الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / صدمات أدونيس وحرب والشرفي فيها شفاء للأمة .. لو تدري !

صدمات أدونيس وحرب والشرفي فيها شفاء للأمة .. لو تدري !

بادرة ذكية، استحضار الشيخ محمد عبده بعد وفاته بـ110 أعوام ليكون رجل الساعة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، فهل استقام ما قدم من رؤى خلال ندوات المعرض مع فكر هذا الشيخ المستنير؟
من فوق منصة ملتقى الإبداع يناشدنا شاعر العامية مصباح مهدي: يرجى إعادة شحن البطاقة! كان هذا عنوان ومطلع قصيدة نالت استحسان الجمهور، فصفقوا له كثيرا.
وبعد ذلك بأيام، ومن فوق منصة القاعة الرئيسة بالمعرض داهمنا المفكر اللبناني علي حرب لما يصلح أن يكون تفسيرا لمناشدة شاعر العامية بضرورة إعادة شحن البطاقة، قال علي حرب :لدينا ثروات وموارد هائلة ـ يقصد العرب ـ وفي المقابل لا شيء سوى الفقر والهشاشة الفكرية .فإن كان هذا حالنا، تبدو مناشدة شاعر العامية مصباح مهدي للأمة مبررة تماما، طالما نعاني من أنيميا في الفكر الصحيح، إذا فلا مفر من إعادة شحن الدماغ العربي برؤى مستنيرة تهدي الأمة إلى الطريق الذي يضعها في مركز الحضارة العالمية وبما يتوافق مع مواردها الضخمة وعراقتها، لكن هذا الذي أقوله لم يراودني، حين قال مصباح مهدي قصيدته “يرجى إعادة شحن البطاقة “!بل كان تعقيبي عقب انتهاء الشاعر من إلقاء قصيدته أنها دعوة تأتي في وقتها الملائم للمصريين؛ كي يجيشوا ما لديهم من وعي ليحسنوا اختيار ممثليهم خلال انتخابات مجلس النواب المقبلة، فلا يختارون إلا من يعي التحديات السياسية التي تواجهها الدولة في الداخل والخارج.
وبدا حديثي مفهوما، مرحبا به من الحضور الكثيف ـ على غير العادة في الندوات الثقافية ـ حيث استقبلوا ما قلت بتصفيق حاد.
إلا أن مداهمة المفكر علي حرب لنا كانت أكثر تأثيرا، إذ يقول في أسف :لم نخرج على العالم بنظرية أو معادلة أو صيغة خارقة للسقف المحلي وقابلة للتداول على ساحة الفكر العالمي، لم يخترع أحدنا علما نافعا أو منهجا فعالا في الدرس أو نموذجا ناجحا في الإنماء، فماذا نحتاج ؟
ويجيب المفكر الكبير: تجديد الفكر بحيث نهتم بتشخيص الواقع المتردي ونحسن قراءة التحولات ومواجهة التحديات باستخدام ما هو منجز ومتاح من أدوات الدرس وشبكات الفهم وصيغ الفكر العقلي والنقدي .
لكن تلك الوصفة الثورية لن تتوافر للعقل الجمعي العربي إلا بتلبية دعوة شاعر العامية مصباح مهدي، إعادةعادة شحنه بفكر الاستنارة .
وهذا كان حال معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ46 ، أفكار غير مألوفة، صادمة بالطبع، ودوما بداية التغيير يبدأ بالصدام .
في ندوته الحاشدة قال المفكر والشاعر السوري الكبير أدونيس: رغم كل الإنجازات التي حققها الكتاب والمبدعون العرب في كل الميادين، شخصيا أقول إن الحداثة العربية ليست حاضرة معنا وليست أمامنا وإنما الحداثة خلف ظهورنا، فالأطروحات والأفكار التي حدثت في القرن الثاني الهجري ـ الثامن الميلادي ـ وبشكل خاص في بغداد أكثر جرأة وأكثر عمقا وأكثر جذرية من أطروحاتنا المعاصرة اليوم، فلا نجد شاعرا خلق لغة كاملة للمدينة كما فعل أبو نواس، لا نجد شاعرا أعاد النظر في شعرية اللغة وفي علاقتها بالأشياء وبالعالم كما نجد عند أبي تمام، لا نجد شاعرا أعاد النظر في الموروث الديني والموروث الاجتماعي العربي كما نجد عند أبي العلاء المعري .
ولفت أدونيس إلى أننا لا نجد تجربة فذة مثل تجربة المتصوفين ولا نجد تاريخا عظيما كما نجد عند “ابن خلدون” في مقدمته الشهيرة في كل ما يتعلق بعلم الاجتماع.
ولقد كان الشعر أحد أعظم الإنجازات العربية، حتى أن أدونيس يصفه بأنه التراث الأعظم والأكثر تعبيرا عن الشخصية العربية، وهو الأفضل على مستوى العالم، ومع ذلك ـ يقول شاعرنا الكبير ـ لا يوجد كتاب واحد يدرس جماليات الشعر العربي على مدار 14 قرنا، وما كتبه الجرجاني في هذا الشأن وأخذه عنه الباحثون لم يكن عن الشعر، بل عن جماليات الأسلوب القرآني .
ويتساءل أدونيس، ونتساءل معه: كيف حدثت تلك المنجزات الكبرى في الماضي، وتغيب عن الحاضر؟!
لكن أدونيس لم يكتف بتشخيص الحالة الفكرية العربية وما تعانيه من تدهور فاضح، بل يقدم مشروعا يراه إجابة عن سؤال الموجوعين بأحوال الأمة: كيف يكون الخروج من هذا النفق المظلم ؟
والمشروع الأدونيسي للإصلاح يرتكز على أربعة محاور هي:
- القطيعة الكاملة للقراءات السائدة للدين التي تحول النص الديني الذي هو نص رحمة ومحبة وسعادة للبشرية إلى نص عنف، إلى جلاد.
- إنشاء جبهة علمانية تعمل على إعادة قراءة الموروث وتؤسس لمجتمع جديد قائم على المعرفة والفكر المتجدد.
- تحرير الثقافة العربية من القيود المفروضة عليها، حتى يتحقق المنشود منها، الحرية وفتح الآفاق .
- الديموقراطية والتي من خلالها تتجذر قيم الحرية والحقوق والمساواة .
وهل البيئة الثقافية العربية مهيأة لإنجاز مشروع أدونيس ؟
أظن أن الإجابة جاءت في قاعة أخرى من قاعات المعرض وعلى لسان المفكر التونسي الدكتور عبد المجيد الشرفي حين شدد على ضرورة تغيير النظم التعليمية؛ لأهميتها في تحديث الفكر السائد في عالمنا العربي، وقال: غالبية مدارسنا تقليدية لا تؤهل الشباب على استقلالية الشخصية، وعلى أن يكون لهم الحق في تجاوز المألوف في الإبداع والاكتشاف والابتكار وانحصر دورها في الحفظ والتلقين، وفي هذا الإطار يجري التركيز على تعليم الإيمان الظاهر بدون الاهتمام بالجوهر، فإذا لم يكن المتلقي للخطاب الديني قادرا على التمييز بين الغث والسمين؛ فسيكون ذلك بداية طريق التطرف.
وينوه الشرفي إلى أن تحديث الفكر مناعة تكسب الإنسان العربي والمسلم نوعا من النخوة والاعتزاز بالدين الإسلامي، وذلك لكون المسلمين شاركوا في صنع الحضارة العالمية. لكن المفكر التونسي يضع ثلاثة شروط للمضي في مشروع التحديث، يتمحور أولها في التخلص من أنماط الإنتاج التقليدي، حيث الفكر الذي ورثناه كان يتناغم مع المجتمع الرعوي والزراعي البسيط، أما الآن فنحن نعيش داخل أنماط اجتماعية معقدة.
أما الشرط الثاني فيتركز حول الاحتفاء بقيمة الحرية، فالعبرة في المجتمعات الحديثة ليست بالطاعة، ولكن بمكانة الفرد في المجتمع بصرف النظر عن أي اعتبار آخر، ومكانة الفرد ينبغي أن تبنى على مبدأ الحرية، حرية البحث والضمير بما لا يمس حرية الآخرين، من منطلق أن الحرية هي أساس تحديث الفكر .
وثالث شروط “الشرفي” يتعلق بإقرار مبدأ المواطنة والمشاركة في الحكم .
وما أكثر الصدمات التي تلقيناها من مفكري الأمة خلال أيام المعرض، وفي تلك الصدمات شفاء لها، لكن ثمة مشكلة، أن الأمة لم تكن موجودة في قاعات معرض القاهرة الدولي للكتاب، ولا تتلقى فكر أدونيس أو علي حرب أو الشرفي، بل لا أبالغ إن قلت إن الغالبية العظمى من أبنائها لم تلتقط آذانهم هذه الأسماء من قبل، وكل جمهور أدونيس، وكل مفكرينا نخبويون، لا يزيدون على بضعة آلاف على امتداد جغرافية الوطن الكبير.
فكيف يصل طرح هؤلاء المفكرون الكبار للأمة، الذي فيه شفاء لها، لو كانت تدري ؟
هذا هو السؤال المحوري الذي ينبغي أن نبحث عن إجابة له.

محمد القصبي

إلى الأعلى