الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / الاقتصاد الوطني وشبكة عنكبوت النفط

الاقتصاد الوطني وشبكة عنكبوت النفط

أشارت توقعات الأمم المتحدة إلى ان نمو الاقتصاد العالمي سيكون حوالي 3% في عامي 2015 و2016، لكن هذا النمو سيكون متفاوتا في بعض مناطق العالم، ويرجع تباطؤ التعافي إلى تباطؤ النمو في اقتصادات الأسواق الصاعدة والصين واليابان وتأثير الصراعات الجيوسياسية على الأسواق المالية واسعار النفط، وفي منطقة الشرق الأوسط سيحدث انتعاش تدريجي ستبلغ نسب النمو (4.8%) في 2015م ومتوسط معدلات النمو المتوقعة لدول الخليج خلال 2015 حوالي 4.5% ولكن تبقى هذه التوقعات رهناً بالتطورات الجيوسياسية من تأثير الانخفاض المستمر في أسعار النفط.
وكشف البنك الدولي أن دول مجلس التعاون الخليجي الست ستتكبد خسائر بنحو 215 مليار دولار من العائدات النفطية خلال 6 شهور في حال ظلت أسعار النفط حول 50 دولارا للبرميل، أي أكثر من 14٪ من إجمالي ناتجها المحلي مجتمعة.
وتعرضت أسعار النفط للعديد من الصدمات وعدم الاستقرار في الأسعار منذ 1973 والتي وصلت الى اكثر من 7 صدمات، حيث ارتفع السعر من حوالي 2.29 دولار للبرميل إلى حوالي 147 دولارا للبرميل في منتصف عام 2008 إلى 42 دولارا للبرميل في يناير 2015 وربما يصل الى اقل من 30 دولارا مستقبلا، مما يؤكد على اهمية ايجاد بدائل دائمة عن ايرادات النفط.
وحاليا تتراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة أعوام وخسرت ما يقارب 60% من قيمتها (43 دولارا) وربما ستصل الى ما بين 60 دولارا و40 دولارا للبرميل من وقت الى آخر، وذلك بسبب الاشكاليات الجيوسياسية وحرب النقد ووفرة العرض وانخفاض الطلب والتوقعات السلبية لنمو الاقتصاد العالمي وبالاخص في اليابان والصين. وقد جاءت دول مجلس التعاون الخليجي في مقدمة الدول المتضررة من انخفاض اسعار النفط، وأكثرهم تأثرا مملكة البحرين وسلطنة عمان وهما الأضعف ماليًا بين دول المجلس، حيث ينخفض انتاجهما النفطي إلى الحد الذي يؤثر على وضع موازناتهما المالية، وذلك في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية وضعف التنويع الاقتصادي أما الدول الأعضاء في منظمة أوبك وهى السعودية والإمارات وقطر والكويت، حيث تنتج مجتمعة حوالى 16 مليون برميل يوميًا، أي أكثر من نصف انتاج دول أوبك الذي يصل إلى 30,5 مليون برميل في اليوم، وتتسم هذه الدول بقوة موقفها المالي وضخامة احتياطاتها المالية، الأمر الذي يمكنها من الاستمرار من سياستها المالية التوسعية في المتوسط.
وبلغ إجمالي الانتاج الحالي الشهري للسلطنة من النفط الخام والمكثفات النفطية (26) مليوناً و(811) ألفاً و(761) برميلا بينما بلغ المعدل اليومي لإنتاج النفط الخام والمكثفات النفطية (957) ألفاً و(563) برميلاً.
وحذر صندوق النقد الدولي السلطنة من أن برامجها المالية التوسعية ستؤدي الى تحقيق عجز مالي هائل في ظل انخفاض متواصل لأسعار النفط، حيث تضع موازنتها المالية عند سعر نفط تعادل 85 دولارا غير معلن، وبالرغم من تلك الانخفاضات الحادة إلا أنه لا توجد نية تغيير أنماط سياستها المالية التوسعية والاستمرارفي النفقات الجارية حيث تم الاعلان عن موازنة 2015 مقاربة عن العام السابق بما يعادل 14 مليار ريال عماني، ولذا فإن الخيار المتاح أصبح من الضروري اعادة التفكير في مناهج الادارة الحكومية الاقتصادية وتخفيض النفقات الحكومية وبالأخص الجارية والدعم بمختلف أشكاله، وذلك بجانب التفكير جديا في تنويع اقتصادها وتنويع إيرادتها المالية.
الاحتياطيات النفطية وحجم انتاج النفط
نشرت صحيفة انترناشيونال بيزنس تايمز البريطانية تقريرا عن الموارد النفطية المتبقية في العالم حيث تبلغ 1,6 تريليون برميل تكفي لمدة 53.3 سنة وفقا لمعدلات الانتاج الحالية. وارتفع حجم نمو الإمدادات النفطية بالأسواق العالمية خلال الخمس سنوات الماضية بنسة 10%، وذلك كأحد الأسباب الرئيسة في الانخفاض الراهن لمستوى أسعار النفط التي تمرّ به الأسواق حالياً، وكانت الإمدادات قد ارتفعت من 83,3 مليون برميل يومياً في 2009 إلى 91 مليون برميل يومياً منتصف 2014 بحسب ما أوردته وكالة الطاقة الأميركية ولكن التوقعات تشير بأن الامدادات النفطية في السوق حاليا تبلغ اكثر من 94 مليون برميل ويتوقع ان يكون الانتاج خلال الاعوام القادمة متدرج وفي 2040 سيكون الاستهلاك العالمي 104 ملايين برميل وسيمثل النفط حوالي ربع مصادر الطاقة في العالم وتوقعت منظمة اوبك ان يستهلك العالم مزيدا من الطاقة عام 2040 بنسبة 37%، غير ان ارتفاع الأسعار وتعزيز فعالية مصادر الطاقة سيحدان من نمو الطلب، على خلفية القلق المتزايد على امدادات النفط.
تكلفة انتاج برميل النفط
تكلفة الإنتاج الأولي تتراوح ما بين 4 إلى 6 دولارات للبرميل بينما تكلفة الإنتاج المعزز ما بين العشرة إلى اثني عشر دولارا، وفي حال تم احتساب ما يتم إنفاقه على المشاريع إضافة إلى التشغيل السنوي في القطاع وتمت قسمته على كمية الإنتاج فستصل النفقات من 23 إلى 24 دولارا للبرميل الواحد. وحسب اشارة وكيل وزارة النفط والغاز في السلطنة فقد زادت النفقات التشغيلية لشركة تنمية نفط عمان بحوالي 40% ففي 2013 وصلت القيمة التشغيلية إلى بليون ونصف بليون دولار وستتجاوز في العام 2022 بليوني دولار.
الاستثمارات النفطية العالمية
حوالي 900 مليار دولار من الاستثمارات السنوية العالمية تعتبر ضرورية حتى سنوات 2030 لتطوير الإنتاج في قطاعات النفط والغاز بغية تلبية ارتفاع الطلب العالمي، لكن من غير المؤكد ان تتحقق هذه الاستثمارات في ظل انخفاض حاد لاسعار النفط، وتعقيد تطوير الحقول في المياه العميقة في البرازيل، وايضا بالعقوبات الغربية المفروضة على روسيا وايران وضعف الاستقرار في الشرق الاوسط.وفي هذه الحالة سينقص الانتاج مما يرفع ذلك اسعار النفط مستقبلا. وعلى السلطنة أن تقدم شروطا مغرية لجذب استثمارات من شركات النفط العالمية.
هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية الحفاظ على طفرة الغاز الصخري؟
أحدثت الولايات المتحدة الأميركية طفرة عالمية بتحويل الصخور الزيتية إلى غازات وسوائل نفطية وسوف يستمر النمو في انتاج الغاز الصخري ليصل إلى 53% من إجمالي الغاز الطبيعي المنتج في عام 2040م.
استبعد مختصون نفطيون قدرة 98% من شركات النفط الصخري مواصلة الانتاج في ظل انخفاض أسعار النفط حيث تتساوى فيها التكلفة والعائد، ولكن الى حينه غير واضح التكلفة الحقيقة ويقال بين 28-75 دولارا للبرميل واستثمر في أميركا بمفردها نحو 500 مليار دولار في مجال البنية التحتية والسبب أن أسعار النفط كانت مرتفعة تغطي تكلفة إنتاج النفط الصخري.
أسباب نزول اسعار النفط
يعتبر النفط سلعة استراتيجية تحكمها أبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية، وما يجري حاليا في أسواق النفط البعض يعتبره «حرب أسعار سياسية اكثر منها اقتصادية» لمعاقبة روسيا اقتصادياً بسبب الأزمة في أوكرانيا ورغبتها في التوسع عالميا، وكذلك من أجل معاقبة ايران واصبح النفط كسلاح سياسي واقتصادي لبعض الدول المؤثرة في الانتاج والتي تحكمها مصالح داخلية وخارجية تسعى للحفاظ على حصتها السوقية وتحقيق اهداف سياسية أكثر من الحفاظ على السعر. إذ أن توقع اتجاه الأسعار سيكون حتما أصعب إذا كانت الأسباب المرجحة سياسية بسبب صراعات محاور متنافسة، ففي تلك الحالة يكون تراجع الأسعار ذا علاقة بلعبة توازنات سياسية (لعبة عض الأصابع) من الصعب التكهن بمداها.
الجميع في حالة قلق وترقب، ومخاوف متزايدة من انخفاض أكبر في أسعار النفط قد يصل الى اقل من 40 دولارا لكن الحاجز الاساسي للنفط هو 60 دولارا، وذلك نتيجة لتجاذبات سياسية ونقدية وتراجع الطلب العالمي ووفرة المعروض والخوف من حرب تخفيض في الأسعار بين الدول المنتجة والصراعات العسكرية في بعض الدول المنتجة كالعراق، وليبيا وغيرها، وأن لم تُسهم في رفع الأسعار كما كان متوقعاً؛ لأنها لا تزال تُصَدّر نفطها باستمرار بأسعار اقل.
من المتوقع ارتفاع الأسعار نتيجة الارتفاع المتوقع في الطلب نتيجة دخول فصل الشتاء، إضافة إلى التوجه المتوقع للولايات المتحدة لخفض سعر الدولار تجنبًا للعجز المرتفع في الموازنة بعد أن تنهي مغامراتها العقابية تجاه الروس، إضافة إلى كون الانخفاض الكبير للأسعار سيدفع الدول التي تتحمل تكاليف الإنتاج المرتفعة إلى خفض إنتاجها مما قد يتسبب في انخفاض في كمية المعروض وتوقف الاستثمارات في النفط مما يوصل سعر النفط الى اكثر من 100 دولار مستقبلا، وقد اعلنت «شيفرون» انها لن تستثمر سوى 35 مليار دولار في مشاريع الاستغلال النفطي في 2015، اي بتراجع نسبته 13 في المئة مقارنة بالعام 2014.
وأدى انهيار اسعار النفط الخام الى تراجع ارباحها العام الماضي بنسبة 10.2 في المئة ليصل الى 19.24 مليار دولار. الى جانب ان نزول الاسعار ليس من صالح أميركا وأوروبا حيث انها تستفيد من تدفق السيولة الناتجة من بيع البترول وكذلك اكثر من 80% من الشركات العاملة في النفط هي شركاتها الى جانب الضرائب المستفادة من النفط حيث بلغت الأرباح الأساسية لشركة بي بي 2.2 مليار دولار لعام 2014م.
ماهو المدى الذي يمكن أن يصل إليه تراجع الأسعار؟ وعن أهم الآثار الاقتصادية لذلك على الدول المصدّرة للنفط؟ فإنه لا خطر من وصول الأسعار إلى مستويات متدنية؛ كأن تتراجع مثلاً إلى اقل من 30 دولاراً للبرميل؛ ففي ظل التكلفة العالية لإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة والتي قد تصل ما بين 28- 70 دولاراً للبرميل. ومن المرجح أن تظل أسعار النفط ما بين 40 و 60 دولارا للبرميل حتى يونيو 20015م.
إلى أن يتضح تعافي الاقتصاد العالمي، أو إذا حدثت أزمة سياسية، أو إذا غيرت أوبك سياستها الإنتاجية.
من المستحسن ان يظل سعر النفط يلامس 50 دولارا حتى ندرك مرض البترول والعمل على وضع خطط اقتصادية فعالة ومهنية من قبل قيادات مهنية متخصصة وسيكون نزول اسعار النفط في الحدود المعقولة من الناحية الاستراتيجية لصالح الاقتصاد العالمي ويدعم الانتعاش العالمي ويدفع تنشيط التجارة البينية وكذلك سيحد من منافسة بدائل النفط كالفحم الصخري وبدائل الطاقة الاخرى وسيدعم زيادة الاستثمارات في تخفيض كلف انتاج البترول.
علاقة الدولار بالنفط وحرب العملات
سجل الدولار الأمريكي أعلى مستوى في سبع سنوات مقابل سلة عملات وتؤدي قوة الدولار إلى كبح الطلب على النفط والسلع الأولية الأخرى المقومة بالعملة الأمريكية، إذ تصبح أعلى تكلفة للمشترين بعملات أخرى وهناك دولا تحاول الافلات من قبضة الدولار الاميركي والهيمنة الاميركية من خلال إنشاء بنك عالمي بعيدا عن الدولار الامريكي مرادف لصندوق النقد الدولي ومن هذه الدول البركس مع روسيا والبرازيل والهند وهذا من الاسباب الحالية لنزول اسعار النفط لثني روسيا عن الاستمرار في هذا الجانب.
العامل المهم الذي يجب ان لا نغفل عنه أن سعر صرف الدولار من صالح الولايات المتحدة (بالرغم من انها مستهلكة محليا)، ألا يبقى مرتفعا حتى لا يؤثر ذلك على صادراتها ويزيد من عجزها التجاري وان أميركا ستسعى لخفض قيمة الدولار على ضوء التطورات السياسية في المنطقة، ومن المحتمل أي يؤدي انخفاض سعر صرف الدولار خاصة مقابل الين الى زيادة أسعار النفط.
ثالثا: أهم الآثار المتوقعة نتيجة انخفاض اسعار النفط على الاقتصاد الوطني وبالاخص الانفاق الجاري والاستثماري وكذلك استدامة المالية العامة.
طبعا هبة النفط نعمة من الله عزوجل ويجب استغلالها برشادة لكافة الاجيال والهيمنة الكاملة لقطاع النفط على اقتصادنا؛ إن بدا أنه أمر إيجابي؛ إلا أنه تسبب أيضاً في تهميش شديد لقطاعات الاقتصاد الأخرى، بصورة جعلت من غير الممكن تفعيل هذه القطاعات وتعزيز جهود تنويع مصادر الدخل، وهذا أمر في غاية الخطورة؛ فعمر النفط مهما طال؛ فهو محدود، ولن يكون من الممكن تطوير مصادر بديلة للدخل، إن لم ننجح بذلك الآن، وقبل نضوب النفط بعقود.
تقدر نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي في السلطنة في عام 2013م حوالي 39%، وبلغت قيمة الصادرات النفطية حوالي 66%، وشكل النفط حوالي 85% من جملة الواردات الحكومية. وفي عام 1986م، على سبيل المثال، انخفض سعر النفط بحوالي 46% وعلى اثر ذلك انخفض الإنفاق العام بحوالي 2% في نفس العام وبحوالي 15% في عام 1987م، وشهد الناتج المحلي الإجمالي انكماشا حقيقيا بلغ حوالي 4% في1987م، في عام 2009م انخفضت أسعار النفط بحوالي 42% وأدى ذلك إلى خفض الإنفاق الحكومي بحوالي 1% وإلى تحقيق نسبة نمو بلغت 1% فقط في الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة 13% في عام 2008م، إذا وبالنظر إلى حجم النفط في الاقتصاد والى حساسية الأنشطة الاقتصادية إلى تقلبات سعر النفط في السوق العالمي فمن من المؤكد أنه إذا استمر سعر النفط في التراجع فانه سيؤدي إلى إعادة النظر في أولويات وبرامج ومشاريع التنمية وزيادة الانفاق الحكومي المتكرر الذي يقدر بحوالي 65% من الموازنة العامة.
و مساهمة الخدمات قائم على النفط وحتى الصناعة جزء مهم منها قائم على وجود الصناعة النفطية. بمعنى آخر، إذا تم احتساب مساهمة النفط المباشرة وغير المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي ستزيد على 74%، وقيمة الصادرات النفطية حوالي 66% وشكل حوالي 85% من جملة الايرادات العامة في عام 2013م.
انخفاض سعر النفط سيكلف السلطنة خسارة اكثر من 55 مليون دولار من الايرادات المتوقعة يوميا!!. ماذا لو انخفض سعر برميل النفط الى اكثر من ذلك؟.ولما كان التنبؤ بالتقلبات في الإيرادات النفطية أمرًا ممكنا وفقا للهزات النفطية منذ 1973، فلا داعي إذن أن نعطي أهمية مبالغا فيها للفائض والعجز في الإيرادات، بل يجب تركيز الإهتمام على معرفة أفضل السبل لتخصيص الإيرادات المتوفرة للاحتياجات الحالية والأهداف التنموية المستقبلية، وايجاد استراتيجيات مقبولة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا لمعالجة آثار انخفاض الإيرادات النفطية. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد الوطني.
اذا بقيت الأسعار في هذا المتوسط الحالي لا بد أن تتأثر المصروفات العامة وتتأجل بعض المشروعات غير الاستراتيجية، تلافيا لارتفاع العجز المالي وبالتالي في ظل انخفاض أسعار النفط عن الأسعار الحالية في المتوسط إلى 80 دولارا فإن العجز في الموازنة السنوية قد يصل إلى 3 مليارات ريال عماني، ووصولها إلى 40 دولارا للبرميل الواحد فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع العجز المالي وتفاقمه. فمن المتوقع أن يتأثر الاقتصاد الوطني بشدة جراء انخفاض الأسعار من خلال المحاور التالية:
• التأثير سلبًا على بند الانفاق الجاري
• التأثير سلبًا على الانفاق الاستثماري
• اتجاه الدولة إلى الاستدانة العامة: وفي حال الانخفاض الشديد لأسعار النفط واتجاه الدوله نحو الاقتراض خارجيًا فإن ذلك سيعرض التصنيف للإئتماني للدولة للخطر. وفي الآونة الاخيرة خفضت وكالة ستاندر اند بوز التصنيف الائتماني لكل من مملكة البحرين وسلطنة عمان بدرجة واحدة.
• تتأثر القطاعات الاقتصادية المختلفة وبدرجات متفاوتة.
• شح القروض من القطاع البنكي لتمويل المشاريع بأنواعها مما يؤثر على الاستثمارات المختلفة.
• انخفاض حجم وقيمة الصادرات الصناعية.
• صعوبة الحصول على التمويل الكافي للمشاريع الصناعية الكبرى.
• الاثر على الاستهلاك الخاص بسبب تدني الدخل وتآكل الثروة الناتج عن انخفاض سوق مسقط للاوراق المالية بأكثر من 17% وانخفاض قيم العقارات وقلة وضعف الاستثمارات الفردية.
• تأثر وضع البنوك المحلية بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي والتدني الائتماني وحركة الاستثمار.
• تأثر سوق مسقط للاوراق المالية، حيث تراجع احيانا اكثر من 17%. ولا ينبغي ان تدخل الحكومة بتقديم دعم قوي للسوق لان نتائجه في حالات النزول ستكون غير حميدة.
يتضح ان هناك ابعادا مالية واقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة وستكون مؤلمة مستقبلا نتيجة اعتماد الموارد المالية العامة بشكل اساسي على النفط وعدم ايجاد بديل حقيقي دائم عن ذلك.
تضرر الدول الخليجية حال استمرار الانخفاض في أسعار النفط؟
قالت مدير صندوق النقد الدولي لاغارد: انخفاض الأسعار 25 دولارا سيؤدي إلى تراجع الناتج الإجمالي 8 % في دول الخليج وتراجعه بنسبة 25 % سيؤثر على أرصدة المالية العامة والأرصدة الخارجية، وقد حذرت وكالة ستاندرد آند بورز العالمية من أن اعتماد الحكومات الخليجية على إيرادات النفط والغاز سيشكل ذلك نقطة ضعف رئيسية لاقتصاديات وتصنيفات هذه الدول.
ووفق احصائيات صندوق النقد الدولي، فاحتياطيات الخليج المالية تقدر بـ 2.45 تريليون دولار، لذلك فهي قادرة على الصمود عدة سنوات قادمة في حال استمرار تراجع الأسعار. وفي رأي وحدة الابحاث الدولية في بنك “اتش اس بي سي” أن المملكة العربية السعودية تملك ما يكفي من الاحتياطات المالية للاستمرار في نفس مستوى الإنفاق الحالي لثلاث سنوات قادمة (2015-2016ـ2017 )، أما صندوق النقد الدولي فقد اعتبر أن “دول الخليج قادرة على الاستمرار في برامج الإنفاق على المدى القصير، لكنه حذر في الوقت نفسه فإن أي انخفاض إضافي سيدخلها في دائرة العجز، مع العلم أنه توقع أن تستمر اقتصاداتها في تحقيق نموي بنسبة 4.5% في عامي 2014 ـ 2015 م.
رابعا: كيفية تفادي الاثار المالية والاقتصادية على السلطنة نتيجة نزول اسعار النفط والاعتماد عليه.
مهما كانت أسباب تراجع أسعار النفط ونتائجها الوخيمة على أسواقنا المالية واقتصادياتنا الريعية؛ فلا بد أن نعترف بتقصيرنا عبر سنوات الطفرة النفطية والهزات النفطية في تطوير خططنا الأستراتيجية وأهدافنا التنموية في سبيل إيجاد البدائل المثلى لتنمية مواردنا وتوظيف عوائدنا الصافية لتنويع الاقتصاد بهدف تقليص الآثار السلبية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط.
للمعالجة الاستراتيجية لتفادي الاعتمادية الاقتصادية على النفط وحتى يتكيف اقتصادنا الوطني مع المتغيرات الداخلية والخارجية، ولكي لا نغرق الاشكايات الماليات والاقتصادية، كما حدث في الثمانينات، فلا بد من النظرة الشمولية للموضوع من كافة الزوايا الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية والأعتماد على سياسة الاستخدام الأمثل لرأس المال المادي والبشري المتدفق والمتكافئ، من خلال خطوات استراتيجية واضحة ومهنية ومعالجات اقتصادية طويلة المدى.
وستكون السلطنة أمام ثلاثة خيارات لتفادي هذه المشكلة: الخيار الاول تقليص هائل ومؤلم للانفاق، وأن يكون بحذر لما له من أضرار على الاقتصاد الوطني. والخيار الثاني يتمثل في السحب من الاحتياطي العام ولكن اللجوء الى هذا الخيار سيؤثر على التصنيف الائتماني للدولة وتتأكل الثروات الوطنية. أما الخيار الثالث فيتمثل في الاقتراض الامثل الخارجي والداخلي واللجوء الى الصكوك والسندات لامتصاص السيولة المتوافرة في البنوك أو الصناديق السيادية واستخدامها برشادة وفي تمويل المشاريع التنموية وليس الاستهلاك. والقدرة على تغطية وتمويل بنود الموازنة العامة يعتمد على أمرين:
أ. مدى تخطي سعر برميل نفط خام سعر التعادل المقيّم في الموازنة العامة للسنة المالية الحالية أو العكس.
ب. وجود فوائض مالية في الاحتياطيات العامة أو الصناديق السيادية قادرة سد العجز المتوقع في الموازنة.
وبغض النظر عن هذين الأمرين فإنه من الحكمة بمكان أن يكون التحوّط هو العامل الأساسي لمراجعة بنود الموازنات العامة من خلال إعادة دراسة أولويات البرامج والمشاريع الإنمائية للوقوف على المشاريع ذات الأولوية العليا القابلة للتنفيذ والعمل على تأجيل تنفيذ المشاريع ذات الأولويات الدنيا للسنوات المالية اللاحقة. وذلك ضمن تقديرات حذرة لسنوات الخطة الخمسية التاسعة.

متطلبات في الأجل المتوسط
وتتمثل في تخفيض الانفاق العام وزيادة حصيلة الإيرادات، من خلال :
محور الانفاق
1- ضبط الانفاق الجاري في كافة بنوده
2- ضبط إنفاقات الجهاز الاداري للدولة والقطاع العام وشركاته
فقد شهدت السلطنة ارتفاعاتٍ ملحوظة في التوظيف والرواتب والأجور الحكومية والتي وصلت في بند الموازنة ما يعادل40%وتم العام الماضي دعمها وزيادتها بحوالي مليار ريال وأمل ان تحقق هدفها من توحيد الرواتب.
3- تقنين الدعم الحكومي
انتهجت الحكومة نموذج دولة الرفاه كنظيراتها من دول مجلس التعاون الخليجي وذلك بالرغم من ضعف مواردها المالية النفطية، فاتورة الدعم تمثل عبئا كبيرا لايمكن الاستمرار في تحمله على المدى الطويل، ولذا لا بد ترشيد الدعم الحكومي وخاصة في مجال الطاقة وتعديله بحيث يصل الدعم فعلا إلى مستحقيه، حيث تعد فاتورة الدعم على الحكومة تكلفة باهظة تعادل اكثر من مليار ريال عماني ودعم الطاقة ستحوذ الى اكثر من 700 مليون ريال عماني ما يقارب 8% من الإنفاق الحكومي، وخفض الدعم إصلاحا اقتصاديا مهما، وعلى المدى الطويل سيعود بالنفع على الاقتصاد الوطني نظرا لأن الدعم الحكومي هو تشويه هيكلي للأسعار وعبء على الموازنات العامة وقد تتحول السلطنة من منتجة إلى بلد مستهلك للنفط على المدى الطويل.

محور الايرادات: زيادة الإيرادات الضريبية والرسوم:
تمثل الضرائب في العالم مصدرًا تقليديًا للإيرادات العامة، وتعتمد على مستويات النشاط الاقتصادي فيها، فمع تزايد مستويات النشاط الاقتصادي تزداد إيرادات الدولة من الضرائب، ومع تراجع مستويات النشاط الاقتصاد تتراجع إيرادات الدولة منها، كما أنها تلعب دورًا مهما في استقرار النشاط الاقتصادي والاستغناء عن ايرادات النفط ويقترح العمل على عدد من الإجراءات لتعزيز الإيرادات الضريبية، ومنها:
 رفع كفاءة تحصيل الضرائب والرسوم
 استحداث هياكل ضريبية تتسم باتساع الأوعية الضريبية.
 اقرار بعض من الضرائب غير المباشرة الأخرى كضريبة البيئة.
 استحداث ضريبة للقطاع غير المنظم. ‏
 زيادة الضريبة على البنوك والانشطة المالية الريعية.
 زيادة الضريبة على الكماليات وغير الضرورية.

متطلبات في الأجل الطويل
وتتمثل تلك المتطلبات في وضع خطط وبرامج تعزز من التنويع الاقتصادي بعيدا عن الاعتماد على ايرادات النفط، وهنا يجب التركيز على القطاعات الانتاجية والخدمية التي تتسم بارتفاع قيمتها المضافة في الناتج المحلي الإجمالي والدخل الوطني، ومن بين تلك القطاعات المهمة قطاعي الصناعة والسياحة، وعمل تنمية حقيقية للقطاع الزراعي والسمكي والحيواني.
 تعظيم القيمة المضافة للقطاع الصناعي من خلال عددٍ من الإجراءات أهمها:
 تعزيز اقتصاد المعرفة والبحث العلمي والابتكار الصناعي.
 إصلاح وتأهيل مؤسسات الصناعة.
 مراجعة وتطوير التشريعات والأطر القانونية.
 تنظيم أنشطة ترويجية محلية لدعم المنتجات الوطنية في الأسواق المحلية.
 تنمية الصادرات الصناعية.
 زيادة الاستثمارات في قطاع التكرير والبتروكيماويات.
 الاهتمام بالقطاع السياحي.
 رفع كفاءة الجهاز الاداري للدولة من خلال اعادة الهيكلة والغاء ودمج الهيئات والوحدات الحكومية غير الضرورية.
 الاستفادة من المناطق الصناعية والحرة.
 تعزيز إمكانات القطاع الخاص وتوسيع دوره في دفع عجلة النمو الاقتصادي المستدام ورفع قدراته الاستيعابية لاجتذاب الأعداد المتزايدة من العمالة الوطنية.
 الترشيد ووقف الإسراف في الجهاز الحكومي والشركات الحكومية.
 تطوير برنامج التخصيص وبيع حصص الحكومة في الشركات، الذي سيعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني، بحيث تقوم الحكومة التخلص من الشركات الخاسرة والحصص الحكومية
 فتح القطاعات والاجواء للاستثمار.
 تطوير الدور المحوري المطلوب من البنك المركزي والبنوك في النشاط الاقتصادي.
 اهمية التركيز على تحقيق الانضباط المالي على المدى الطويل والتحول الى موزنة برامج.
 ضرورة تعزيز جهود التنويع الاقتصادي الحقيقي والشروع في تبنى منظومة متكاملة من النظم والاجراءات التي تستهدف تحسين البيئة الاقتصادية العامة واجواء الاستثمار وبيئة الأعمال.
 ضرورة التركيز على تطوير سياسات وهياكل الأجور والمرتبات في القطاع الحكومي والشركات الحكومية، بحيث تتحدد بما يتلاءم مع متطلبات ومسؤوليات الوظيفة ويتم ربطها بالانتاجية.
 يتطلب استفادة السلطنة من خدمات ومسؤوليات واهتمامات المؤسسات المالية الدولية.
 ضرورة تشجيع القطاع الخاص لزيادة قدرته التنافسية خارج حدود الدولة وان تقوم الدولة بتمويل أنشطة غير تقليدية مثل التصدير وتبني ونقل التقنية والعلوم.
 الاهتمام بالشباب، من حيث تبني نظام تعليمي وتدريبي جيد يكون ذا هدف انتاجي ومتفقا مع احتياجات أسواق العمل، ليدفع هؤلاء الشباب للدخول بقوة إلى القطاع الخاص وتبني مبادرات الاعمال دون انتظار الوظيفة العامة.
 تنفيذ سياسة التقشف على جميع الوزارات ومؤسسات الدولة.
 اعادة تخطيط الخطط والبرامج والآليات الإنتاجية الوطنية، بحيث لا يجب أن تعتمد على الإيرادات التي تأتي من القطاعات النفطية فحسب بل يجب تنويع خطط وبرامج الإنتاج المحلية.
 ضرورة تنشيط القطاعات الاقتصادية الأكثر استيعابًا لليد العاملة، مثل قطاعي الزراعة والصناعة وتوسيع دور القطاع الخاص.
 التحرك في المستقبل نحو حلول مقدمة من قبل القطاع الخاص من أجل الإستجابة لاحتياجات المواطنين، وخاصة فى مجالات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والخدمات.
 القروض الانتاجية الخارجية، وينبغي الحذر من تورط الحكومة بالقروض الخارجية الاستهلاكية بداعي توفير السيولة المالية نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية خلال الأشهر القادمة.
 الاستثمار في جودة التنمية البشرية وللمحافظة على النمو الاقتصادي واستدامته يتطلب موارد بشرية مؤهلة قادرة على الإبداع والابتكار وتطوير المزايا التي تتمتع بها في استقطاب الاستثمارات وتشغيلها.
 إعادة النظر في بعض المشاريع بحيث يتم ترحيل بعضها للمستقبل وبالاخص ذات التكلفة العالية.
 تطوير المزايا التنافسية للسلطنة.
 تطوير الجمارك من حيث التسهيلات والاجراءات.
 السلطنة لديها مقومات اقتصادية وسياسة واجتماعية وامنية ينبغي الاستفادة منها وعدم تركها للاستفادة منها قبل الدول الاقليمية.
 رفع كفاءة ادارة سوق العمل، بحيث يكون عامل مساعد لنمو الاقتصادي.
 يتعين مساعدة الناس على انشاء مشاريعهم الخاصة.
 المساهمة من قبل القطاع الخاص في تبني المشروعات المجتمعية والعامة.
 في الخطة الخمسية القادمة يجب التركيز في كيفية الاستغلال الاستثماري الأمثل للبنية الاساسية للسلطنة.
 تطوير المحافظات من خلال انشاء المناطق الاقتصادية والانتاجية ومراكز الاعمال المدرة للفرص الوظيفية واستغلال الميزة النسبية للمحافظات.
 المكاشفة مع الجمهور بشان الاجراءات التي ستقوم الحكومة بأتخاذها لتفادي اثار نزول النفط حتى يساعد ذلك تفهم المواطنين للظروف المالية للحكومة وتقدير المعالجات مستقبلا.
 يجب ان نعتمد على اقتصاد العقول المنتجة وتقدير المعرفه والعلماء، لنخفف من اقتصاد الموارد النفطية الذي سينضب يوما ما، شئنا أم أبينا سنصحو يوماً ونجد العالم وقد أخترع بدائل عنه، ماذا العمل في حينه وما مصير الأجيال القادمة ؟. والانسان العماني المتعلم والمنتج هو الركيزة الاساسية لمستقبل السلطنة.
رغم إصرار البعض على أن الانخفاض الحالي في أسعار النفط لن يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد ولكن موجة الهبوط في أسعار النفط يجب أن تثير قلق السلطنة وعدم التقليل أو التهوين من الآثار السلبية التي ستلحق بميزانية ومستقبل اقتصاد السلطنة. فرؤية بعض التعافي في المستقبل أمر طبيعي لكن الاتجاه النزولي مازال قائما ومن الممكن حدوث تراجع آخر، لذا فإن السلطنة بحاجه ماسة إلى رؤية تخطيطية استشرافية قائمة على نظرة استراتيجية تستغل امكانيات السلطنة وتشرع في صناعات المستقبل واقتصاديات المعرفة.
نزول البترول شيء حميد حتى نفيق من صدمة البترول ونبدأ بتوفيرمناهج رشيدة ومستويات تفكير انتاجية، لذا لا بد من احداث تغيير فعلي على آليات عمل الحكومة وتقليل سنوي في الاعتمادية على البترول وتعيين قيادات تخصصية ذات مستويات تفكير خلاقة والتحول نحو ثقافة الانتاج والاستثمار والنظرة المستقبلية.
وختاما، فالتنمية المتواصلة هي عدم انخفاض مستوى الرفاهية على المدى الطويل وان لا تكون على حساب الاجيال القادمة، بمعنى أن أي نمط للتنمية يهتم بتحسين مستوى رفاهية الأفراد في الوقت الحالي على حساب مستوى رفاهيتهم في المستقبل، يعدّ نمطاً غير مستدام ومصيره الضعف المتواصل والهوان.

د.أحمد بن علي المعولي
عضو اللجنة الاستشارية العليا بالمعهد العربي للتخطيط بجامعة الدول العربية ومستشار اقتصادي سابق بالبنك الدولي

إلى الأعلى