الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف .. الهاوية

أصداف .. الهاوية

وليد الزبيدي

في قصيدته الشهيرة “الأبدية” يقول الشاعر العالمي خورخي لويس بورخيس (ثمّة شيءٌ واحدٌ لا وجود له، إنه النسيان). ليطلق بذلك العنان للأفكار لتتدفق بعيدا في خيال المرء، ثم يصطدم بواقع آخر، فالنسيان حاضر – غائب ، وكل الأشياء في ذاكرة المرء قد يستحضرها في لحظة ما ليهزم النسيان.
هنا، لويس بروخس يمتحن الإنسان بما يحمل في دواخله، ويذهب معه في جميع الإتجاهات، يبحر في يومه وأمسه والغد ايضا، فإذا اصطدم بصخرة عاتية وجد صعوبة في فهم منحنياتها، استحضر جانبا من ذاكرته التي تتماهى وهذا العالم، وإذا واجه اعصار غريب لم يمر به سابقا ولم يعرف له مثيلا استدرك للحظة عسى أن تختلط الرؤى وتنتج لمحة قريبة من هذا الاعصار، وقد يتنفس ذاكرة ويستنشقها في لحظة غضب أو صفاء، فيستمزج الكثير من الهواجس وربما الأحلام ايضا ، دون أن يتلمس شارة قريبة من هذا الظل أو ذاك العبث.
في منحنيات يومية، قد يكتشف المرء أنه لم يكن يعرف معنى المنحنيات، وعلى العكس من ذلك قد يجد في المساحات المنبسطة الطبيعية الكثير من المنعرجات التي لم يفهم أبعادها من قبل، وبين هذه المنعرجات وتلك المنحنيات قد تبدأ فصول عديدة من قصة متشابكة خطيرة، وفي لحظة ما قد يرى أنه لم يغادر المحطة الاولى، وليس هناك منحنيات ولا منعرجات على الاطلاق.
في الهاوية، قد تفعل الذاكرة فعلها فتنعش ما هو خامل، وفي الهاوية قد تخمد الذاكرة فيغيب فصيل الوعي في احرج لحظات الإنسان، تيه في تبعثر ذاتي، قد يصل في عنفوانه السلبي حد الغوص في هاوية سحيقة ، لتبدأ رحلة انعاش الذات من جديد أو الركون لما هو أسوأ في كل شيء.
الهاوية، النسيان، الحزم، التضعضع، الانحدار، الاندفاع، الحماس، الضياع، الذاكرة.
عناوين تحدد في المسار الواحد حدود الذاكرة وحقيقة النسيان.
تبدأ فاعلية الحدث في أعماق الذاكرة قبل أن يبدأ تفاعل الحدث في الواقع، وقد يكون الاصطدام في كثير من الاحداث في عقل الإنسان قبل أن يتربع على الواقع أو يحصل في مسارب الحياة اليومية.
والخشية من الهاوية لا تضمن عدم الوقوع في إتونها، لكن الحذر من تداعيات النسيان قد يلهب أكثر من بقعة ساخنة في النفس البشرية.
صراع يمتد لأمد ليس بالقصير تتداخل فيه عناصر كثيرة تتفاعل وتتصارع ، تتجانس وتتضارب، لكن محطاتها لن تقتصر على قصة واحدة ولا تتوقف عند بوابة واحدة.

إلى الأعلى