الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تأملات في اليوم العالمي للمرأة

تأملات في اليوم العالمي للمرأة

علي عقلة عرسان

” المرأة كانت في حدود دَورٍ فرضه الجهل وفرضته التقاليد وفرضته ظروفٌ ومعطياتٌ اجتماعية في مرحلة مضت، والمرأة اليوم في مناخٍ مغاير تماماً. صحيح أنه ليس كاملاً ولا شاملاً ولا قادراً على إتاحة كل ما تحتاج إليه ليكون بين يديها، ولكنه أفضل بما لا يقاس مما كان عليه المناخ الذي كانت تتحرك فيه منذ عقودٍ قريبةٍ من الزمن. ”
ــــــــــــــــــــــــــــ

بمناسبة يوم المرأة العالمي وجدتني أمام سؤال ذي فروع، أو أسئلة ذات جذر واحد وربما جذع واحد، أبدأها بسؤال يدهشني قبل أن يدهش سواي: هل كانت القصة الأولى التي تُروى لنا عن هبوطنا أو طردنا من ملكوت السماء إلى ناسوت الأرض والشقاء، أعني قصة الشجرة والتفاحة .. آدم وحواء، هي قصة آدم أم قصة حواء، قصة الرجل أم قصة المرأة؟! أتراها بدأت منه أم منها، بسببه أم بسببها، ومن ثم لمن تنسب أولاً؟!
ما يقال لنا: إنهما أكلا من الشجرة المنهي عن أكل ثمرها، فأبصرا ما لم يكن منهما موضع عيب وتركيز نظر من قبل، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ليخفي كل منهما سوأه. وقد بدأ، منذ ذلك الوقت الأقدم في تاريخ الوجود البشري، سرد القصص والحكايات، ورواية الحوادث والوقائع، وتدبيج الشعر والروايات، بفن وإبداع أو من دون فن ومن دون إبداع، وفق تقنيات المسرحية أو الملحمة أو الشعر أو القصة والرواية؛ وبدأ التفكير في تحديد المسؤولية والدور، السلبي والإيجابي، المعوق والحافز.. إلخ.. وتركَّز معظم ذلك الأداء البشري حول ما يربط بين قلبين أو ما يفصل بينهما، ما يجمع بين جسدين أو ما يفرق بينهما.. إذ كان للحب بأبعاده النصيب الأعظم من ذلك.
ولا يعرف تاريخ الحب والأدب والفن، حتى الآن، كيف تتكوَّن ثم تنطلق شرارة العلاقة البديعة أو الفظيعة بين رجل وامرأة، ولا كيف تنتشر في مناخ ذي كيمياء خاصة لتكوِّن نطفة العلاقة الاجتماعية من جهة ولتلوِّن الحياة والعالم من جهة أخرى بلون عينين وقلبين و روحين وعقلين؟! كل ما نعرفه بثقة وبشيء من الدقة: أن ذلك قائم، وأنه لم ينقطع، وأننا بحاجة إليه، وأنه جزء عضوي من الحياة، ومن ثمة فقد يستمر من دون توقف.. وأن ذلك يحتاج إلى الجنسين: الذكر والأنثى، في وحدة اجتماعية حيوية ” أسرة” وتفاعل وحياة، تتدفق منها وتنمو من حولها الحياة بكل ما فيها من حلاوة ومرارة.. كما لا يعرف تاريخ السلم والحرب بدوائرهما الضيقة التي تبدأ من عراك رجلين أو امرأتين أو عراك قبيلة وشعب، ودوائهما الأوسع مدى دور المرأة وتأثيرها في ذلك.. عدا عن دورها الحافز أو المعوق في ميادين كثيرة. وإذا قيل في كل أمر ابحث عن المرأة، فإنه قيل أيضاً وراء كل رجل عظيم امرأة.. وهذا القول الأخير يحمل التأثيرين السلبي والإيجابي،، فامرأة سقراط دفعته ليكون فيلسوفاً وأم نابليون دفعته ليكون قائداً عظيما.. وخذ ما شئت من أحداث وتواريخ لتجد المرأة حاضرة في الأحداث، كما في أشكال الإبداع بأنواعه ومستوياته.
وفي تفريع لهذا السؤال، يتعلق بالشخصية الموحية والمحببة والمغرية بالمتابعة والاتباع، من داخل دائرة الحياة التي تلهم المبدعين أو دائرة الإبداع التي تغني الحياة وتؤثر في البشر الأحياء.. أتساءل: ما هو المغزى في فن القص بالحوار أو القص بالسرد وعالمهما، أو في عالم شعر الغزل: أهو الموضوع أم الشخصية؟ وإذا كانت الشخصية، فشخصية المرأة أم شخصية الرجل يا ترى؟! شهرزاد أم شهريار، ذات الهمة أم السيد البطال، ليلى أم المجنون، أنطوني أم كليوباترا، أنتيجونا أم كريون، الأم أم ابنها بافل عند جوركي في الأم، نساء لوركا في بيت برناردا ألبا أم حضور بيبي الرومانو الذي لا نراه أبداً وإنما يشغلنا الإحساس به وتأثيرُه الفتاك في بنات برناردا وبيتها من دون استثناء، رجال كافكا في القضية أم نساء سارتر في الجحيم، ناتاشا أم فيودور عند دستويفسكي؟!
إن ذلك الموضوع إذا فُتح قد لا يُغلق، شأنه شأن الحياة التي يبرز فيها صراع الأحياء ويشكل تياراتها، وتؤسس كلَّ حركة وكل رغبة وكل حاجة طبيعية وكل مصلحة ونزوة وغريزة من مخلوق فيها لفعل ـ قد يكون مناقضاً لنظيره موازياً أو مزامناً له في الحدوث ـ في السياق ذاته من مخلوق آخر، هو المكمل له في جنسه، والمكوِّن معه لأزمته أو نهايته المفجعة، والمؤسس لفنائه، والشريك في المحنة والمتعة والامتحان والحل.. في الشرط والمصير الإنسانيين؛ إنه ذاك الذي يكوِّن نعيمه وجحيمه في آن معاً، وليس لهما فكاك من شركة الحياة والموت والسعادة والمعاناة، لتتشكل بذلك ومن ذلك مقومات الصراع وأسبابه في وحدة أضداد، هي جوهر ثابت في الحياة ابتداء من الصراع داخل النفس البشرية ذاتها وانتهاء بأعتى صراعات البشر.. ومن دون الصراع ووحدة الأضداد أو تلاقيها في السعي إلى هدف لا يكون تشويق ولا تراجيديا ولا دوافع وحواز وصراعات هي الحياة.. ولا تكون حياة ولا تكون إثارة ولا إبداع أو إعمال للفكر وإغناء له وسمو به، من دون ذلك.
ونحن واجدون في الميثيولوجيا القديمة التي تحاول أن تقدم صورة للحياة والخلق منذ ” نيؤما إلش السومرية – ازكدية، وأزيس وأوزوريس الفعونية، والمثيولوجيا السورية ثم اليونانية.. وفي أساطير الصين القديمة أو الميثيولوجيا فيها آلهة ،إلاهات تتقاسم المسؤوليات وتتكامل ولكل منها دور وتأثير وحضور فاعل.. تلك علاقة تقوم بها الحياة ولا يمكن أن تقوم حياة وتستمر برجل يكون فيها معزولاً عن المرأة أو بامرأة معزولة عن الرجل.. وإذا أردنا الحديث عن التبعية والحقوق ، التخلف والتقدم، الظلم وما في جعبه وركابه، وقيادة الرجل وتبعية المرأة.. فعلينا أن نتذكر في تدرج البشرية أيضاً مجتمع الأمومة حيث كانت المرأة هي الآمر والناهي والسيد ومن يقرر حتى للرجل.. فتلك دورات حياة.. على أننا بحاجة دوماً إلى المساواة والتكامل، وإلى المعرفة واستخدامها للنهوض بالإنسان، ذكراً وأنثى في الحياة.. على أن نضع في الاعتبار أنه مثلما لخلايا الجسم وظائف محددة تتكامل في أدائها لتكون الجسم السليم المعافى، فإن في المجتمع، الذي يبدأ بالخلية الأساس ” الأسرة”، وظائف تتكامل لتكون المجتمع السليم والمعافى.. ومن هذا المنظور لا يعيب المرأة أن يكون لها طبيعة مختلفة عن طبيعة الرجل تؤهلها لأدوار وأعمال ومهام، ولا يضير الرجل أن تكون له طبيعة تؤهله لأدوار وأعمال ومهام مختلفة عن تلك التي للمرأة.. ومن ثم يتكامل الاثنان في حياة فيها خصوصية عضوية متفاعلة مع الخصوصية العضوية للآخر في مساواة حقوقية تتصل بالجوهر الإنساني أولاً وآخراً.
المرأة مكمل للرجل والرجل مكمل للمرأة.. والحياة المعافاة تبدأ وتستمر في حياة خلية اجتماعية هي الأسرة التي يتكون المجتمع من ملايين بل مليارات الخلايا منها ليكون الشعب أو تكون الأمم.
ـ ٢ ـ
بدأت بمقاربة موقع المرأة بصورة عامة وأود أن آنتقل في حديثي إلى مقاربة أمر خاص يتصل بشعبنا العربي لكن أمام قضية خاصة من قضاياها هي القضية المركزية في نضالها، وتستدعي موقفاً وموضعاً ودوراً للمرأة، في مشروع حيوي للأمة هو المشروع القومي الذي تزداد الحاجة إليه لا سيما مع وجود الفوضى الدموية العارمة التي ألبست العدو ثوب الصديق وما هو كذلك، وألبست الصديق ثوب العدو وما هو بذلك أيضاً.. لأشير في نهاية حديثي إلى ما ينتظرنا في إطار صلب المشروع القومي الذي هو في جوهر الصراع العربي الصهيوني والقضية المركزية قضية فلسطين، لأنها هي معطى العمل القومي والمشروع القومي، وأساس تطلع العرب للوحدة والقوة والنهضة وتحقيق وجود واعٍ الذي يقول اليوم وفي ظل ضعف الأمة وتمزقها شيعاً واقتتالها مذهبياً لصالح العدو المحتل والصليبي الذي يحمل رسيس عدائه الدفين” بقطع رقاب الفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ لأن المشروع الصهيوني يقتضي التخلص منهم .. تلك تصريحات الإرهابي الصهيوني ليبرمان التي ليست جديدة على الإطلاق لمن يذكر ويتابع .. فبرنامج الإبادة الصهيوني للعرب مستمر بألوان وأشكال من دون توقف. إننا في خضم المحنة ( الكارثة) الفتنة .. نحتاج إلى مشروع يقاوم الوجود الاستعماري والمشروع الصهيوني، فالمشروع العربي النهضوي يتضاد نهائياً وكلياً مع المشروعين الصهيوني والغربي، وما لم نلتفت إلى هذه الناحية فإننا نقبل أن نكون ما يريده لنا أعداؤنا أن نكون.
والمقاربة التي أرمي أليها هنا تبدأ بمقاربة موقع المرأة في المشروع القومي ودور المرأة في ذلك المشروع ومسؤولياتها حياله، إذ هي أكثر من نصف المجتمع عدداً، وربما كانت الأعظم تأثيراً في النتيجة من النص الذكوري في مجريات كثيرة على رأسها التربية والوعي بالخطر والقدرة على التثوير.
وأبدأ ببعض الأسئلة التي قد تبدو مثيرة:
هل المرأة شريك في المشروع القومي من حيث أهدافه ووسائل تحقيقه والدفاع عنه.؟
هل هي موجودة في التخطيط والتنفيذ وفي التفكير والتدبير؟ وإذا لم تكن كذلك فهل هي جادة في السعي إلى موقع وموقف ودورٍ في ذلك المشروع؟ أم أنها وجدت طريقاً إليه فمشت فيها دون أن تدري كيف وجدت الطريق وكيف مشت عليها وإلى أين تصل مرددةً مع أبي ماضي قوله:
ولقد أبصرت قدَّامي طريقاً فمشيت كيف جئت، كيف أبصرت طريقي.. لست أدري
وهل اكتشفت المرأة حتى وهي منساقة في طريق المشروع القومي، وعند عتبة التحديات الكبرى العصرية التي تواجهه، هل اكتشفت لها دوراً فيه وموقفاً لها منه أو فيه؟ وهل اكتشفت خطأً تصححه وبعداً تضيفه وإمكانيةً تحققها باقتدار؟!
لا تنطوي أسئلتي على نفيٍّ لنصف المجتمع فأنا أرى النصف الممتلئ من الكأس، وآمل أن أبقى على تلك الرؤية كما أنها لا تنطوي على تسليماً بأنها تعي “أي المرأة”، تعي ما ينبغي أن تعيه في هذا المجال وتقوم بما ينبغي أن تقوم به من دورٍ في كل المستويات والصعد التي يهمها أن تكون حاضرةً فيها. وإذا كان يشوب أداءها نقصٌ أو قصورٌ، وهناك شيء من هذا، فالرجل شريك في المسؤولية عن ذلك، لأن المجتمع العربي لم يكن ليسمح بانطلاقةً سليمةً وقويةٍ للمرأة تشارك من خلالها مشاركةً تليق بمكانتها في الأسرة والمجتمع والأمة.
أنا أحمل المرأة مسؤولية، ولكنني أدرك في الوقت ذاته أنه لا مسؤولية من دون حرية، ولا يوجد فهم صحيح وممارسة سليمة للحرية من دون وعي معرفي معافى، وانتماء قومي سليم لأمة في واقعها وبيئة في مكوناتها وإمكاناتها واحتياجاتها، وهوية تاريخية عبر تطورها ونموها أصالها في تربة ثقافية غنية.
المرأة كانت في حدود دَورٍ فرضه الجهل وفرضته التقاليد وفرضته ظروفٌ ومعطياتٌ اجتماعية في مرحلة مضت، والمرأة اليوم في مناخٍ مغاير تماماً. صحيح أنه ليس كاملاً ولا شاملاً ولا قادراً على إتاحة كل ما تحتاج إليه ليكون بين يديها، ولكنه أفضل بما لا يقاس مما كان عليه المناخ الذي كانت تتحرك فيه منذ عقودٍ قريبةٍ من الزمن.
والمرأة بتقديري معوقٌ للمشروع القومي من جهة وأساسٌ له وليس ركناً فقط في تقدمه من جهة أخرى، فإذا كانت لا تعي تلك الأبعاد ولا تؤمن بتلك الضرورات فهي حاجزٌ في وجه الرجل إذا تقدم في هذا الاتجاه؛ وإذا كانت تعي تلك الأبعاد وتلك الضرورات فهي حافزٌ ومحرض للرجل على الأداء يضاف إلى أدائها في هذا المجال، والمرأة فاعلةٌ في كل اتجاه فهي سيدةُ الرجل ولادةً، وهي في البيت وفي مجالات كثيرة أزعم أنها تحكم الرجل وتتحكم به.. وقد لا يحكم الرجلُ المرأة لأنها بالودِّ والكلمة الطيبة تصل إلى ما تريد، ولأنها تبدأ حياة الرجل بالولادة وكثيراً ما تختمها في حياة بعد وفاته.
تحية للمرأة الأم والأخت والزوجة والبنت و.. في يومها الذي هو يوم الرجل بمن هو الأب والأخ والزوج والإبن. وسبحان الله القائل في محكم كتابه الكريم:” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” سورة الروم ٢١.

إلى الأعلى