الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الحياد السويسري.. قاعدة أم استثناء ماهو سر نجاح الحياد السويسري؟
الحياد السويسري.. قاعدة أم استثناء ماهو سر نجاح الحياد السويسري؟

الحياد السويسري.. قاعدة أم استثناء ماهو سر نجاح الحياد السويسري؟

مقدمة:
مبدأ الحياد، أحد المفاهيم المعقّـدة في القانون الدولي العام. ولأول مرة، تضمنت اتفاقيات 18 أكتوبر 1907، التي وقّـعت في مؤتمر لاهاي الثاني، نصوصا تحدِّد حقوق والتزامات الدول المحايدة، وينص أحد بنود تلك الاتفاقية، على أنه لا يحق لدولة محايدة المشاركة المباشرة في نزاع مسلح أو مساعدة أحد الأطراف في النزاع من خلال تزويده بالرجال والسلاح.
وعندما يتحدث كثير من الباحثين أو صناع القرار عن الحياد ، فإنهم غالبا ما يشيرون الى التجربة السويسرية.
ــــــــــــــ
عرفت سويسرا ومنذ أوائل القرن ال19، بهويتها الحيادية. على عكس جميع الدول الاوروبية المحايدة في التاريخ السياسي الحديث، كانت التجربة السويسرية ناجحة لأسباب تعود الى الثقافة والتاريخ والاعتراف الدولي. كان الحياد كسياسة فاشلا إلى حد كبير بالنسبة لعدد كبير من الدول . الا أن سويسرا تمتلك بعض السمات التي مكنتها من تحقيق النجاح والأزدهار في ظل الحياد، خاصة تبني ثقافة وقف التسلح واعتبار الحياد أشبه بالسلعة الجماعية، ناهيك عن التاريخ الطويل لذلك الحياد الذي يمتد لحوالي قرنين من الزمان.
تركز الكثير من أدبيات الحياد على محاولة وضع تعريف معياري للحياد في سياق السياسة الأمنية الأوروبية. في حين تركز الدراسات الأخرى على الجانب المثالي للحياد ومساهمته في الحفاظ على الهوية الوطنية. إن أهمية المثال السويسري لدراسة الحياد مهمة جدا. أن العديد من الدراسات حول قوة الدول الصغيرة تبدأ من افتراض أن سويسرا حالة خاصة. آنيت بيكر فوكس في كتابها ” قوة الدول الصغيرة: الدبلوماسية في الحرب العالمية الثانية ” استبعدت سويسرا من الدول المحايدة ” لأن حياد سويسرا قديم وترسخ في تفكير الدبلوماسيين الأوروبيين بحيث تولد مانع نفسي تجاه غزو سويسرا “. وبعبارة أخرى، فإن النموذج السويسري كان ناجحا جدا بحيث تحول الى مثال نموذجي لا يمكن مقارنة التجارب الأخرى معه . تقول أيمي ستاسيو ” يتفق الجميع على أن تاريخ سويسرا هو تاريخ للنجاح وهو نقيض تاريخي لتجارب بقية الدول الأوروبية . أن الثقافة السياسية في سويسرا، كما يقول يورغ مارتين غابريال في كتابه سويسرا والأتحاد الأوربي تعزز العزلة والإقصاء ولكن ليس على حساب التعاون والعالمية . ويستند الحياد السويسري على وجهة النظر هذه وأن السياسة الداخلية والخارجية تشددان على العزلة باعتبارها النهج التقليدي . وهو السبب ذاته الذي يجعل السويسريين ينظرون الى تجربتهم الحيادية كقاعدة واستثناء في الوقت عينه.
أن دراسة التجربة السويسرية مهمة لأسياب أربعة: أولا، كانت سويسرا اول دولة يعترف بحيادها رسميا في مؤتمر فيينا في عام 1815. وهذا يجعلها نموذجا للحياد لأنها كانت الأولى. ثانيا، هي الدولة الوحيدة التي حافظت على حيادها بشكل مستمر لأكثر من 100 سنة، وعلى هذا النحو فهي نموذج للنجاح. ثالثا، أنها كانت واحدة من ثلاث دول محايدة اوروبية لم تنتهك سيادتها بشكل مباشر خلال الحرب العالمية الثانية. وأخيرا هي الدولة الأوروبية المحايدة الوحيدة في التاريخ المعاصر التي حافظت على حيادها التام بعد سقوط الشيوعية الأوروبية.
///تاريخ الحياد السويسري والنظام الدولي المتغير:
يعود أصل كلمة سويسرا الانجليزية الى اللغة الألمانية وهو مأخوذ من كلمة شفايزر ويعني ساكن منطقة شفايز وهي إحدى أقاليم والدستاتين التي شكلت نواة الاتحاد السويسري القديم. ولعل المصطلح مشتق من الكلمة الألمانية سويتس الذي يعني “يحرق” إشارة إلى منطقة حرجية قد تم إحراقها قديماً. وبعد أن وضعت حرب سوابيان في العام 1499 في تلك المنطقة أوزارها أصبح المصطلح يستخدم للإشارة إلى الاتحاد بأكمله. اتحدت مناطق شفوتز، اونترفالدن وأوري عام 1291 وشكلت بذلك ما يُعرف اليوم بسويسرا. حصلت البلاد على استقلالها من الامبراطورية الرومانية عام 1499 . سويسرا تتبع سياسة محايدة يعود تاريخها إلى عام 1515 ،بعد هزيمتها أمام فرنسا في معركة مارينيانو. أُعلنت سويسرا عام 1848 دولة اتحادية. حافظت الدولة السويسرية على حيادها في الحرب العالمية الأولى والثانية. أصبحت جنيف عام 1919 مقر عصبة الامم المتحدة . تقع سويسرا في وسط أوروبا، تحدّها المانيا من الشمال وفرنسا من الغرب وإيطاليا من الجنوب والنمسا وليختنشتاين من الشرق، وتشغل أرضها قسماً ممن جبال الألب وجبال جورا ، ولموقعها أهميته في وسط قارة أوروبا، حيث ممرات جبال الألب التي تربط بين العديد من الدول الأوروبية. يبلغ عدد سكان سويسرا تقريباُ 7.8 مليون نسمة ويعيش معظمهم السكان في مناطق الهضبة السويسرية حيث تتركز مدن البلاد الرئيسية مثا جنيف وزيورخ أضافة الى بازل ولوزان .ينتمي السكان إلى الجماعات الألمانية، ويشكلون أغلب سكان سويسرا ،ويتحدث 75% من السكان الألمانية ، 20% يتحدثون الفرنسية، وحوالي 4% يتحدثون الإيطالية، ويوجد بين السويسريين عدد كبير من الأجانب يقارب مليون نسمة 80% منهم قادمون من دول الاتحاد الأوروبي بحسب تقارير الأمم المتحدة تعاني طبقة الأجانب غير الأوروبية من العنصرية، خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت فوز حزب الشعب السويسري في الانتخابات الفدرالية، إذ أصدر هذا الحزب منذ توليه السلطة قوانين ضد الأجانب غير الأوروبيين، وعقد اتفاقيات مع دول الاتحاد الأوروبي لتفضيل الأجانب الأوروبيين بسوق العمل السويسري. الدستور الاتحادي الذي اعتمد في عام 1848 هو الأساس القانوني للدولة الاتحادية الحديثة، ومن بين أقدم الدساتير في العالم. اعتمد دستور جديد في عام 1999، لكنه لم يدخل عليه تغييرات ملحوظة في الهيكل الإتحادي. الدستور يوضح الحقوق الأساسية والسياسية للأفراد وكيفية مشاركة المواطنين في الشؤون العامة، ويقسم الصلاحيات بين الاتحاد والكانتونات، ويحدد الولاية القضائية الاتحادية، والسلطة. هناك ثلاثة مجالس إدارة رئيسية على المستوى الأتحادي البرلمان بمجلسين (السلطة التشريعية)، المجلس الاتحادي (السلطة التنفيذية)، والمحكمة الاتحادية (السلطة القضائية ) . البرلمان السويسري يتكون من مجلسين: مجلس للكنتونات التي لها 46 ممثلا (اثنان من كل كانتون، واحد من كل نصف كانتون) والذين يتم انتخابهم في ظل نظام يحدده كل كانتون. المجلس الوطني، الذي يتألف من 200 عضوا ينتخبون في ظل نظام التمثيل النسبي، تبعا لعدد سكان كل كانتون. أعضاء المجلسين يخدمون لمدة 4 سنوات. يجوز للمواطنين الطعن في أي قانون يصدر عن البرلمان، وإدخال تعديلات على الدستور الاتحادي، وذلك من خلال أستفتاء عام مما يجعل سويسرا ديمقراطية مباشرة .
يشكل المجلس الاتحادي للحكومة الاتحادية، توجه الإدارة الاتحادية ويخدم كرأس للدولة. وهو هيئة جماعية مكونة من سبعة أعضاء، ينتخبون لولاية مدتها أربع سنوات من قبل الجمعية الاتحادية التي تمارس أيضا الإشراف على المجلس. ويتم انتخاب رئيس للاتحاد من قبل الجمعية الاتحادية من بين الأعضاء السبعة، وتقليديا يتناوبون لمدة سنة واحدة، ويترأس رئيس الجمهورية الحكومة. لكن الرئيس يمتلك صلاحيات متكافئة مع البقية مع عدم وجود صلاحيات اضافية، ويبقى رئيس دائرة داخل الإدارة . يشكل المجلس الاتحادي للحكومة الاتحادية، توجه الإدارة الاتحادية ويخدم كرأس للدولة. وهو هيئة جماعية مكونة من سبعة أعضاء، ينتخبون لولاية مدتها أربع سنوات من قبل الجمعية الاتحادية التي تمارس أيضا الإشراف على المجلس. ويتم انتخاب رئيس للاتحاد من قبل الجمعية الاتحادية من بين الأعضاء السبعة، وتقليديا يتناوبون لمدة سنة واحدة، ويترأس رئيس الجمهورية الحكومة. لكن الرئيس يمتلك صلاحيات متكافئة مع البقية مع عدم وجود صلاحيات اضافية، ويبقى رئيس دائرة داخل الإدارة . الإقتصاد السويسري لا يعتمد على الثروات الطييعية ورغم ذلك تعتبر سويسرا دولة متقدمة، وتعتبر من أكثر بلدان العالم ثراءً حسب دخل الفرد إذ يصل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 67,384 دولار أميركي .
حصلت سويسرا على حيادها بشكل رسمي في مؤتمر فيينا في عام 1815 . نجحت سويسرا في النفاذ بجلدها من نزوات نابليون في أوائل القرن ال19 وحافظت على حيادها بعيدا عن اطماع القوى العظمى. وافقت كانتونات سويسرا على الوحدة في ظل قيادة متناوبة للدولة السويسرية المستقلة التي اعترفت بها الدول العظمى . الأهم من ذلك، أن مؤتمر فيينا اصدر إعلانا تم التصديق عليها في 20 مارس 1815 لضمان الحياد السويسري. يقول جوردون شيرمان أن سويسرا أرتدت ثوب الحيادية المتميز بضمان من الدول العظى . كان الحياد الدائم لسويسرا هو الأول على صعيد أوروبا ليكرس المفهوم التي حاولت الكانتونات الحفاظ عليه منذ القرن السادس عشر. تمثل نتائج اجتماعات فيينا دمج الدولة السويسرية المحايدة في بدن المجتمع والقانون الأوربيين ، وهي حقيقة لعبت دورا هاما في كيفية تعامل سويسرا مع بقية القارة في القرنين اللاحقين . أن صغر حجم سويسرا وحيادها أسكتت القوميين بعد توحيد ألمانيا في عام 1871و الذين كانوا يطالبون بأجبار سويسرا على الدخول في الدولة الجديدة . الا أن الحربين العالميتين الأولى والثانية كانا أول اختبارين حقيقيين للحياد السويسري . أضطرت الحرب العالمية الأولى السويسريين الى حشد ما يقرب من نصف مليون جندي على الحدود. وكان هذا استمرارا للحياد المسلح الذي بني بطريقة تجعل المتطفلين من القوى العظمى يدركون أن سويسرا لا تزال محايدة وأن السويسريين على استعداد للحفاظ على حيادهم حتى بقوة السلاح ، إذا لزم الأمر. جددت نهاية الحرب الاعتراف بالحياد السويسري من قبل القوى العظمى على النحو الوارد في المادة 435 من معاهدة فرساي. وعلاوة على ذلك، حولت الحرب العالمية الأولى سويسرا الى مكان تلتقي فيه الدول المتحاربة للتحاور والتفاوض والى قاعدة للعمليات الإنسانية، وقناة لديمومة تجارة بعض المواد الأساسية.
مع اقتراب الحرب العالمية الثانية أبلغت سويسرا الدول المتحاربة أنها تريد الحفاظ على حيادها ووضعها كدولة تعنى بالجانب الانساني للتخفيف من ويلات الحرب . أن تعبئة الجيش وانتشاره على الحدود بعث رسالة للجميع مفادها أن السويسريين راغبون في الحفاظ على حيادهم حتى ان اضطروا للقتال من اجل ذلك . كانت رغبات وخطط الألمان نحو سويسرا خلال الحرب غير واضحة ، لذلك وضعوا خطة لغزو سويسرا بعد أحتلالهم لفرنسا، في صيف عام 1940. وتحضيرا للغزو فرضت ألمانيا عقوبات اقتصادية على سويسرا، مما أدى إلى نقص في مختلف المواد الاساسية . الا ان الاحتياطي الذي بدأت الحكومة بتخزينه في الثلاثينيات ساهم بالتخفيف من حدة الحصار الالماني . تحدث جوزيف غوبلز في اكثر من مناسبة انه يعتقد ان سويسرا ستتحول تلقائيا الى شكل من أشكال الاشتراكية القومية، على الرغم من ضعف الاحزاب الفاشية فيها . في وقت لاحق حظرت الحكومة الاتحادية السويسرية خلال الحرب العديد من هذه الأحزاب. واصل الألمان الاستعداد لغزو سويسرا ، الا أن نقص العدة والعدد حال دون وقوع ذلك .أن الحملة الألمانية في الشرق ضد السوفييت لعبت دورا كبيرا في الحد من خطر الغزو. ومع ذلك، أبقى السويسريون أنفسهم في حالة تأهب قصوى حتى أبريل من عام 1945. استخدم الحياد السويسري خلال الحرب العالمية الثانية مثلما استخدم في الحرب العالمية الاولى . كانت سويسرا مكانا لاجتماع الدول المتحاربة وقناة للإغاثة الإنسانية ومصدرا للسلع الضرورية لسير الحرب والتي لا يمكن الحصول عليها بشكل مباشر من الاسواق . وبالإضافة إلى ذلك أصبحت سويسرا معسكرا لأسرى قوات الدول الأوروبية المهزومة ، بما في ذلك بولندا وفرنسا. وهكذا، حافظت سويسرا على استقلالها السياسي من خلال تقديم تنازلات حول مسائل سياسية أو أقتصادية صغيرة . تعرضت سويسرا للنقد بعد الحرب بسبب علاقاتها الاقتصادية مع ألمانيا النازية خلال الحرب. أن طبيعة الاقتصاد السويسري أستوجبت أستمرار هذه العلاقات بسبب الاعتماد شبه الكامل للصناعة على المواد الخام المستوردة. رفضت سويسرا دخول النظام الاقتصادي لدول المحور وفضلت الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع ألمانيا وفقا لشروطها هي ، مقرونة ببعض التنازلات الضرورية. استفاد البريطانيون من العلاقات الاقتصادية مع سويسرا، على الرغم من أن الوضع الجغرافي جعل هذه العلاقة محدودة . يمكن وصف العلاقات التجارية الأنجلو-السويسرية على انها عمليات تهريب كبيرة وصلت قيمتها في اواخر العام 1944 الى نحو 1.8 مليون جنيه بريطاني . هذا الجانب من العلاقات الاقتصادية السويسرية لم يعرف الا بعد نهاية الحرب .
اصبح الحياد السويسري موضوعا لدراسات عديدة حاولت تسليط الضوء على علاقات سويسرا مع الرايخ الثالث والحلفاء . في العام 1996 شكلت لجنة بيرجير (تسمى أحيانا لجنة الخبراء المستقلون ) لدراسة الحياد السويسري في الحرب العالمية الثانية. شكلت الحكومة السويسرية اللجنة برئاسة المؤرخ الاقتصادي جان فرانسوا بيرجيرو ضمت في عضويتها مؤرخين من سويسرا والولايات المتحدة وبولندا واسرائيل للتحقيق في الموجودات ( الاموال والذهب واللوحات الفنية وغيرها، الا أن الحكومة وسعت من عمل اللجنة لتغطية تقريبا جميع أشكال العلاقة مع الرايخ ) التي دخلت سويسرا قبل واثناء وبعد الحرب العالمية الثانية ، خاصة علاقة البنوك السويسرية بالرايخ الثالث. وقد بدا واضحا التاثير الاسرائيلي على عمل اللجنة لانها اعطت مساحة واسعة لما يقال انه سوء معاملة اليهود من قبل الحكومة السويسرية في ذلك الوقت . اللجنة اتهمت الحكومة السويسرية في ذلك الوقت بعدم التزامها بشكل كامل بمسئولياتها كدولة محايدة .
ولم يختلف المسار السويسري أبان فترة الحرب الباردة . الحكومات السويسرية المتعاقبة بقيت بعيدا عن الأمم المتحدة وعن الأتحاد الأوروبي . رفضت سويسرا دخول الامم المتحدة بسبب الترتيبات الأمنية الجماعية لدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وخاصة المواد المتعلقة بعبور القوات المسلحة عبر حدود الدولة ووضع القوات العسكرية تحت تصرف مجلس الأمن للأمم المتحدة. كانت العلاقات السويسرية مع الاتحاد السوفياتي غير واضحة خاصة مع النقد السوفييتي للإنفاق على الدفاع السويسري ومشيدا بالوقت نفسه بسياسة الحياد التي تنتهجها سويسرا . وكما حدث أثناء الحربين العالميتين، ركزت سويسرا على ان تصبح قاعدة لتوفير المساعدات الإنسانية وكمركز لدبلوماسية الحرب الباردة. كان الحياد السويسري مفيدا جدا لانه جعل من سويسرا ملتقى لجميع الاطراف. بعد نهاية الحرب الباردة بدأت سويسرا بالتخلص التدريجي من ثوب الحياد المطلق الذي ارتدته خلال الحربين العالميتين والحرب الباردة .كانت الخطوة الأولى نحو التعاون مع المجتمع الأوروبي في عام 1997 مع انضمام سويسرا الى برنامج الناتو للشراكة من أجل السلام، والذي يهدف الى أنخراط دول الكتلة الشرقية (المتدمقرطة) حديثا إلى الحلف. استندت المشاركة السويسرية على المصالح المتبادلة مع دول حلف شمال الاطلسي في المهمات الإنسانية والاستقرار الإقليمي والحد من التسلح وغيرها من مجالات الأمن غير التقليدية. وكانت سويسرا قد فتحت مجالها الجوي وشبكات الطرق والسكك الحديدية في وقت مبكر من عام 1995 امام قوات حلف شمال الاطلسي للتوجه الى يوغوسلافيا السابقة. وقد تم تعزيز التعاون من خلال وحدة عسكرية سويسرية تتألف من 222 رجل أرسلت إلى كوسوفو في شهر أكتوبر من عام 1999، مع الأحتفاظ بالطابع السويسري لمثل هذه المشاركات، في المقام الأول المهام الإنسانية وإعادة الأعمار. وقد أوضحت الحكومة السويسرية أن زيادة التعاون مع حلف شمال الأطلسي نابع من المصالح المتبادلة ومتوافق تماما مع الحياد السويسري.
دخلت سويسرا الأمم المتحدة في عام 2002. لم يحظ الانضمام السويسري للمنظمة الدولية الا بموافقة 55% من المواطنين السويسريين الذين شاركوا في الاستفتاء الوطني، وهو رقم يدل على أهمية ثقافة الحياد لدى العديد من الناخبين السويسريين .لم تعتبر الحكومة السويسرية انضمامها إلى الأمم المتحدة وتطوير علاقات أوثق مع الناتو حلا وسطا للحياد ولكنه علاقة تعاونية لأن هذه المنظمات تشترك معها في الاهداف العريضة . في الواقع، ان هذه التطورات تظهر الصعوبة التي يجدها السويسريون في تبني سياسة حياد انعزالية امام زحف العولمة المتزايد .أن المفهوم الحديث للحياد السويسري يشتمل على التركيز على المخاوف الأمنية غير التقليدية التي هي أكثر انسجاما مع الأفكار الحديثة للأمن الأوروبي. عليه فإن الحياد السويسري لا يزال يؤمن أنه لا يريد المشاركة في حروب الأخرين الا انه خفف من تطبيقه لما يسمى بالحياد المطلق، سواء كان موجودا أو متخيلا . ويقال إن الانضمام للشراكة من أجل السلام (الناتو) والأمم المتحدة يظهر تخلي سويسرا عن الفوائد التقليدية للحياد من اجل مشاركة واسعة في اوروبا والعالم ( المتعولمين). الا ان البعض يرى ان التردد السويسري في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وسياسته الأمنية المشتركة، يبين قوة ثقافة الحياد لدى السويسرين . إن العلاقة الأوثق لسويسرا مع الأمم المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي تمثل تغيرا ، لكنه ليس كبيرا ، في السياسة السويسرية، وخاصة إذا ما قورنت بالدول الاوروبية الغربية المحايدة الأخرى. بينما اتخذت الأخيرة موقفا مؤيدا للاتحاد الأوروبي بعد سقوط الشيوعية الأوروبية، حافظت سويسرا على حيادها الصارم. بينما شارك السويسريون في برنامج الناتو “الشراكة من أجل السلام ” الا أن سياستهم الخارجية لا تزال أكثر حيادية من معاصريها من الدول .
وهكذا، يمكننا أن نرى أن تجربة الحياد السويسرية مختلفة جدا عن التجارب الاخرى . في دراسة لجون دراير و نيل جيسي عن الحياد السويسري بالمقارنة مع تجارب الحياد لثلاثة عشر دولة اوروبية واسيوية واميركية منذ عصر نابليون توصل المؤلفان الى نتائج أهمها الى أن تجربة الحياد ذات أصول أوروبية وأن معظم الدول المحايدة هي دول مسلحة وأن الحياد لتلك الدول قد أنتهك في مناسبات عديدة ، خاصة تلك الدول المحايدة التي لعبت دور الدول العازلة. وأخيرا، كانت سويسرا ناجحة جدا في عدم انتهاك حياديتها منذ ذلك التاريخ .
على سبيل المثال، فشل الحياد في الدنمارك وبلجيكا وهولندا لأنها كانت دول عازلة بين القوى المتحاربة الرئيسية. وكانت دول اخرى ، مثل أيرلندا والسويد، ناجحة جزئيا بسبب موقعها الجغرافي على حدود الصراعات القائمة . أن وجود قوات في تلك الدول المحايدة لم يكن في حد ذاته، شرطا كافيا لردع انتهاك الحياد. بمقارنة التجربتين البلجيكية والسويسرية خلال الحرب العالمية الثانية يمكننا القول ان الطرفين اعتمدا على وجود اتفاقية دولية تضمن حيادهما الى جانب وجود جيش لدى كل منهما . في عام 1939 كانت بمقدور بلجيكا تعبئة جيش قوامه ما يقرب من 200،000 رجل ضد أي عدوان محتمل من المانيا .الا أن ذلك الجيش لم يمنع الألمان من اجتياح بلجيكا في العام 1940 ، الا أن ذلك لم يحدث مع سويسرا . دراسة جون دراير ونيل جيسي أظهرت أيضا أن سويسرا هي واحدة من دولتين فقط بقيتا محايدتين تماما ( مع ايرلندا ). وعلاوة على ذلك، أن سويسرا هي الدولة المحايدة الوحيدة التي لم تتخذ موقفا مؤيدا للاتحاد الأوروبي. وكما ذكرنا سابقا فإن سويسرا قوت علاقاتها مع جيرانها من دول الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تنضم بعد إلى الاتحاد الأوروبي.باختصار أن نجاح الحياد السويسري جعلها متميزة عن تجارب الحياد الاخرى .فإن حيادها العسكري هو أيضا ما يميز التجربة السويسرية المعاصرة للحيد عن مثيلاتها الأوروبيات .بتعبير أخر أن تاريخ الحياد السويسري وتجربتها المعاصرة ناجحة جدا ومختلفة عن الأخرين.
///أسرار نجاح الحياد السويسري :
ركزت غالبية الدراسات عن الحياد السويسري على ديمومة الحياد باعتباره تحديا دبلوماسيا في أوقات النزاع. في حين ركزت بعض الدراسات على المفهوم السويسري للدفاع في حالة الحياد . هذه الدراسات شملت المحاولات السويسرية للحفاظ على حيادها في وجه اي عدوان محتمل من قبل الدول المتحاربة. الدراسات التي تناولت موضوع الحياد سلطت الضوء على تفرد الحياد السويسري ، سواء بالطريقة التي نظر بها السويسريون لحيادية بلدهم أو لتبنيهم مبدأ الدفاع المسلح ، والأهم من ذلك، الموقف الدولي تجاه هذا النهج.
أولا: الدفاع المسلح: أن العنصر السلبي يجعل تكلفة انتهاك الحياد عالية جدا، مما يضطر الدول المتحاربة الى تجنب مهاجمة البلد المحايد. وقد أكد عدد من الدراسات على أن الدول المحايدة يجب أن تكون مستعدة للدفاع عن نفسها ضد اي هجوم مسلح. لقد وفرت طبيعة الحياد السويسري المسلح ، خصوصا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية العنصر السلبي . جرى التركيز عند تناول الكيفية التي تختار فيها الدول المحايدة بنية حيادها على نظريات التعلم والسوابق التاريخية. أن بنية الحياد والتجارب السابقة تدفع الدول الى انتهاج الحياد السلبي أو الايجابي. بينما ضمنت القوى العظمى الحياد السويسري، فإن “الوصاية” الفرنسية التي حدثت في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر والتهديد الألماني خلال الحرب العالمية الثانية كل هذه العوامل عززت الحاجة إلى عنصر الردع المسلح. تزامنت الفترة الفرنسية مع السنوات الاخيرة من الثورة وصعود نابليون. كان لنابليون اهتمام خاص بسويسرا، بما في ذلك فرض الوحدة على الكانتونات، والتحالف مع فرنسا، وتجنيد أفواج من السويسريين في جيش نابليون المسمى الجيش العظيم . وكان لهزيمة نابليون على يد الدول المتحالفة في 1812-1814 وقعا كبيرا في سويسرا، و كذلك الحال مع معاهدة فيينا. أبرزت الهيمنة الفرنسية على سويسرا الحاجة إلى جيش لتوفير الردع الضروري ضد الأعتداءات المحتملة .
في أعقاب الحرب العالمية الأولى اعتقد البعض أن الحياد بحاجة الى ضمان يتجاوز ما يمكن ان يقدمه القانون الدولي او الاتفاقيات . وبدت اتفاقيات لاهاي (1907) عاجزة أمام الدول المتحاربة . كما حدث في عام 1914، كان الحفاظ على الحياد عشية الحرب العالمية الثانية يعتمد على مصالح القوى العظمى في حماية الدول المحايدة أو انتهاك أراضيها. في 1939-1940 اعتمدت بعض الدول الأوروبية المحايدة ، لا سيما بلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج على القانون الدولي والاتفاقيات، كما كان الحال في عام 1914، الا أنها عانت الأمرين من الاجتياح الألماني . في عام 1939 خططت المانيا لاجتياح سويسرا . لقد بدى تأثير الجانب العسكري لسياسة الحياد السويسري واضحا في السنوات الخمس اللاحقة للحرب. درس جاك ليفي الأسباب الكامنة وراء نجاح سياسة الردع وقال أن القدرات العسكرية هي، على الأكثر، هي مسألة ثانوية في نجاح أو فشل الردع. يقول جون اورني في دراسة له عن أسباب فشل الردع أن وجود ضعف في الالتزام والمصداقية، أو قدرة المدافع ستكون كافية لتشجيع الخصم على شن عدوانه.
قدم ليفي وغيره من الباحثين نموذجا يميز بين الردع العام والردع الفوري. يستند الردع العام على النفي المستمر لمصادر عدم الاستقرار والظروف التي يمكن أن تنتج أزمة أو نزاعا خطيرا. يسعى الردع الفوري لمعالجة الأزمات عند حدوثها، بالتحضير لتلك الأزمات ساعة تكشفها . حافظت سويسرا على موقف الردع العام حتى وقت قريب جدا. مالت الدول الأخرى المحايدة، مثل بلجيكا قبل الحرب العالمية الأولى، صوب الردع الفوري. أن بناء الدول المحايدة الصغيرة لرادع عسكري قوي قد يعتبره البعض تهديدا .الردع المقبول قد يعدل موقف الدولة المحاربة إزاء حيد الدولة مما يعزز الجانب السلبي للحياد . تعتبر الجغرافيا جانبا هاما لنجاح الردع المسلح. قد يحدد الفارق الجيوسياسي بين المنطقة العازلة ودولة حدودية نتائج الصراع . إن الدول العازلة تقع في قلب منطقة ذات أهمية استراتيجية، في معظم الأحيان بين دولتين أو أكثر من الدول المتحاربة. وتشمل الأمثلة بلجيكا بين فرنسا وألمانيا وفنلندا بين السويد وروسيا في القرنين ال18 وال19. في المقابل، الدول الحدودية تقع خارج هذه المنطقة المهمة استراتيجيا وتحادد دولة من الدول المتحاربة او قد لاتكون لها حدود مع تلك الدول . ومع ذلك، فإن في تحديد الدولة العازلة أو الحدودية تكون الجغرافيا جزءا من المعادلة. يمكن اعتبار فنلندا، على سبيل المثال، دولة حدودية على اساس موقعها الجغرافي ، لكن روسيا سعت إلى تحييدها خوفا من تعرضها لهجوم الماني عبر الحدود الفنلندية. أذن تعتبر روسيا فنلندا على الأساس الاستراتيجي دولة عازلة . إن الدول العازلة دول ضعيفة بسبب موقعها وجيرانها طبقا للسوابق التاريخية ونظريات التعلم الواقعية . تكون الدولة العازلة دائما تحت رحمة القوى المحيطة بها .إن الدفاع المسلح لسويسرا المحايدة ليس مجرد موقف سياسي وامتدادا للردع العام الذي رسمه ليفي ولكنه جزء راسخ من الثقافة الوطنية. تعتبر الرماية رياضة سويسرية وطنية والأسلحة النارية لها مكانة خاصة في العائلة السويسرية. إن استخدام ويليام تيل باعتباره رمزا وطنيا للمقاومة قد لعب دورا حيويا في تحديد دور الرامي السويسري كمدافع عن الأسرة والمنزل والدولة. أن أندية وطقوس الرماية ليست بالجديدة حيث تعود الى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر . يلعب الدور المزدوج لرياضة الرماية والدفاع دورا أساسيا في الثقافة الوطنية السويسرية.
تعتبر أسطورة ويليام تيل مع الحاكم جيسلر التعبير الأمثل للطريقة التي يرى السويسريون أنفسهم : أجبر جيسلر تيل على التصويب بسهمه الى تفاحة وضعت فوق رأس ابنه الصغير ، الا أنه عاد ليقتص من الحاكم الظالم . فالرماية لديهم رياضة ولكنها ايضا اسلوب للدفاع عن النفس . تساهم ثلاثة عناصر أساسية في الردع المسلح السويسري. الميليشات المسلحة، وهي فريدة من نوعها في أوروبا الغربية، التي هي دائما على استعداد للمشاركة في الدفاع عن الدولة. ثانيا، انتشار رياضة الرماية بين جميع الأعمار . وأخيرا هي الثقافة السياسية الوطنية وفكرة مقاومة الغزو الأجنبي الذي تجلت واضحة في أسطورة ويليام تيل والخطاب الذي القاه الجنرال هنري جيسان في عام 1940 في منطقة ريوتلي، متعهدا بعدم الاستسلام أبدا في مواجهة العدوان الخارجي. هذه العناصر الثلاثة مجتمعة تعطي سويسرا نهج ردع مسلح مختلف وأكثر صلابة من أي دولة محايدة أخرى.
ثانيا : الحياد الايجابي كسمة عامة (أي الجانب الإيجابي الحياد). والسمة الثانية هي اعتبار الحياد سمة عامة او حيادا ايجابيا، بمعنى أنه هو مفيد لجميع الأطراف المتحاربة. يقول كارش في كتابه الحياد والدول الصغيرة أن تقديم بعض الفوائد الإيجابية للمتحاربين يمكن أن يكون معادلا للفوائد التي تكسبها تلك الدول من خلال العدوان. يهدف المكون الإيجابي للحياد الى مكافئة المكون السلبي، وهو الردع المسلح، الذي يوفر ضمانا إضافيا للحياد. استخدمت العديد من الدول المحايدة هذا المكون الايجابي في الحرب العالمية الثانية ، وإن لم توفق في مسعاها.
من خلال مبدأ الحياد كسمة عامة نظر الكثيرون الى سويسرا وفي مراحل تاريخية مختلفة على أنها دولة محايدة أيجابية ، بالرغم من أستخدامها الردع المسلح. تاريخيا، اعتبرت سويسرا ملاذا للمتطرفين والمثقفين، وغيرهم ممن يفرون من الدول الأوروبية الأخرى. كما اجتذبت سويسرا المنظمات الدولية التي تريد أدارة نشاطها الدولي في دولة محايدة ، وتأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سويسرا في عام 1863 هو مثال جيدا على ذلك. إن اعتبار الحياد الايجابي كسلعة عامة تجسد بشكل واضح في تصرفات دول المحور في الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من الخطاب والدبلوماسية العدوانين استفادت ألمانيا وإيطاليا استفادة كاملة من سويسرا كمكان للاجتماعات وشريكا تجاريا. جرت المحاولات اليابانية والألمانية للتفاوض في 1944-1945 مع الحلفاء على الأراضي السويسرية. لقد كانت سويسرا المحايدة ممرا للاتصال والتفاوض بين القوى المتحاربة، ووفرت رصيدا قيما لكلا الجانبين. في مجال التجارة حاولت سويسرا الحفاظ على علاقاتها التجارية قبل الحرب. استخدام السويسريون حجتين في اثبات حيادهم في العلاقات التجارية. أولا، إن عدم قطع تجارتها مع أي مجموعة من المتحاربين فإن سويسرا لم تنحز لأي منهما في الحرب. ثانيا، من المطالبة بإقامة تجارة متساوية مع الأطراف المتحاربة فأنها لم تساعد أي طرف منهما . وشاركت سويسرا في الاجراءات التي لم يمليها المتحاربون . ان الجهود السويسرية في المجال الانساني، وحمايتها لممثلي الدول الاجنبية وقبولها ومعاملتها للاجئين قدمت العديد من المزايا للدول المتحاربة. أقامت الحكومة السويسرية منطقة محايدة فاقت في فوائدها تلك التي حصلت عليها الدول المتحاربة من الغزو. بالإضافة إلى القيام بدور السلعة العامة فان سويسرا، مددت ذلك الدور ليشمل المنظمات غير الحكومية والمنظمات الحكومية الدولية، مثل الصليب الأحمر وعصبة الأمم. يساهم وجود الكثير من المنظمات الدولية في جنيف في تعزيز الطريقة التي ينظر بها المجتمع الدولي لسويسرا.
أن الاشارة الى الحياد السلبي (أي الدفاع المسلح والردع) والحياد الإيجابي (أي السمة العامة أو الجماعية) يعني الاعتماد على النموذج الواقعي الذي يرى أن التهديدات الأمنية الخارجية هي العامل الرئيسي في تحديد السياسة الخارجية للدولة. أثارت مؤخرا جملة من الدراسات عن خيار الحياد كسياسة خارجية عددا من الأسئلة حول النموذج الواقعي . ركزت هذه الدراسات على المصادر الداخلية للسياسة الخارجية في الدول المحايدة. وقد أدى هذا التركيز على المصادر الداخلية إلى استكشاف معنى الحياد لتلك الدول التي تدعي أنها تستخدمه كسياسة خارجية. وهذا بدوره أدى إلى تجدد المناقشات حول المعايير والهوية في الدول المحايدة.
///معيار الحياد:
ان سويسرا هي الدولة التي حددت معنى الحياد للمجتمع الدولي. كان الحياد السويسري ممهورا بالسيادة وتقرير المصير، وبناء مؤسسة الحياد التي تعترف بها القوى العظمى وإدراج الحياد في الثقافة الاستراتيجية للأمة. ليست سويسرا وحدها التي تعتبر نفسها دولة محايدة لكن المجتمع الدولي يقر بذلك. لقد لبست سويسرا رداء قدم المعنى الوطني لثقافة الحياد . غالبا ما ترتبط قدرة الجهات الفاعلة داخل النظام الدولي على تحقيق أهداف تتعلق بالأمن والسياسة والقدرة ترتبط بوضع بعض المعايير(النماذج) وممارستها على أرض الواقع. أن بناء المعايير يجري من خلال الممارسة التي تقوم على النظرية. تعرف مارثا فينمور وكاترين سكينك المعيار بأنه مقياس للسلوك المناسب لمجموعة ذات هوية محددة. تبنى المعايير على أساس السوابق التاريخية والقوانين الدولية المتعارف عليها. أن بناء المعايير والقواعد والفهم المشترك على النطاق العالمي يؤثر على ما نريد، وإلى حد ما، ما نحن عليه. يبنى التفاعل والأفكار الأجتماعية ، بشكل أساسي، عن طريق القوة المادية ومصلحة الدولة. تحدد الهوية والمصلحة سلوك الدول وهو السلوك الذي تلعب المنظمات الدولية دورا في تعليمه للدول من خلال معايير ما يجب أن يكون عليه المجتمع الدولي. يحدد النظام المعايير والهويات الخاصة بالدول. تلعب العوامل الداخلية دورا من خلال ضمان أن الدول تتفاعل بشكل مختلف لهذه المعايير والقواعد والتفاهمات المشتركة. تعتبر العوامل الداخلية للدول عاملا مهما في تحديد كيفية تصرف الدولة في المجتمع الدولي. أن المعتقدات والمعايير المشتركة تشكلان الهوية في المستويات المختلفة من التحليل في إطار النظام الدولي. هذه الجوانب من الهوية هي التي تنبىء وتشرح دور الدول والأفراد والمنظمات الدولية في الساحة الدولية.
أهتم بعض الباحثين بالأعراف الجديدة، على سبيل المثال درست آن فلوريني أصول وتطور المعيار أو النموذج، اما ريتشارد برايس فقد درس تطور المعايير في مضمار الأسلحة الكيمياوية المحظورة. في حالة سويسرا فإن الدول الكبرى، التي أسميناها سابقا بالقوى العظمى تلعب الدور الأهم في تحويل الحياد السويسري الى معيار. يظهر لهذا المعيار وجهان أولا، ضمان الحياد بواسطة القوى العظمى وثانيا تكيف الحياد في السياسة العامة للدولة. هذان الوجهان يدعم أحدهما الآخر فإذا ما خرقت دولة كبرى المعيار وهددت الحياد السويسري يأتي دور الردع المسلح. يوضح تاريخ الحياد السويسري بناء معيار فريد من نوعه لا يمكن تطبيقه الا في سويسرا. وعبر محطات مختلفة من النظام الدولي (مثلا مؤتمر فيينا، الحرب العالمية الأولى، فشل عصبة الأمم والحرب الباردة) فإن الحياد السويسري دخل الاعراف الدولية واستمر هناك . بينما حافظت سويسرا على حيادها قبل 1815 ، فإن القوى العظمى هي التي ضمنت حياد سويسرا في مؤتمر فيينا . اعترفت القوى العظمى بالحياد السويسري في معاهدة فرساي عام 1919 بالمادة 435. ولكن إدراجها في القانون الدولي وحده لا يكفي لردع العدوان. إن الاعتماد على القانون الدولي لضمان الحياد قد فشل ، كما يتضح من تجربة بلجيكا في عام 1914. حددت اتفاقيات لاهاي لعام 1907 ما يترتب على الحياد ، كما تعتقد القوى العظمى ، ضمن النظام الدولي القائم، وكانت النتيجة الحياد البلجيكي. لم يهتم الألمان كثيرا لهذه العوامل في تنفيذ خطة فون شليفن ( خطة لاحتلال فرنسا مرورا ببلجيكا ولوكسمبورغ) والدور البلجيكي فيها . وبالتالي، فأن هناك العوامل أخرى ساهمت ومازالت تساهم في نجاح الحياد السويسري.
إن الوضع الفريد للحياد السويسري جعلت الآخرين ينظرون إليه كمعيار أو نموذج في النظام. إلا أن الحياد خارج سويسرا هو أكثر ضعفا وأقل فعالية. وقد حاولت بلجيكا تطبيق نفس السمات السويسرية الثلاث، الا أنها فشلت في الحفاظ على حيادها في الحرب العالمية الأولى والثانية بسبب عدم حصولها على الاعتراف بحيادها مع عدم امتلاكها للرادع المسلح. كما أن التحالف اللاحق للجيش البلجيكي مع الحلفاء في الحرب العالمية الأولى لم يضمن الثبات للحياد البلجيكي. أما الدول المحايدة الأخرى، مثل إيرلندا والسويد والنرويج فإنها كانت قادرة على حماية نفسها من خلال موقعها الجغرافي أو من خلال السياسة أو انها تنتهك حيادها سرا من اجل الحفاظ عليها.
إن نجاح الحياد السويسري جعل منه نموذجا يقتدى، الا أنه اصبح أيضا تجربة لا يمكن تكرارها. ثلاثة عوامل حاسمة تجمعت لتجعل من التجربة السويسرية تجربة فريدة: وجود قوة عسكرية رادعة معترف بها دوليا. ثانيا، لقد كان السويسريون قادرين دوما على تطوير حيادهم بشكل ايجابي . وأخيرا، إن الوضع التاريخي لسويسرا ساعدها على تطوير معيار أو نموذج معترف به دوليا . أن استخدام سويسرا كمعيار أو نموذج من قبل الدول الصغيرة سوف يتطلب تطبيقا حذرا ومتأنيا للعوامل الثلاثة.

محمد نجيب السعدي

إلى الأعلى