؤه يحمل الخير والنماء والمدنية والحضارة للقاطنين على ضفافه, ولكنه حمل معه البلهارسيا وأمراض الدم التي أصابت أكباد كثير من المصريين.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أطلقت الحكومة المصرية حملة قومية للقضاء على البلهارسيا, ولكنها للأسف كانت سبباً في انتشار المرض بين فئات عريضة من المصريين, بسبب استخدام الحقن الزجاجية دون تعقيم (قبل ظهور الحقن البلاستيكية التي تستخدم مرة واحدة ) في تطعيم طلبة المدارس, والعمال والفلاحين, وأدت هذه الطريقة لنقل العدوى لقطاعات واسعة, وظهور فيروس سي الذي حل محل البلهارسيا, وبينما تم اكتشاف علاج فعال يقضي على البلهارسيا ـ بشرط الابتعاد بعد الشفاء عن حواف الترع والمصارف الزراعية, وهو أمر صعب على الفلاح المصري الذي يحاصره التلوث البيئي من كل جانب ـ لم يتم حتى وقت قريب اكتشاف علاج فعال لفيروس سي.
وفيروس سي تم التعرف عليه عام 1989م, وتبين من البحوث أن هناك 15% من المرضى يشفون ذاتياً بدون أي علاج نتيجة قوة مناعتهم , و85% يصابون بالالتهاب الكبدي المزمن الذي يرفع أنزيمات الكبد, ويؤدي بعد فترة لتليف الكبد , والاستسقاء , والقئ الدموي والوفاة في نهاية المطاف, وهذا المرض اللعين يصيب الشباب فوق سن العشرين, ويؤدي لضعف النشاط, وقلة المجهود, ولعل أشد ما يؤلم الشباب المصري المصاب به هو حرمانهم من فرص العمل أو السفر للخارج, بعد اشتراط معظم الدول خلو الراغب في السفر إليها للعمل من الأمراض التي تنتقل عن طريق الدم, ومنها فيروس (سي).
قبل عام 1993م, لم يكن المتبرع بالدم يخضع للكشف عن فيروس سي؛ مما ضاعف أعداد المصابين, كما ينتقل الفيروس عن طريق عيادات الأسنان غير المعقمة, ونتيجة عدم استيفاء شروط مكافحة العدوى في غرف العمليات الجراحية, كذلك يكون الأطباء, وأطقم التمريض عرضة للإصابة بالمرض , ولا ينتقل فيروس سي من الأم لوليدها, ولا ينتقل عن طريق الزواج.
حقن الإنترفيرون كانت أول علاج فعال لفيروس سي, في ثمانينيات القرن الماضي, والإنترفيرون هو دواء جيني اكتشفه العالم السويسري “جان ليندمان” في عام 1957م وكان يستخدم لعلاج السرطان, وتم تطويره ليعالج الأمراض الفيروسية, عن طريق رفع كفاءة الجهاز المناعي للمصاب, ليستطيع التغلب على الفيروس وإبطال مفعوله, ورغم تحقيق الإنترفيرون نتائج جيدة في علاج الفيروس بمناطق عديدة من العالم, إلاً أنه لم يحقق نتائج تذكر مع النوع الرابع لفيروس سي المتحور الموجود في مصر, بالإضافة لأعراضه الجانبية القاسية على المريض, من تكسير الصفائح الدموية, وتثبيط جهاز المناعة, والتأثير السلبي على الغدد الصماء, بالإضافة لطول فترة استخدامه التي قد تصل لعامين, وتكلفته المادية العالية.
حتى جاء ريموند اشكنازي العالم الأميركي المولود في مصر في أوائل خمسينيات القرن الماضي لأم مصرية يهودية, وأب إيطالي, وتلقى تعليمه الأولي والمتوسط في مدرسة فيكتوريا بالإسكندرية, قبل أن تقرر أسرته ترك مصر والهجرة إلى أوروبا في منتصف الستينيات, وهناك حصل على منحة لدراسة الكيمياء في المملكة المتحدة, ومن ثم سافر إلى أميركا لدراسة الصيدلة الدوائية بجامعة “إيل” ومن بعدها دراسة علم المناعة والفيروسات والطب الإكلينيكي بجامعة “إيموري”, وانصبت أبحاثه في التوصل لعلاج أمراض السرطان والإيدز, وبعد نجاحه في اكتشاف دورة حياة فيروس الإيدز توصل لاكتشاف دورة حياة الفيروس الكبدي”بي” والذي ساعده في اكتشاف عقار “السوفالدي” الذي أثبت فعالية تصل لـ 95% في القضاء على فيروس سي, دون أعراض جانبية تذكر.
في عام 2011م سجل اشكنازي براءة اختراعه للسوفالدي, عبر شركة “فارم أسيت” والتي باعته لشركة “جلعاد” عملاق صناعة الدواء الأميركية بمبلغ 11مليار دولار, وحصل اشكينازي لنفسه على مبلغ 440 مليون دولار نظير أبحاثه لتطوير العقار, هذه المبالغ رفعت سعر العقار للمستهلك الأميركي إلى 84 ألف دولار لكورس العلاج لمدة ثلاثة شهور(القرص بألف دولار).
وشركة “جلعاد” شركة أثارت الجدل منذ إنشائها عام 1987م بولاية كاليفورنيا بشراكة أميركية مع رجال أعمال يهود, ولعل هذا يفسر سبب إطلاق اسم “جلعاد” العبري على الشركة التي تولى رئاسة مجلس إدارتها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق في الفترة من 1997م حتى 2001م , والذي طالته الشائعات بسبب العمولات الطائلة التي حصل عليها جراء امتلاك الشركة للملكية الفكرية الخاصة بعقار “التاميفلو” لعلاج أنفلونزا الطيور الذي رفع أرباح الشركة من 258 مليون دولار إلى مليار في عام 2005م, بعد موافقة الكونجرس الأميركي على شراء التاميفلو لعلاج القوات الأميركية بمختلف أنحاء العالم, وبفضلها تحول رامسفيلد لأغنى وزير في حكومة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش.
نجحت الحكومة المصرية مؤخراً في الحصول على عقار السوفالدي بـ 1% من سعره بفضل وجود بند في لائحة منظمة الصحة العالمية؛ يتيح العلاج للمناطق الموبؤة بأسعار مخفضة, أسوة بما حدث مع جنوب إفريقيا في معركتها مع وباء الأيدز. وتعد منظومة العلاج التي وضعتها وزارة الصحة المصرية للاستفادة من السوفالدي, من الإنجازات القليلة التي تحسب للإدارة الحكومية المصرية؛ حيث استطاعت أن تضع نظاماً إلكترونياً, يتم من خلاله تسجيل بيانات المرضى عبر الشبكة العنكبوتية, ويتم تحديد الميعاد, والتحاليل والفحوصات المطلوبة من المريض إلكترونياً, ويطبع المريض الإيصال الخاص به, ويتوجه في الميعاد المحدد لاستقباله ومعه الفحوصات التي يتم إدخالها للنظام الكترونياً, يتم بعدها تحديد طريقة العلاج, وميعاد صرف السوفالدي.
وبجانب النتائج المبشرة عن تخلص نسبة كبيرة من المرضى من الفيروس بعد فترة وجيزة من تناول السوفالدي, هناك رضا كبير من المرضى عن الطريقة والنظام الذي اتبعته وزارة الصحة للتعامل مع المرضى, فقد أجمعوا على تحقق العدالة بين الجميع في العلاج, وانعدام الواسطة والمحسوبية, ورغم الأعداد الغفيرة للمترددين, إلاً أن استخدام المنظومة الألكترونية ساعد في حصول عدد كبير من المرضى على العلاج في وقت قياسي.
أتمنى أن يفطن المسؤولون الحكوميون المصريون أن السبيل الوحيد للإصلاح الإداري لدولة كثيفة السكان مثل مصر, يكمن في استخدام التكنولوجيا, وتقليل الأوراق, ومنع التعامل المباشر بين الموظف والجمهور, حتى لا يضطر المواطن للجوء للواسطة أو الرشوة لتخليص معاملاته, ومصر لا تنقصها الإمكانيات التقنية, ولا الكوادر البشرية المدربة, وكل ما تحتاج إليه هو الإرادة السياسية, والتفكير غير النمطي (خارج الصندوق) والبحث عن حلول لتقديم خدمات حكومية سهلة وميسورة وتخفيف الأعباء عن المواطن البسيط , لجعل حياته أكثر يسراً ويكفيه ما يعانيه من غلاء الأسعار وقلة الدخل.

إلى الأعلى