الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة القيم العمانية ودور المواطن فى التنمية
قراءة في ندوة القيم العمانية ودور المواطن فى التنمية

قراءة في ندوة القيم العمانية ودور المواطن فى التنمية

“دور الدين والخلق والتقاليد في الحياة والمجتمع ” الحلقة الثالثة

ـ سعاد الحكيم : ضرورة تبنّى القيادات الاجتماعيّة مهمّة تكريم الأشخاص الرائدين في مجال الإحسان لإظهارهم وإعلاء شأنهم
قراءة أحمد بن سعيد الجرداني

يتميز الإنسان عن غيره من الكائنات التي تعيش معه في هذا الكون بأنه يحيا ويتصرف في إطار مجموعة من القيم الخلقية التي تهذب روحه وتحكم تصرفه ، لذا جاءت ندوة (القيم العمانية ودور المواطن في التنمية) التي أقيمت بقاعة المؤتمرات بجامعة السلطان قابوس والتي كانت على مدار ثلاث ايام من تاريخ 2ـ4 رجب 1432 هجري الموافق 4 ـ6 يونيو 2011 ميلادي بتنظيم من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية . لتعطي الإنسان دافع وتذكير في المحافظة على الإرث الحضاري القيم وكيفية التعامل مع المحيطين به . وحول ما قدم في هذه الندوة من بحوث واوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان دور الدين والخلق والتقاليد في الحياة والمجتمع للدكتورة سعاد الحكيم..
فقد ذكرنا في الحلقة السابقة عن دور الايمان في بناء الإنسان وكذلك تحدثنا عن الدولة لأنها الكيان السياسيّ المؤتمن على الفرد والجماعة، أي المؤتمن على تأمين المناخ الصحّيّ الذي يسمح للإنسان بالتحقّق بهذه المواصفات وبعيشها على أرض الواقع فإن أيّ فجوةٍ بين النصّ وبين الواقع تصبح مصدر خطرٍ على العلاقة بين الراعي وبين الرعيّة… وغيرها من الأمور واليوم نواصل القراءة

الملمح الثاني.. إتقان العمل.
ففي هذا الملمح تقول الباحثة الدكتورة سعاد : في مجتمعاتٍ بدأت تفتقد الإتقان في الصنائع والأعمال المهنيّة، يصبح المتقن مقصوداً من الجميع.. فالمتقن لا يتذرّع بتدنّي الربحيّة ليُنقص من جودة عمله، وهو يُحسن القيام بعمله، ويُحكمه بحيث لا يفسد فيضطر المتعامل معه إلى إعادة تكليفه بالعمل وخسارة المزيد من المال والوقت. يقول تعالى في سياق إحسان الشيء بمعنى إتقان صنعه ليؤدّي وظيفته في الوجود ففي سورة السجدة الايات 6 – 7 يقول الله تعالى (الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) . وفي المعنى نفسه، وإنما بلفظ الإتقان لا الإحسان، يقول الله تعالى في سورة النمل 88: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(. وفي الحديث النبوي الشريف: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.

الملمح الثالث.. إنجاز العمل

اما في الملمح الذي تقول فيه الباحثة باسلوب ينبغي على كل ذي لب أن يفهمه ويطبقه في الواقع وهو عن انجاز العمل : قد يُدخل البعض مفهوم “الإنجاز” في مفهوم “الإتقان”. ولكن الملاحظة تدلّنا على أن الإنجاز مهارةٌ مستقلّةٌ عن الإتقان، إنه القدرة على إتمام الأعمال وإنهائها ضمن المهل والأوقات المسمّاة.
فمن جملة شروط إحسان العمل أن يتمّ إنجازه وإكماله في وقته.
ونستدلّ على كون الإنجاز جزءاً من إحسان العمل، بأنّ الرسول الكريم ( بإكماله الدين للناس أحسن التبليغ ووفاه، يقول تعالى في سورة المائدة الآية 3 (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
كما أن الله سبحانه جعل لكلّ عبادةٍ وقتاً محدّداً؛ فللحجّ أيامٌ معلومةٌ، وللصوم شهرٌ معلومٌ، وللصلاة مواقيت محدّدة.. كلّ ذلك، ليتعلّم الإنسان أهميّة الوقت وليكتسبَ مهارة الإنجاز.

الملمح الرابع.. الأخذ بالأحسن من الخيارات الشرعيّة
من الإحسان، أن يطوّع المرء نفسه على الأخذ بالأحسن إن وقف أمام خياراتٍ كلّها شرعيّة. وهذا يفرض عليه أمرين: الأول، أن يرتّب الخيارات الشرعيّة. والثاني، أن يأخذ بأحسنها.
مثلاً، إن أجاز له القرآن الكريم أن يقاصص المسيء إليه، أو أن يعفو عنه، أو أن يحسن إليه. فإنه يختار أن يحسن إليه ويترك المقاصّة بالمثل، إن لم يرتب ذلك ضرراً.
يقول تعالى في سورة الزمر الاية 55 (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم).

دور الإحسان في رقيّ الإنسان

وهنا تعقب الباحثة حول عن دور الإحسان في رقيّ الإنسان قائلة ً : تتعدّد التعاريف لكلمة “حضارة”، وقد يطلقها البعض على نمط التعايش والمنجزات المدنيّة لشعوبٍ بائدةٍ كانت تسود فيهم شريعة الغاب. والحقيقة، أن لفظ “حضارة” يوحي بالرقيّ وبمفارقة التوحُّش. فأيّما دولةٍ من الدول أو شعبٍ من الشعوب تقدّم في أساليب المدنيّة ومنجزات التكنولوجيا ولكنه لا يزال متعثّراً على الصعيد الأخلاقيّ والإنسانيّ ولم يرق إلى عوالي الخصال، فلا يمكن أن ننبهر بمنجزاته ونظنّ أنه نموذجٌ حضاريّ، بل نفرّق فنتّخذه ربّما نموذجاً للمدنيّة لا نموذجاً للحضارة. فالمدنيّة إنجازاتٌ علميةٌ وتقنيةٌ وتقدّمٌ في أساليب الحياة، أما الحضارة فهي إنسانيّة الإنسان ورقيّه وبغض النظر عن مستوى المنجزات التقنيّة التي يعتمدها في حياته.
وهذا التفريق بين المدنيّة والحضارة يقودنا إلى القناعة بضرورة أن تتبنّى القيادات الاجتماعيّة مهمّة تكريم الأشخاص الرائدين في مجال الإحسان، فيعملوا على إبداع نشاطاتٍ ومناسباتٍ لإظهارهم وإعلاء شأنهم، ولتعريف المجتمع بمعنى الإحسان.. ويعملوا على صناعة قدواتٍ في مجال الإحسان للوالدين ولذي القربى، وقدواتٍ في إحسان الأقوياء لضعفاء المجتمع.. وأنشطةٍ ثقافيّةٍ واحتفاليّاتٍ تجسّد للناس معنى الإحسان، وقدرته على تحقيق تقدّمٍ حضاريٍّ للمجتمع بأكمله، وتحفز جمهور الناس على السير في درب الإحسان.
إنّ نشر الحكومات لهذه المفاهيم، وتجسيدها بالنماذج والقدوات من أطياف المجتمع كلّها، يرسّخ ثقافة الواجب، ويبيّن أن الحقوق لصيقةٌ بالواجبات، فمن يعمل فسوف يرى.. ومن لا يعمل نحثّه على أن يفتح أعينه ليرى النماذج حوله، ويدرك أن ركب الحياة لن ينتظره طويلاً.

دور الخُلُق في حصانة الفرد واستقرار المجتمع

وفي هذا الجانب أخي القارئ تعالى معي إلى ما تناولته الدكتورة في هذا الموضوع التي تقول فيه : لم ترق معارفنا الإسلاميّة في مجال الخُلُق إلى مصافّ العلميّة، فهي لا تزال تراوح في خطاب الوعظ والإرشاد، مع بعض إشراقاتٍ مضيئةٍ لقلّةٍ من العلماء سلكوا درب التوجيه الأخلاقيّ واجتهدوا في استنباط قيم الإسلام، وجاهدوا في توصيلها للناس عبر قنوات الاتّصال الممكنة وبلغةٍ يفهمها جمهور المسلمين ولا تستنكرها النخبة.
وقبل أن نباشر في ترسيم دور الخلق في حصانة الفرد وفي استقرار المجتمع، نتوقّف لنعيد النظر في موقع “الخلق” في تراثنا الفكريّ.
ونتساءَل: أين وضع سلفنا الخُلُق في ترتيبهم للمعارف والعلوم، وما هي حقيقة علاقة الخلق بالدين؟
وفي سياق الإجابة أقدّم أربع ملاحظات:

الملاحظة الأولى.. الخُلُق من التحسينات في الحياة لا من الضروريّات أو الحاجيّات!
قسّم كثيرٌ من علماء أصول الفقه مقاصد الشريعة إلى ثلاثة أنواعٍ متراتبةٍ تحقّق مصالح الناس وهي: الضروريّات والحاجيّات والتحسينات. ثم عرّفوا الضروريّات الشرعيّة بأنّها: هي التي لا بدّ منها لقيام حياة الناس، وإذا فُقدت عمَّت الفوضى، وهي خمسةٌ رئيسيّة: حفظ الدين، والنفس، والمال، والعقل، والنسل. أما الحاجيّات الشرعيّة فهي ما يحتاج إليه الناس لليسر والسعة ورفع الحرج مثل تشريع الرخص والطلاق والدية وإباحة المحظورات وغير ذلك. والغريب، أنهم وضعوا مكارم الأخلاق في مصافّ النوع الثالث وهو التحسينات، وقالوا بأنها – أي التحسينات – هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنّب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات..
إذن، في خلاصة المقال، إنّ مكارم الأخلاق تغيب من اللوحة المرسومة في باب الضروريات والحاجيّات، ولا تظهر إلا في باب التحسينات التي إن فُقدت لا يختلّ نظام الحياة.
وقد أثبت واقع المجتمعات الإسلامية، بأن التراجع الأخلاقيّ يخلخل نظام الحياة، ويفكّك لحمة العلاقات البينيّة، الثنائية والجماعيّة. وهذا يعني أننا بحاجةٍ إلى إعادة تقويمٍ لموقع الخُلُق في ترسيمة فكرنا الإسلاميّ.. بل أكاد أقول، أن نجعل التفكير فيه والعمل في مضماره من أولويّاتنا الملحّة.

الملاحظة الثانية.. الخُلُق لا ينفصل عن العبادة، وهو علامةٌ على الإيمان.

نلاحظ غياب ثقافةٍ أخلاقيّةٍ لدى الشباب خاصّةً. فقلّما يكون شعور الشّاب المسلم عندما يكذب مثل شعوره عندما يترك فرض صلاة. غالباً ما يكون شعوره بالمعصية حاداً إن ترك عبادة أو أتى ذنباً. أما في المجال الأخلاقيّ فيكون شعوره مخفّفاً. ولن ندخل في مكوّنات هذا الشعور لديه ومسؤوليّة التعليم الديني والوعظ المنبريّ، ولكننا نقول، إننا بحاجةٍ إلى ثقافةٍ خلقيّةٍ جديدةٍ تنطلق من حاجات العصر ومن حقائق النصّ الديني.
وبالنظر في النصّ الأساسيّ نجد أن الخلق جزءٌ لا يتجزّأ من الإسلام، وأنه لا يكمل إسلام المرء من دونه مهما صام وصلّى، لأنّ رسول الله ( يقول: “إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”. إذن، تتميم مكارم الأخلاق غايةٌ أساسيّةٌ من غايات البعثة المحمديّة.
كما تدلّنا آيات القرآن العظيم على أن العبادة والخُلُق لا ينفصلان، ويصدمنا أن نرى مسلمين يفصلون بين عباداتهم وخلقهم، فنرى واحدهم على سبيل المثال يكثر السجود والتسابيح والأذكار والصيام والقيام، ثم عندما نتعامل معه في تجارته في الأسواق نكاد ننكره، لكأنه إنسانٌ آخر غير الذي نعرف وغير الذي يمشي إلى الجامع.. وقد تذهب به قلّة الحياء إلى القول؛ بأن التجارة شيءٌ والعبادة شيءٌ آخر، وإن العبادة لا علاقة لها بالسوق.. كلامٌ غريبٌ، يحتاج إلى وقفة ضمير وإلى مراجعة صدق إيمانه. وذلك، لأن الحديث النبوي الشريف يدلّ بوضوح على أن وجود الخلق الكريم هو علامةٌ على وجود الإيمان في القلب. يقول (: “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له”، ويقول (: “الحياء من الإيمان” وعن عبد الله بن جراد قال: قال أبو الدرداء: يا رسول الله هل يسرق المؤمن؟ قال (: “قد يكون ذلك”. قال: فهل يزني المؤمن؟ قال (: “بلى وإن كره أبو الدرداء”. قال: هل يكذب المؤمن؟ قال (: “لا”، ثم أتبعها نبي الله ( (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ(. وفي رواية: “لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من إذا حدّث كذب”.

الملاحظة الثالثة.. مصدر القيم الخلقيّة هو الدين.

أظنّ أنّ مجتمعاتنا العربيّة أبدت عن ارتضائها للدين مصدراً للقيم الإنسانيّة. نعم، لقد تفارقت طوائفُ على النظريّة السياسيّة، وعلى مدنيّة الدولة ودينيّتها، ولكنّ الجميع متّفق على أنّ الصيغ السياسيّة كلّها يجب ألا تتعارض – صراحةً – مع النصّ الديني.
وقد طُرحت قديماً طروحاتٌ، ونسمع اليوم أصواتاً تنادي بعالميّة القيم الإنسانيّة، وبأن مصدرها هو العقل ومصلحة الاجتماع البشريّ، وبأنها عابرةٌ للديانات والثقافات والأزمنة والأمكنة، وبتعبير آخر، طروحاتٌ تنادي بفصل الخُلُق عن الدين.
ونرى أن جزءاً من مقولتهم صحيح، وهو أن الخلق عالميّ وعابرٌ للحدود كلّها. إلا أننا نتوقّف عند فصلهم الخلق عن الدين وجعل قسمٍ منه يندرج في بنود القانون، وقسمٍ آخر يوضع في لوائح الأخلاقيّات المهنيّة والحرفيّة والمؤسّساتيّة، وقسمٍ ثالثٍ يتحوّل إلى عاداتٍ سلوكيّةٍ يتمّ تعميمها بتكامل جهود كافّة الوسائل المتاحة من سينما وتليفزيون وبرامج مدرسيّة وغير ذلك. لنقول: إنّ هذه العمليّة المركّبة والمعقّدة التي أخذت مسارها في المجتمعات الغربيّة تدريجيّاً منذ سنوات، وتوافق الذوق الأخلاقيّ للإنسان الغربيّ، هي في جوانب كثيرةٍ لا تنسجم مع عاداتنا وتقاليدنا المستمدّة في كثيرٍ من الأحيان من النصّ الديني. فما يعدّه العربيّ المسلم خلقاً قد لا يعتبره الغربي كذلك، من مثال احترام الوالدين وخفض الصوت لهما ومعاملتهما بالإحسان. وكثيرٌ من الأبناء يقبّل يدي والديه وهو في أعلى المناصب الوظيفيّة والاجتماعيّة ولا يجد حرجاً في ذلك. كما أنّ هناك قيماً يعدّها المسلم فضائل ويرى الغربي أنها تستلب الحياة، كالتضحية والإيثار والصبر وغير ذلك.
باختصارٍ، إنّ معيار القيمة الخلقيّة، ورغم عالميّته في عظائم الأخلاق، إلا أن له خصوصيّةً في دقائق الأخلاق. ومن الحظّ العظيم، أن يحوي القرآن الكريم عظائم الأخلاق ودقيقها بحيث لا يكاد يفرغ العقل من الشغل بتعقّلها وتصنيفها وترتيبها وتقديمها للناس في صيغةٍ سهلةٍ قابلةٍ للحياة.

الملاحظة الرابعة.. تهذيب النفس هو مدار العمليّة الأخلاقيّة.

على حين تدور أدبيّات الخلق في الفضاء الغربيّ على عمليتيّ إكساب المتعلّم السلوك والعادات الحسنة، فإن النظرة الإسلاميّة تصرّ على جوّانيّة الخلق وأنه جزءٌ أساسيٌّ من عمليّة تهذيب النفس. فمدار الخلق في الإسلام على تهذيب النفس وتطبيعها وتغيير هيئتها الباطنة حتى يصدر الفعل الأخلاقي عن الشخص بتلقائيّةٍ ودون تكلُّف وفي كلّ الظروف والأمكنة والأزمنة.

بعد هذه الملاحظات الأربع نلتفت إلى بيان دور الخلق في إكساب الفرد حصانةً إنسانيّةً، ثم نتبع ذلك ببيان دور الخلق في الاستقرار الاجتماعيّ وصناعة النجاح.

دور الخُلُق في حصانة الفرد

وفي هذا الجانب تقول الدكتورة سعاد الحكيم : ترتكز النظريّة الأخلاقيّة الإسلاميّة على الإنسان، ويمكننا أن نشبّه القيمة الخلقيّة بالشجرة، التي غُرست بذرتها في جوّانيّة الإنسان، وتفرّعت فروعها في كلّ دربٍ سلكه، سواءً كان درب صحبةٍ أو رفقةٍ أو تكوين عائلةٍ أو إنشاء شركةٍ وغير ذلك. ففي النظريّة الإسلاميّة، إن تحدّدت القيم الأخلاقيّة العظمى الواجبُ توافرها في الإنسان الخلوق، فإنّها ستكون هي نفسها الحاكمة في الميادين الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة وغير ذلك. وبكلامٍ آخر، فإنّ أخلاقيّات المهن والحرف والمؤسّسات ما هي إلا تجليّاتٍ للخلق الفرديّ نتجت عن جدليّة العمل مع القيمة.. فالإنسان المتّصف بخلق الأمانة ستتجلّى صور الأمانة من أدائه الشخصيّ في ميادين الحياة كلّها.
ومن خلال عملي على “معجم قيم الإسلام في القرآن الكريم” رصدت أكثر من ألف قيمةٍ إسلاميّة؛ منها ما هو أساسيٌّ ويُعدّ من عظائم الخلق، ومنها ما هو تفريعيٌّ ويُعدّ من رقائق الخلق. ويمكن – في هذه الوريقات – أن أُجمل أمّهات الخلق بأربع قيمٍ عظمى، وأقول: إن كانت هيئة نفس الإنسان مطبوعةً على هذه الأربع فيكون خُلُقه ينبوعيّاً أصيلاً، وإلا فليس أمامه إلا التطبّع بها وتغيير صفات نفسه لتحصيلها؛ وهي: الصدق والأمانة والحياء والشجاعة. وتحت هذه العناوين الأربعة تندرج عشرات القيم الأخلاقيّة.
وأختار من هذه الأربعة خُلُق الأمانة كنموذجٍ، لأبيّن من خلاله دور الخلق في حياة الفرد وتجلّياته التطبيقيّة في ميادين الحياة:
إنّ الأمانة خلقٌ أساسيٌّ في منظومة القيم، بحيث إنْ فقده الإنسان أصبح عديم الأخلاق، لأن الخُلُق لا يتجزّأ في أصوله الأساسيّة. والأمانة لا ينحصر معناها بردّ الوديعة، بل تتوسّع لتصبح الشجرة التي تفرد غصونها في كلّ الميادين، وتخضرّ أوراقها في كلّ الزوايا وقد سبقت الإشارة إلى مثال الشجرة.ونبدأ بالكلام على الأمانة من حيثيّة كونها خُلُقاً للشخص. فنجد أنّها في الإسلام مؤدّاةٌ إلى البرّ والفاجر وإلى أهل الملّة وغير أهل الملّة، أي لا يحقّ للمسلم أن يستبيح أمانةً لديه لشخصٍ على غير دينه. يقول تعالى ذاكراً سوء خلق بعضٍ من أهل الكتاب ينكرون أيّ حقٍّ للأمّيين (لأهل أمّة المسلمين ) عليهم يقول الله تعالى في سورة آل عمران الآية 75 (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).
ونثنّي برسم مشهد الأمانة كما يبدعه الإسلام أملاً بأن يكون هذا المشهد مادةً يتفكّر بها ويستنبط منها رؤساء المؤسّسات وأصحاب الشركات وكلّ من يتولّى إدارةً عامّةً أو خاصّة.

حسبنا هذا اليوم من القراءة وللموضوع بقية بإذن الله تعالى …

إلى الأعلى