الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كيف نُنَمِّي في الصحافي “عَيْن الخبرة”؟

كيف نُنَمِّي في الصحافي “عَيْن الخبرة”؟

جواد البشيتي

الصحافي يملك ما يملكه سائر البشر من حواس، هي الحواس الخمس (البصر والسمع والذوق والشم واللمس). ولكنَّه، وإذا ما أراد أن يكون صحافيًّا حقيقيًّا، يجب أن يملك ما يسمَّى “الحاسَّة الصحافية”، والتي هي جزء من كلٍّ، يمكن تسميته “الحاسَّة المهنية”، فهناك، مثلًا، “الحاسَّة السياسية”، التي ينبغي لرجل السياسة أن يملكها، و”الحاسَّة الأمنية”، التي ينبغي لرجل الأمن أن يملكها.
و”الحاسَّة الصحافية”، لجهة وجودها، وقوَّة وجودها، في الصحافي، هي شيء يكتسبه الصحافي اكتسابًا، إذا ما قَوِيَ في نفسه الدافع أو الحافز إلى اكتسابه.
ولا شكَّ في أنَّ للصحيفة التي يعمل فيها، إذا ما أرادت أن تَكْبَر بصحافييها، دورًا مهمًّا في مساعدة الصحافي في تطوير وتقوية حاسَّته الصحافية، وفي تدريبه على ذلك، فإنَّ من الأهمية بمكان للصحيفة أن يكون لديها صحافي يرى ما لا يراه غيره من الناس الذين يَنْظُر معهم إلى الشيء نفسه، ويسمع ما لا يسمعه غيره مِمَّن يشاركونه الاستماع إلى الكلام نفسه.
و”التدريب” الذي أتينا على ذكره، قد يكون من قبيل أن تُزوِّد الصحيفة الصحافي ـ الذي أرسلته في مهمة صحافية، يُقاس نجاحها، وتُعْرَف أهميتها، من خلال “الخبر” الذي يأتيها به، بطائفة من “الأسئلة الحسِّية”، أي التي تقود وتوجِّه عينيه، مثلًا، أو في المقام الأوَّل، فيرى، من خلال سعيه إلى إجابتها، ما ينبغي له أن يراه من أشياء وتفاصيل، كان ممكنًا ألاَّ يقع عليها بصره، إذا لم يكن مزوَّدًا تلك الأسئلة، ولو وقعت في مدى بصره.
إنَّ “الخبر”، إذا ما أحْسَنَّا فهمه، أو إذا ما فهمناه على حقيقته، هو “الغاية” التي تنشدها كل صحيفة، لديها من الحرِّية في النشر ما يقوِّي فيها الدافع أو الحافز إلى البحث والتنقيب عن “الخبر”، وإلى “صنعه”؛ وليس “الخبر” سوى “المعلومة” الجديدة الجيِّدة، فـ”الجديد” لا أهمية له إذا لم يكن “مفيدًا”، من وجهة نظر عامَّة ما؛ و”المفيد” لا يظل كذلك إذا لم يكن “جديدًا”.
وأحسبُ أنَّ “الحاسَّة الصحافية” المحسَّنة والمُطوَّرة هي “الأداة” الفضلى للبحث والتنقيب عن “الخبر”، ولـ”صنعه”.
والسؤال الذي بإجابتنا له نتبيَّن وزن وأهمية ودرجة تطوُّر “الحاسَّة الصحافية” هو “كم رأيْتَ.. وماذا رأيْتَ؟”؛ فـ”الحاسَّة الصحافية” لا وجود لها في صحافي له عين لا تُبْصِر، وأُذْنٌ لا تسمع.
والصحافي الذي طوَّر، وعَرَفَ كيف يُطوِّر، حاسَّته الصحافية، هو الذي قادته تجربته وخبرته إلى استنتاج في منتهى الأهمية، مؤدَّاه أنْ ليس من أمْرٍ غير مهمٍّ إلاَّ في نظر صحافي غير مهتم؛ فالصحافي ذو الحاسَّة الصحافية القوية هو الذي “يكتشف” معاني كبيرة في الأمور والشؤون الصغيرة، أو التي تبدو لغيره صغيرة؛ ولكن، ما السبيل إلى اكتساب الصحافي “الحاسَّة الصحافية”؟
في الإجابة عن هذا السؤال، أقول معتقِدًا إنَّ “يقظة” الحواس، ولا سيَّما البصر منها، وامتلاك “المفهوم”، هما الشيء الأهم في سعي الصحافي إلى اكتساب هذه الحاسَّة.
إنَّ العين التي ترى هي العين المفتوحة؛ ولكن ليست كل عين مفتوحة ترى، فتجربتنا الحسِّية تُعلِّمنا أنَّ العين غير اليقظة، “النائمة”، التي يعيث في عملها فسادًا كسل الذهن وخموله وشروده، أو انشغاله وإشغاله بأمور وأشياء ليست بذي أهمية “الآن”..، هي عين لا تُبْصِر وإنْ أبصرت، أي لا ترى ما ينبغي لها أن ترى من الحادث أو الواقعة أو المشهد..؛ ولكنَّ العينين، وعلى أهميتهما، وأهمية يقظتهما، لن تتَّسِع رؤيتهما، وتتعمَّق، وتغتني، وتَكْتَمِل، إلاَّ بـ”العين الثالثة”، الموجودة في داخل الرأس، وهي “عين الخبرة والتجربة والثقافة..”، أي “المفهوم”.
من “الإحساس”، بأنماطه وأنواعه الخمسة، يُوْلَد “المفهوم”، الذي بفضله يتطوَّر “الإحساس”، وكأنَّ “المفهوم” هو الحاسَّة التي بها يتعمَّق الإحساس، ويتعمَّق المرء في رؤية ما تراه عيناه.
“المفهوم” إنَّما هو “العام” وقد رأته “عين” العقل في “الخاص”، الذي تراه العين، فإذا أنتَ ذهبْتَ إلى موقع أثري في زيارة سياحية، وكنتَ لا تعرف شيئًا من عِلْم الآثار، أو عن الحضارة التي إليها يعود هذا الموقع، فإنَّكَ لن ترى إلاَّ حجارًا؛ ولا شكَّ في أنَّكَ ستفضِّل عندئذٍ السياحة الصديقة للمعدة والبطن (سياحة المطاعم) على الزيارات السياحية للمواقع الأثرية.
أمَّا لو كنتَ على معرفة تاريخية وحضارية وأثرية جيِّدة، أي لو كنتَ تملك “المفهوم”، أو “العين الثالثة”، لرأيْتَ أكثر كثيرًا ممَّا تراه عيناكَ، ولأدركْتَ، عندئذٍ، أنَّ الحواس تحتاج إلى الثقافة والتثقيف، فشتَّان ما بين العين “المثقَّفة” بالشيء الذي تراه والعين “الأُمِّية”.
إذا كان البصر يخبرنا باللون مثلًا، والسمع بالصوت، والذوق بالطعم، والشمُّ بالرائحة، واللمس بالخشونة أو النعومة مثلًا، فإنَّ “العين الثالثة” تخبرنا بالمعنى الذي ينطوي عليه المحسوس.
بـ”يقظة الحواس”، و”العين الثالثة”، عين الخبرة والتجربة، يملك الصحافي حاسَّته المهنية، أي “الحاسَّة الصحافية”، والتي تُؤكِّد وجودها وفاعليتها من طريق صعوده في “سُلَّم الأسئلة”؛ فهو ما أن يُسجِّل إجابته عن سؤالي “أين؟”، و”متى؟”، حتى يشرع يصعد في ذاك السُّلَّم، توصُّلًا إلى إجابة سؤال “ماذا حدث؟”، ثمَّ سؤال “كيف حدث هذا الذي حدث؟”، ثمَّ سؤال “لماذا حدث؟”، والذي ما أن يسعى في إجابته، ويتوصَّل إليها، حتى يدرك أهمية وضرورة امتلاكه وتطويره لـ”الحاسَّة الصحافية”.

إلى الأعلى