الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “تطوير الموارد المعرفية”!

“تطوير الموارد المعرفية”!

عادل سعد

أن يتم استحداث لجان، أو مراكز، أو هيئات معينة تحت يافطة تطوير الموارد المائية، أو الاقتصادية، أو البيئية من أجل درء خطر التلوث، أقول أن يتم ذلك في هذه الميادين فإن للأمر ضرورته الواضحة لتعويض النقص الحاصل في تلك الموارد وإعادة تعويمها بعد الإفلاس الذي تصاب به، ولكن أن يتم استحداث لجان لتولي مسؤولية (تطوير الموارد المعرفية) التي تتعلق بأولويات الثقافة العامة كسلوك فإن الأمر يستحق الوقوف عنده بهامش من الاهتمام والتبصر والاستيعاب.
لقد أفرحني حقا إن في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية لجنة عليا باسم (لجنة تطوير الموارد المعرفية)، لا يهمنا متى تم تأليف هذه اللجنة، ومن له الفضل في تأليفها، لكن المهم والأساسي هو ما هي حدود مسؤوليتها وحجم تأثيرها في إزاحة الكثير من المعارف التي تسببت في تلويث المشهد العراقي وتشويهه وفرض قناعات غير مسبوقة وأجندة سلوك بغيضة تعمل وفق توجهات إلغاء الآخر، أو بالحد الأدنى عزله وتحجيمه والتقليل من شأن هويته ليكون تابعا ذليلا للمكونات الأخرى.
إن مسؤولية من هذا النوع صعبة جدًّا، خاصةً إذا لم تتحول إلى ما يمكن الوثوق به من خطوات ضمن إجراءات تشريعية ملزمة للجميع.
وعودة على بدء ليس العراق وحده بحاجة إلى لجان أو مراكز لتطوير المعارف الخاصة بالسلوك الوطني والإنسان المطلوب والمواءمة بين التوجهين، فهناك دول عربية أخرى بحاجة ماسة إلى مثل تلك الإجراءات، وإلى (موظفين) يتولون التنفيذ، وإذا كان لا بد من معايير لعملهم فلنا أن نتوقف مليًّا عند حاجاتنا لتفتيت هذا الغلو في النزعات الطائفية والثنية والحصصية، والتدمير الممنهج لكل ما يشير إلى عمران النفوس والأرض.
أنا هنا أجد إن اقتصار الأمر على إصلاح مناهج المعرفة المتعلقة بالمواد والمناهج الدراسية التعليمية لا يكفي أصلا بالرغم من ضرورته، لأن عملًا بهذا الاتجاه كمن ينتظر فسيلة نخل يزرعها لتعطي ثمرًا بعد سنوات.
إن المطلوب الآن إعادة تشكيل أولويات الرأي العام العراقي، ولا أكتمكم إنه مشهد يعصر الضمير والعقل في ظلامية مسكونة بالتاريخ وكأن أصحابها انطلقوا من كهوف عميقة.
إن شواخص تراثنا التشريعي المتمثلة بمسلة حمورابي القانونية تكفي للتدليل على أصالة النظافة الحضارية إذ يقول هذا الملك الآشوري (يعاقب من يقطع غصنًا مثمرًا) والعقوبة هنا أن يزرع شجرة من النوع نفسه وأن يرعاها.
نحن في العراق بحاجة إلى معارف لها قوة القانون الملزم على غرار ما فعله حمورابي ونبوخذ نصر وسرجون الأكدي، والأسبق منهم كلكامش الذي تمرد على غواية النمطية المطلقة، نحن في العراق بحاجة إلى سياسيين ومثقفين ومفكرين يعترفون بالأخطاء التي يرتكبونها ويعتذرون للأبرياء، نحن أيضا بحاجة ماسة لأن يصغي بعضنا إلى بعض، وليس أن نضيع وسط ضوضاء الاجتهادات المغلقة التي تكتفي بالثرثرة في المقاهي والزوايا على غرار ما يفعله الحرس القديم من بقايا اليساريين العراقيين في مقهى الشابندر وحافظ بشارع المتنبي كل يوم الجمعة.
لقد اقترحت على صديقي الدكتور حميد السعدون عندما كان رئيسا لمركز الدراسات الدولية التابع لجامعة بغداد أن يدعو إلى عقد ورشة عمل تخصصية عن (أصول الوظيفة السياسية وشروطها) وأمضينا بعض الوقت في ترتيب عناوين لهذه الورشة لكن الإحباط تسلل لنا بقناعة إن هناك تيارًا جامحًا يعتمد على ما هو مطروح وهكذا ضاع هذا المشروع، وفي الشهر الأخير من عام 2014 شاركت في ورشة عمل بالعاصمة الأردنية عمَّان بدعوة من الأمم المتحدة، وكان الموضوع يتعلق بمفهوم الحماية الدولية وهو مفهوم ساخن الان، والخلاصة التي توصلنا إليها خلال الندوة إن واحدة من المشاكل المعقدة بالنسبة لهذا الموضوع ومواضيع أخرى ذات طبيعة سياسية وأمنية تكمن في معارف الذين يتولون التنفيذ لأنهم بحاجة إلى رصيد مقبول من المعارف والمفاهيم والرؤى المستقبلية يتجاوز ما اعتادوا عليه لتنفيذ ذلك.
ويكفينا أن نشير إلى أنه في فرنسا وحدها هناك أربعة آلاف موقع لتنوير المواطنين الفرنسيين ودول الفرنكفونية.

إلى الأعلى